لماذا يفهم البعض ما يعجز عنه الآخرون؟ مفاتيح الفهم الصحيح لل
Article Summary
حقيقة لا يمكن إنكارها
الكلام الواحد قد يُلقى على عشرات الآذان، فيفهمه بعضهم فهمًا دقيقًا، بينما يمر على آخرين مرور الكرام دون أن يتركوا به أثرًا يُذكر. بل قد يقرأ اثنان النص نفسه، فيستخرج أحدهما منه كنوزًا من المعاني ودررًا من الفوائد، بينما لا يجني الآخر إلا فهمًا سطحيًا لا يتجاوز قشور الألفاظ.
هذا التفاوت الهائل في الفهم ليس صدفة عابرة، وليس حظًا يُعطى لبعض الناس دون بعض. كما أنه - والأهم من ذلك - ليس دليلًا على عيب في النص ذاته إذا كان واضح العبارة بيّن المعنى محكم الدلالة. إنما هو نتيجة طبيعية لتفاوت الناس في امتلاك أسباب الفهم ومفاتيح الإدراك.
فالنص الواحد قد يقرؤه العالِم المتبحر فيستنبط منه الدقائق واللطائف، ويقرؤه الجاهل فلا يظفر إلا بأبسط المعاني وأظهرها. ويقرؤه المنصف فيفهمه على وجهه الصحيح كما أراد صاحبه، ويقرؤه ذو الهوى فيحمّله من المعاني ما لا يحتمل، ويُخرجه عن مراد قائله إلى ما يوافق هواه.
فما الذي يصنع هذا التفاوت العظيم؟ وما الأسباب الموضوعية الحقيقية التي تقرّب بعض الناس من الفهم الصحيح وتُبعد آخرين عنه أميالًا؟
السبب الأول: القرب من لغة النص
من البديهيات التي لا تحتاج إلى برهان أن فهم أي نص يتوقف - أولاً وقبل كل شيء - على معرفة اللغة التي كُتب بها. فكلما كان الإنسان أعرف باللغة وأتقن لأساليبها، كان أقدر على فهم النص فهمًا صحيحًا دقيقًا.
والمقصود بمعرفة اللغة هنا ليس مجرد حفظ معاني المفردات من القواميس والمعاجم - وإن كان ذلك أساسًا لا بد منه - بل المقصود أعمق من ذلك وأشمل: معرفة طرائق التعبير التي يسلكها أهل تلك اللغة، وأساليب الكلام التي اعتادوا عليها، وما تواضعوا عليه من عادات في الخطاب، وما جرت به عاداتهم في استعمال الألفاظ.
فالعرب - على سبيل المثال - يقولون "فلان طويل اليد" ولا يقصدون أن يديه طويلتان حقيقة، وإنما يريدون أنه كريم معطاء. ويقولون "فلان خفيف الظل" ولا يعنون أن ظله خفيف الوزن، وإنما يقصدون أنه لطيف المعشر محبوب إلى القلوب. فمن لم يعرف هذه الأساليب وقف عند الألفاظ الظاهرة، وفهم الكلام على ظاهره، وأخطأ المعنى المراد خطأً فاحشًا.
وكذلك في كل لغة أساليب خاصة بها في النفي والإثبات، والمدح والذم، والتصريح والتلميح، والإطلاق والتقييد؛ من عرف هذه الأساليب وتشبّع بها أصاب في الفهم ووقع على المعنى المقصود، ومن جهلها وقع في الخطأ حتى لو كان يعرف معاني الكلمات المفردة.
ولهذا السبب نجد أن أهل كل لغة – في الغالب - أفهم لنصوصهم وأدبهم من الأجانب عنها؛ لأن ابن اللغة الذي رضع منها وشبّ عليها يدرك بالسليقة والفطرة ما يحتاج غيره إلى دراسة طويلة ومجاهدة شاقة لإدراكه، بل قد لا يدركه أبدًا مهما اجتهد. وهذا أمر مشاهد محسوس في كل زمان ومكان؛ فالإنجليزي يفهم شكسبير أفضل من العربي الذي أتقن الإنجليزية وقضى عمره في تعلمها، والفرنسي يفهم أدب فرنسا وأساليب كتّابها أعمق من الأجنبي المتعلم، وهكذا في كل لغة وأهلها.
بل الأمر يتجاوز ذلك؛ فحتى أهل اللغة الواحدة يتفاوتون فيما بينهم تفاوتًا كبيرًا في فهم نصوص لغتهم. فالأديب المتبحر في اللغة، الذي قرأ دواوين الشعراء وكتب الأدباء، وعاشر الفصحاء ومارس الكتابة والإنشاء، يدرك من دقائق المعاني ولطائف الإشارات وخفايا الدلالات ما لا يدركه العامي البسيط الذي لا يعرف من لغته إلا القدر الذي يكفيه للتخاطب اليومي وقضاء حاجاته.
والذي قرأ كثيرًا واطلع على أساليب الفصحاء وطرائقهم في التعبير، وخالط كلامهم ونصوصهم، يفهم النص الفصيح أسرع وأدق من الذي لم يقرأ إلا قليلاً ولم يألف إلا اللغة الركيكة. والذي نشأ في بيئة تعتني باللغة وتحافظ على فصاحتها وتحترم قواعدها، أقرب إلى الفهم الصحيح وأسرع إلى إدراك المراد من الذي نشأ في بيئة تخلط الفصيح بالعامي خلطًا، أو تغلّب العامية الركيكة على الفصحى.
إذن فالقرب من اللغة درجات ومراتب متفاوتة، وبحسب درجة قرب الإنسان من اللغة ومستوى تمكنه منها يكون مستوى فهمه للنصوص المكتوبة بها.
السبب الثاني: معرفة سياق الكلام وظروفه
الكلام لا يُفهم فهمًا صحيحًا دقيقًا إذا قُرئ مقطوعًا عن سياقه، معزولًا عن الظروف والملابسات التي قيل فيها. فالجملة الواحدة، بل الكلمة الواحدة، قد يكون لها معانٍ مختلفة تمامًا - بل قد تكون متضادة - بحسب السياق والموقف الذي قيلت فيه.
خذ مثلًا هذه الجملة: إذا قال أب لابنه "أنت رجل!"، فقد تكون هذه الجملة مدحًا وثناءً إذا قالها بعد موقف أظهر فيه الابن شجاعة وإقدامًا. وقد تكون في الوقت نفسه سخرية واستهزاءً إذا قالها بعدما بكى الابن من أمر تافه لا يستحق. وقد تكون تحفيزًا وحثًا على تحمل المسؤولية إذا قالها وهو يكلفه بمهمة جديدة تحتاج إلى نضج ورجولة.
فالجملة واحدة، والكلمات هي نفسها، لكن المعنى يتغير تغيرًا جذريًا بتغير السياق!
ولنأخذ مثالًا أقرب إلى واقعنا المعاصر: رسائل الجوال التي نتبادلها يوميًا كثيرًا ما تُفهم خطأً بسبب الجهل بالسياق. فإذا أرسل لك صديق كلمة واحدة: "عظيم!"، فقد تكون هذه الكلمة استحسانًا وإعجابًا بما قلته له، وقد تكون في المقابل سخرية واستهزاءً إذا كان ما قلته له سخيفًا أو غير منطقي. ولو أرسلت زوجة إلى زوجها تقول: "تأخر كما تشاء"، فقد تكون غاضبة منه، وقد تكون متفهمة لظروف عمله وضغوطاته وهذا تطمين له بأنها لن تعاتبه.
بل حتى في القراءة العادية للأخبار؛ لو قرأت في الجريدة عنوانًا يقول: "الحكومة ترفع الدعم"، فلن تستطيع أن تحكم هل هذا خبر سيئ أم جيد، وهل يستحق الاستنكار أم الترحيب، إلا إذا عرفت تفاصيل السياق: دعم ماذا بالضبط؟ وما الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلد؟ وما البدائل المطروحة؟ فقد يكون رفع الدعم عن سلعة ضارة كالتبغ أمرًا محمودًا يستحق التأييد، وقد يكون رفعه عن سلعة أساسية كالخبز أمرًا يضر بالفقراء ويستحق الاعتراض.
إذن فمن عرف السياق والملابسات فهم المقصود على وجهه الصحيح، ومن أخذ الكلام مجردًا عن ظروفه وبيئته وسياقه أساء الفهم وانحرف عن المراد؛ ولهذا السبب كثيرًا ما تحدث المشاكل والخلافات بين الناس بسبب فهم خاطئ لكلام قيل في سياق معين فحُمل على غير محمله.
إذن فالقاعدة الثابتة التي لا خلاف عليها أن الناس يتفاوتون في فهم النص بقدر تفاوتهم في معرفة سياقه وظروفه؛ فالذي عاش الحدث وشهده بنفسه أفهم لما قيل فيه ممن سمع عنه من بعيد، والذي عاصر النص وكان قريبًا من زمانه ومكانه أدرى بمعناه الحقيقي ممن جاء بعده بقرون طويلة. فكلما اقترب الإنسان من ظروف النص زمانًا ومكانًا وحالاً، كان أقرب إلى إصابة المعنى المراد وأبعد عن الخطأ والانحراف.
السبب الثالث: المعرفة التفصيلية بصاحب النص
معرفة المتكلم - أو الكاتب - وطبيعته وأسلوبه ومقاصده من أهم مفاتيح الفهم الصحيح؛ فالكلمة الواحدة والعبارة الواحدة قد تحملان معاني مختلفة بحسب من قالها وما عُرف عنه من منهج وطريقة.
والناس في حياتهم اليومية يطبقون هذه القاعدة بالفطرة دون أن يشعروا؛ فهم يفهمون كلام بعضهم بناءً على معرفتهم الشخصية بالمتكلم وطباعه. فالأم تفهم من كلمة واحدة يقولها ابنها، أو حتى من نظرة في عينيه أو نبرة في صوته، ما لا يفهمه الغريب الذي لا يعرفه. والصديق يدرك من إشارة صديقه أو من كلمة عابرة يلقيها ما قد يخفى تمامًا على من لا يعرفه حق المعرفة.
وكذلك الأمر في قراءة الكتب والنصوص المكتوبة؛ من عرف منهج الكاتب وأسلوبه الخاص وميوله الفكرية ومدرسته التي ينتمي إليها، كان أقدر على فهم مقاصده ومراميه وما يرمي إليه من وراء عباراته. فالذي يقرأ لكاتب ساخر معروف بالسخرية، يفهم أن المبالغات التي يذكرها إنما هي للسخرية والتهكم لا للإخبار والتقرير. والذي يقرأ لعالِم دقيق معروف بالدقة والاحتياط، يعلم أن كل كلمة في نصه محسوبة بميزان الذهب، وأن كل حرف له دلالته ومقصده.
ومن عرف أن الكاتب يميل إلى الرمزية والإشارة فهم رموزه والتقط إشاراته، ومن عرف أنه مباشر صريح يقول ما يريد بلا تورية أخذ كلامه على ظاهره ولم يتكلف البحث عن معانٍ خفية لا وجود لها.
لهذا كان من الضروري لمن أراد أن يفهم نصًا فهمًا صحيحًا أن يسعى لمعرفة صاحبه قدر الإمكان؛ يتعرف على سيرته ومنهجه، ويطّلع على بقية كتاباته وأقواله، ويعرف المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها والمؤثرات التي شكّلت فكره، حتى يتمكن من فهم كلامه بصورة أدق.
السبب الرابع: الاهتمام بموضوع النص والبحث عن تفاصيله
الاهتمام بالموضوع يفتح أبواب الفهم التي تظل مغلقة أمام غير المهتم؛ فالطبيب حين يقرأ مقالًا طبيًا في تخصصه يفهم تفاصيل دقيقة وإشارات لطيفة لا ينتبه إليها القارئ العادي، ليس فقط لأنه يعرف المصطلحات الطبية، بل لأن اهتمامه بالموضوع يجعله يربط بين المعلومات بطريقة تلقائية، ويدرك أهمية كل تفصيل - مهما بدا صغيرًا - وأثره على المعنى الكلي.
والمزارع حين يقرأ نصًا عن الزراعة والمحاصيل يلتقط إشارات قد تبدو عابرة وعادية للقارئ العادي، لكنها بالنسبة له معلومات ثمينة تفتح له آفاقًا في الفهم.
والمهتم بالموضوع على نوعين:
النوع الأول: من لديه معرفة سابقة بالموضوع وخلفية علمية فيه، فهذا حين يقرأ النص يقرؤه وعنده رصيد من المعلومات والخبرات السابقة تساعده على الفهم العميق؛ يعرف ما وراء السطور ويدرك ما بين الكلمات، ويفهم أهمية ما ذُكر في النص وأهمية ما لم يُذكر أيضًا، ويستطيع أن يضع النص في سياقه الأوسع ويربطه بما يعرفه من قبل.
النوع الثاني: من ليس لديه معرفة سابقة، لكنه يبحث عن المعرفة بشغف حقيقي وفضول صادق، فهذا - وإن لم تكن عنده خلفية مسبقة - إلا أن حرصه الشديد على الفهم وشغفه بالمعرفة يجعله يسأل عما أشكل عليه، ويبحث عما خفي، ويتأمل فيما التبس، حتى تنكشف له المعاني وتتضح له الحقائق.
أما غير المهتم فشأنه مختلف تمامًا؛ إنه يمر على النص مرور الكرام كما يمر المسافر السريع على المناظر دون أن يلتفت؛ لا يتوقف عند الدقائق، ولا يتساءل عن الغوامض، ولا يبحث عن المزيد، ولا يحاول أن يتعمق. فإذا قرأ خبرًا اقتصاديًا - مثلًا - اكتفى بالعنوان أو السطور الأولى ثم تركه، بينما المهتم بالاقتصاد يقرأ التفاصيل كلها ويحلل الأرقام ويربط بين الأحداث والأسباب والنتائج.
ولهذا السبب تجد أن أهل كل تخصص أفهم لنصوص تخصصهم من غيرهم؛ ليس لأنهم أذكى أو أقدر عقلًا، بل لأن الاهتمام يولّد الانتباه والتركيز، والانتباه يولّد الفهم والاستيعاب. والذي يقرأ في موضوع يحبه ويهتم به يفهم أضعافًا مضاعفة مما يفهمه من يقرأ مكرهًا أو دون اهتمام حقيقي. فالقلب إذا أقبل على الشيء انفتح له وتقبله، وإذا أعرض عنه انغلق دونه ولم يدخله منه شيء.
السبب الخامس: ملازمة النص وتكرار قراءته
النص كالصديق تمامًا؛ كلما طالت مدة معاشرته والأنس به ازدادت معرفتك به وفهمك لطبيعته، وكلما كررت لقاءه ومجالسته انكشفت لك خباياه وأسراره التي لم تكن تراها من قبل.
فالقراءة الأولى للنص قد تعطيك الانطباع العام والمعنى الإجمالي، والقراءة الثانية تكشف لك بعض التفاصيل التي مرت عليك سريعًا في المرة الأولى، والقراءة الثالثة تُظهر لك روابط وعلاقات بين أجزاء النص لم تنتبه إليها من قبل، وهكذا مع كل قراءة متأنية تنفتح لك معانٍ جديدة ودلالات خفية كانت موجودة في النص أصلاً لكنك لم تكن تراها ولم تنتبه إليها.
والتكرار معايشة متجددة للنص في كل مرة؛ فالطالب الذي يراجع دروسه ويكررها مرارًا وتكرارًا يفهمها أعمق وأدق بكثير من الذي يقرأها مرة واحدة ثم يتركها. والحافظ للقرآن الذي يردده في كل صلاة ويكرره في كل وقت يدرك من معانيه ودقائقه ولطائفه ما لا يدركه من يقرأه متقطعًا بين الحين والحين. والممثل الذي يحفظ النص المسرحي ويردده في التدريبات مرات ومرات يفهم شخصيته ودوافعها وحالتها النفسية أفضل بكثير من المشاهد العابر الذي يسمع الحوار مرة واحدة.
وسر ذلك أن العقل البشري بطبيعته لا يستوعب كل شيء من المرة الأولى مهما كان ذكيًا؛ ففي كل قراءة ينشغل الذهن بجانب من جوانب النص، وقد يفوته في تلك اللحظة جوانب أخرى مهمة. كما أن حال القارئ نفسه تتغير؛ فقد يقرأ النص وهو متعب مرهق فلا يركز كما ينبغي، ثم يقرؤه مرة أخرى وهو نشيط مرتاح البال فيفهم أكثر بكثير. وقد يقرؤه وهو صغير السن قليل الخبرة فيفهم منه قدرًا معينًا، ثم يعود إليه بعد سنوات طويلة وقد ازدادت خبرته بالحياة وتراكمت معارفه، فيفهم أضعاف ما فهم في المرة الأولى، بل قد يكتشف معاني لم يكن يتخيل أنها موجودة في النص.
ولهذا السبب كان العلماء والمربون يوصون بمدارسة الكتب المهمة وتكرار قراءتها مرات ومرات؛ لأن المرور العابر السريع لا يعطي النص حقّه ولا يستنفد كنوزه. والناس يتفاوتون في فهم النص بقدر تفاوتهم في ملازمته والعكوف عليه؛ فمن قرأه مرة واحدة عابرة كمن رأى وجهًا في الزحام ثم ضاع عنه، ومن لازمه وكرره وعاشره طويلاً كمن عاشر صاحبًا له سنين طويلة وعرفه حق المعرفة. والفرق بين الحالين عظيم، كالفرق بين الغريب الذي مر عابرًا والحبيب الذي طالت صحبته.
السبب السادس: الحرص على الفهم وبذل الجهد الحقيقي
من يريد الفهم حقًا ويسعى إليه بجدية لا يكتفي بالقراءة العابرة السريعة، بل يقف عند كل موضع يحتاج إلى تأمل ووقفة. إذا مر بكلمة لا يعرف معناها الدقيق بحث عنها في مظانها حتى يعرفها، وإذا قرأ جملة تحتمل أكثر من معنى توقف وتأمل السياق ليعرف المراد الصحيح، وإذا وجد عبارة تبدو - في الظاهر - مخالفة لما يعرفه من قبل لم يتسرع في الحكم، بل راجع وقارن وبحث حتى يفهم وجه الصواب.
الحريص على الفهم يقرأ النص كأنه يحاور صاحبه ويناقشه؛ يريد أن يفهم ماذا يقصد المتكلم بالضبط، لا ما يتمنى هو أن يكون المعنى أو ما يحب أن يسمعه. لا يُقحم أفكاره الخاصة على النص، ولا يحمّله من المعاني ما لا يحتمل، ولا يستعجل في إصدار الأحكام، بل يسعى بصدق وإخلاص ليصل إلى مراد المتكلم كما أراده هو بالفعل، لا كما يريده القارئ أو يهواه.
وهذا النوع من القراءة الواعية المتأنية يتطلب جهدًا حقيقيًا وليس مجرد نظرات عابرة؛ جهد القراءة المتأنية التي لا تستعجل ولا تتخطى، وجهد المراجعة والمقارنة بين أجزاء النص المختلفة، وجهد السؤال والبحث عما أشكل أو خفي، وجهد التفكير والتأمل في المعاني وربطها ببعضها. وهذا الجهد هو الذي يثمر - في النهاية - الفهم الصحيح العميق.
خاتمة: الفهم ثمرة أسباب
هذه الأسباب الستة - معرفة اللغة وإتقانها، وإدراك السياق وظروف النص، ومعرفة صاحب النص ومنهجه، والاهتمام الحقيقي بالموضوع، وملازمة النص وتكرار قراءته، والحرص على الفهم وبذل الجهد فيه - ليست أسبابًا منفصلة متفرقة لا رابط بينها، بل هي متداخلة متشابكة يقوّي بعضها بعضًا ويعضده.
فمن جمع هذه الأسباب كلها أو معظمها كان أقرب الناس إلى الفهم الصحيح وأبعدهم عن الخطأ والزلل، ومن فقدها جميعًا أو أكثرها كان أبعد الناس عن الفهم الصحيح وأكثرهم وقوعًا في الانحراف والخطأ، ومن حاز بعضها دون بعض كان بين المنزلتين - لا مع هؤلاء ولا مع أولئك.
والعاقل من سعى بكل ما يملك لتحصيل هذه الأسباب عند قراءة أي نص مهم يريد أن يفهمه حق الفهم؛ فيجتهد في تعلم لغة النص وإتقانها، ويبحث بجدية عن سياقه وظروفه، ويتعرف على صاحبه ومنهجه، ويُقبل على الموضوع باهتمام حقيقي ورغبة صادقة، ويكرر قراءة النص بتأمل وتدبر، ويبذل الجهد في السعي للفهم الصحيح.
وبقدر ما يبذل الإنسان من جهد حقيقي في تحصيل هذه الأسباب، بقدر ما يُفتح له من كنوز النص المكنونة ومعانيه المخبوءة ودقائقه الخفية. فالفهم الصحيح ليس حظًا يُرزقه بعض الناس بلا سبب ويُحرمه آخرون ظلمًا، بل هو ثمرة طبيعية لأسباب موضوعية واضحة؛ من أخذ بها وصل إلى مبتغاه، ومن أهملها وتكاسل عنها حُرم وخسر. وكلّ ذلك توفيق من الله أولًا وآخرًا.
فلا عذر لأحد بعد ذلك في سوء الفهم إذا كانت الأسباب واضحة والطريق مبينة، إلا أن يكون متكاسلًا أو متعمدًا للانحراف. أما من طلب الفهم بصدق وسلك طريقه بإخلاص، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.