· · 6 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

لماذا لا غنى للإنسان عن الوحي؟ رحلة في البحث عن المعنى

Article Summary

الأسئلة التي لا تموت

ما من إنسان على وجه البسيطة إلا وفي أعماقه ثلاثة أسئلة تلازمه كظله، تستيقظ معه في لحظات التأمل، وتقلقه في جوف الليل، وتلحّ عليه حين يخلو بنفسه: لماذا أنا في هذه الدنيا؟ ماذا يريد الله مني؟ وإلى أين المصير بعد الموت؟

هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا يشغل به الفلاسفة أوقات فراغهم، وليست حكرًا على طبقة من الناس دون غيرها. بل هي قضايا مصيرية تمس كل إنسان - غنيًا كان أم فقيرًا، عالمًا أم أمّيًا، كبيرًا أم صغيرًا - لأنها تتعلق بجوهر وجوده وحقيقة مآله.

انظر إلى من يجهل الغاية من وجوده: إنه كمن يمشي في صحراء قاحلة بلا بوصلة ولا دليل. كل الاتجاهات أمامه متشابهة، وكل طريق يسلكه محفوف بالشك؛ فقد يظن أنه يسير نحو الواحة فإذا هو يتعمق في التيه، وقد يحسب أن الخطوة التي خطاها تقربه من النجاة فإذا هي تبعده عنها أميالًا. وأي حياة هذه التي يعيشها من لا يدري لماذا يحيا؟

وتأمل حال من يجهل مراد الله منه: إنه يتخبط في متاهات الأحكام والتكاليف؛ يقدم على أعمال وهو يحسبها قربات فإذا هي من أبواب السيئات، ويمتنع عن أشياء خوفًا من الإثم فإذا هي من أحب الأعمال إلى الله وأزكاها. فأي عذاب أشدّ من أن يجتهد المرء في طاعة ربه ثم يكتشف أنه كان يسير في الاتجاه المعاكس؟

أما الجاهل بما ينتظره بعد الموت فحاله لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يكون غافلًا ساهيًا، يعيش كأن الموت لا يعنيه، وكأن الدنيا دار خلود لا دار ممر، فيستغرق في لهوه وشهواته حتى يفاجئه الموت وهو على غرّته. وإما أن يكون خائفًا مذعورًا تؤرقه الحيرة وتسلبه الطمأنينة؛ فلا يهنأ بنوم ولا يرتاح له بال؛ لأنه يعيش في قلق دائم من مجهول مخيف لا يدري ما يخبئه له.

المعارف التي لا طريق إليها إلا من الوحي

هذه المعارف الثلاث الكبرى - معرفة الله حق المعرفة، ومعرفة ما يريده من عباده، ومعرفة المصير الذي ينتظرهم - لها طريق واحد لا غير: الوحي الإلهي. وليس هذا تحكمًا ولا ادعاءً، بل هو حقيقة يقتضيها المنطق ويفرضها العقل.

فالله سبحانه هو الذي خلقنا، فهو وحده - دون سواه - الذي يعلم لماذا خلقنا ولأي غاية أوجدنا. والله هو الذي شرع لنا وكلّفنا، فهو وحده الذي يملك أن يحدد ما يريده منا وما يرضاه من أعمالنا. والله هو المالك لأمر الموت والحياة، المتصرف في عالم الغيب، فهو وحده الذي يعلم ما أعدّه لعباده بعد الموت من نعيم أو جحيم.

فإن لم يأتِ الجواب على هذه الأسئلة العظام من عند الله، فمن أين يأتي؟ لن يبقى حينئذ إلا أن يجيب عليها الإنسان بنفسه. لكن أيّ إنسان له هذا الحق؟ ومن ذا الذي يتصف بالصفات ما يجعل إجاباته واجبة القبول على جميع بني آدم؟

عجز الإنسان عن الإجابة

الحق الذي لا مراء فيه أن الإنسان - مهما بلغ من العلم والفهم - يظل مخلوًقً محدودًا قاصرًا؛ محدود العلم لا يحيط بالغيب، وقاصر النظر لا ينفذ إلى حقائق الأمور. هو أسير بيئته، متأثر بثقافته، محكوم بتجاربه الشخصية وظروفه الخاصة. فأنّى له أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة التي يجب على الناس كافة أن يسلّموا بها ويذعنوا لها؟

لا يوجد - ولن يوجد - إنسان واحد على ظهر هذه الأرض تجتمع فيه من الصفات ما يؤهله لأن يكون حَكَمًا نهائيًا في هذه القضايا المصيرية، وما يجعل رأيه ملزماً لكل البشرية.

ولو تُرك الأمر للبشر لأجاب كل واحد بحسب هواه وميوله وما استقر في نفسه من قناعات. فصاحب الشرق له تصور للحياة يخالف تصور صاحب الغرب، والفقير المعدم ينظر إلى الوجود بعين غير عين الغني المترف، والذي نشأ في بيئة تعظّم الدين له رؤية تباين رؤية من نشأ في بيئة مادية بحتة لا تعرف إلا المحسوس.

وحينئذ ستسمع من يقول: الحياة لجمع المال والثروة، فهذا هو معنى النجاح. وآخر يقول: بل معناها الشهرة والصيت الذائع، فمن لم يُذكر لم يعش. وثالث يقول: بل هي للتمتع باللذات والشهوات قبل أن يدركنا الموت. ورابع يقول: بل هي للسلطة والسيطرة، فمن لم يكن قويًا كان ضعيفًا مهانًا.

وكلٌّ من هؤلاء جازم بصحة رأيه، مقتنع بصواب منهجه، ناظر إلى غيره على أنه واهم ضال. وليس بينهم مرجع نهائي حاسم يرجعون إليه ليفصل في النزاع.

الصراع الذي لا ينتهي

والنتيجة الحتمية لهذا الوضع هي: صراع لا ينقطع، وخلاف لا يُحسم، وحيرة تجرّ إلى حيرة أعظم منها. ذلك أن العقل السليم يقضي بأنه من المحال أن يكون الحق في الشيء ونقيضه معاً. فلا يمكن - بحال من الأحوال - أن تكون غاية الحياة هي الزهد في الدنيا والانغماس في الملذات في آن واحد. ولا يمكن أن يكون القتل حلالًا وحرامًا في نفس الحالة والظرف. ولا يمكن أن يكون ما بعد الموت عدمًا محضًا وفناءً مطلقًا، وحياةً أبديةً وبعثًا وحسابًا، في الوقت ذاته.

فالحق واحد في هذه القضايا لا يتعدد، والصواب لا يتجزأ. وما دام البشر عاجزين عن الوصول إلى هذا الحق بأنفسهم، فلا بد من مصدر آخر يأتيهم منه الجواب الشافي القاطع.

لا جواب إلا من الخالق

إذا كان البشر لا يملكون الإجابة اليقينية على هذه الأسئلة المصيرية، فمن الذي يملكها إذن؟

الجواب واضح وضوح الشمس في رابعة النهار: إن الذي خلق الإنسان هو وحده الذي يعلم لماذا خلقه ولأي مقصد أوجده. والذي أبدع هذا الكون البديع على هذا النظام المحكم هو وحده الذي يعرف الحكمة من وراء ذلك والغاية المرجوة منه. والذي بيده ملكوت كل شيء، وإليه يُرجع الأمر كله، والذي يُحيي ويُميت، هو وحده الذي يعلم ما ينتظر عباده بعد الموت.

فحسم هذا الخلاف الأبدي بين الناس، ورفع هذه الحيرة المقيمة في نفوسهم، لا يكون إلا بيد الله جل جلاله. هو الذي يملك الجواب، وهو الذي له حق إبلاغه لعباده.

رحمة الله بالوحي

ولذلك كان من أعظم رحمة الله بخلقه أنه لم يتركهم في ظلمات الجهل وتيه الحيرة، بل أنزل إليهم الوحي الذي هو كلامه المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يتطرّق إليه الخطأ ولا الزلل.

ولأن الله سبحانه إنما يخاطب بهذا الوحي البشر، فقد اقتضت حكمته البالغة أن ينزّله بلغة يفهمونها ويستوعبون معانيها، متناسبة مع قدراتهم الذهنية وإمكاناتهم العقلية، حتى لا يكون لأحد عذر في ترك العمل بما فيه أو حجة في الإعراض عنه.

ثمار الاهتداء بالوحي

وبهذا الوحي الإلهي الشريف جاء الحل لأعقد معضلات الوجود البشري وأعظمها. فالإنسان الذي عرف - من طريق الوحي - لماذا خُلق وما الغاية من وجوده، يصير قادرًا على أن يعيش حياة حقيقية لها معنى عميق حكمة عظيمة. لا يضيع أيامه فيما لا طائل تحته، ولا يشغل نفسه بالتوافه التي لا تقدم ولا تؤخر، بل يعرف قيمة عمره وخطورة وقته فيستثمره فيما ينفعه ويبقى له أثره.

والذي عرف - من طريق الوحي - ما يريده الله منه وما يطلبه من عباده، يطمئن قلبه وترتاح نفسه وينشرح صدره. يتقرّب إلى ربه على بصيرة لا على ظن وتخمين، ويتعامل مع الناس على منهج واضح لا على عادات موروثة أو أعراف متقلبة. فلا يظلم أحدًا لأنه يعلم أن الله حرّم الظلم، ولا يُظلم لأنه يعرف حقه ويطالب به. لا يَضِل عن الصراط المستقيم لأن الدليل واضح أمامه، ولا يُضِل غيره لأنه ليس ممن يقولون على الله ما لا يعلمون.

والذي عرف - من طريق الوحي - مصيره بعد الموت وما ينتظره من بعث وحساب وجزاء، يعيش حياة متوازنة بين الخوف والرجاء؛ خوف من عقاب الله يحمله على ترك المعاصي والابتعاد عن المحرمات، ورجاء في رحمة الله يدفعه إلى الاجتهاد في الطاعات وتكثير الحسنات. يعمل للآخرة عمل من يؤمن أشد الإيمان بأن كل صغيرة وكبيرة محصاة عليه، وأنه سيُسأل عما كان يعمل، ويصبر على المكاره صبر من يعلم أن الثواب العظيم ينتظره، وأن النعيم الدائم قريب منه.

الحياة على أسس ثابتة

وبهذا الوحي الإلهي تستقيم حياة الناس على أسس راسخة لا تتزعزع، وعلى قواعد ثابتة لا تتغير بتغير الأهواء ولا تتبدل بتبدل الأزمان والأحوال.

فالحق يبقى حقًّا وإن قلّ من يتبعه وعزّ من ينصره، والباطل يبقى باطلاً وإن كثر أشياعه وانتفش أنصاره. والخير خير في كل زمان ومكان، والشر شر لا تغيّر الأيام من طبيعته شيئاً.

ومن تمام رحمة الله بعباده أنه لم يجعل هذه الحقائق العظيمة والمعارف الجليلة حكراً على فئة معينة أو طبقة خاصة، بل جعل الوحي متاحاً لكل من يطلب الهداية بصدق، قريباً من كل من يريد النجاة بقلب سليم، واضحاً جلياً لكل من يبحث عن الحق بنية خالصة وقصد صادق. فالله أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، ورحمته وسعت كل شيء.