· · 1 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

هل يُعقل أن يكون كلام الله غامضًا؟ وضوح الوحي طريق الهداية

Article Summary

مثال يقرب المعنى

تخيل أبًا حريصًا على أولاده، يعلم أنه سيفارقهم، فيجلس ليكتب لهم وصيته الأخيرة؛ وصية تتضمن أهم النصائح وأخطر التوجيهات التي يريد منهم أن يسيروا عليها بعده. لكنه - ولسبب ما - يكتبها بألفاظ ملتبسة، ورموز مبهمة، وعبارات محيرة لا يكاد يفهمها أحد. فهل تنفع هذه الوصية؟ وهل يُحقق بها ذلك الأب مراده من حفظ أولاده وإرشادهم؟

الجواب البديهي: لا. بل إن هذا التصرف ينافي حرص الأب وحكمته، ويُفسد الغرض الذي من أجله كتب الوصية أصلاً.

والأمر نفسه ينطبق - من باب أولى - على الوحي الإلهي. فإذا كان الله قد أنزل كتابه ليهدي الناس ويرشدهم إلى طريق النجاة، ثم جاء هذا الكتاب غامضًا ملتبسًا لا يُفهم معناه، فكيف يتحقق الغرض منه؟ وكيف يهتدي به من أراد الهداية؟

شهادة القرآن لنفسه بالوضوح

الحق أن الله جل جلاله لم يترك عباده في حيرة من أمر كتابه، بل أخبرهم صراحة أنه واضح بيّن، وذلك في آيات متعددة من القرآن نفسه.

يقول سبحانه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [يوسف: 1]، والمبين هو الواضح الجلي الذي لا خفاء فيه. ويقول: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]، والبيان هو التوضيح والكشف الذي يزيل الإشكال ويرفع الالتباس. ويقول: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]، وشبّه كتابه بالنور الذي يضيء الطريق ويكشف معالمها للسائرين.

ولم يكتفِ سبحانه بوصف القرآن بالوضوح، بل بيّن أن الغاية من إنزاله هي التوضيح والبيان للناس. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، فهو توضيح وبيان لكل ما يحتاج الناس إلى معرفته في أمر دينهم ودنياهم. وقال: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: 64].

تأمل هذه الآية الأخيرة جيدًا: الله يقول إن القرآن نزل ليوضح للناس ما اختلفوا فيه ويحسم النزاع بينهم. فإذا كان القرآن نفسه غامضًا ملتبسًا، فكيف يُوضح خلافات الناس؟ بل سيزيد الأمر تعقيدًا، ويصبح الاختلاف حول معانيه أشد من الاختلاف الذي جاء ليحسمه! وهذا محال على حكمة الله وعلمه.