لماذا يجب - عقلاً وشرعًا - أن يكون الوحي واضحًا؟
Article Summary
السبب الأول: حكمة الله تقتضي الوضوح
الله سبحانه حكيم، والحكيم لا يسلك في تحقيق مقاصده طريقًا يناقض تلك المقاصد. فإذا كان الله قد أنزل القرآن ليهدي الناس ويبيّن لهم الصراط المستقيم، فكيف يُعقل أن يجعله غامضًا مبهمًا لا يُفهم؟ هذا تناقض صريح لا يليق بحكمة الحكيم.
إن هذا أشبه بمن يريد أن يرشد الناس إلى طريق معين، فينصب لافتة لهذا الغرض، لكنه يكتبها بخط لا يُقرأ، أو بلغة لا يفهمها أحد، أو يجعلها باهتة اللون بحيث لا تُرى من بعيد. فهل هذا تصرف حكيم؟ وهل يتحقق مراده من نصب هذه اللافتة؟
إن الله بحكمته البالغة جعل كتابه واضحًا جليًا يفهمه كل من أراد الهداية بقلب صادق؛ لأنه لو كان غامضًا لتعطل الغرض من إنزاله، ولصار إنزاله عبثًا - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
السبب الثاني: نزوله بلغة مفهومة معروفة
القرآن نزل بلغة العرب التي كانوا يتكلمون بها ويتخاطبون في حياتهم اليومية قبل نزوله بقرون؛ لم ينزل برموز سرية، ولا بلغة غريبة منقطعة، ولا بألفاظ مخترعة لم يسمعوها من قبل، بل نزل بنفس المفردات والتراكيب التي يستخدمونها في أسواقهم وخطبهم وأشعارهم ومحاوراتهم.
فكلمة "الصلاة" كانت معروفة عندهم، وكلمة "الزكاة" لم تكن غريبة عليهم، و"البيع" و"الشراء" و"الربا" و"النكاح" و"الطلاق" وغيرها، كلها ألفاظ من واقع حياتهم ولغتهم الحية. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 2]، ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4].
فتأمل: أرسل الله الرسل بلسان أقوامهم "ليبيّن لهم"، أي ليوضّح ويكشف. فإذا كان القرآن - مع كونه نزل بلغتهم - غامضًا غير مفهوم، فهذا يعني أن اللغة العربية نفسها عاجزة عن التعبير الواضح. وهذا باطل قطعًا؛ لأن العرب كانوا يتفاهمون بهذه اللغة في كل شؤونهم، ويتحاكمون بها في خصوماتهم، ويتبادلون بها الأفكار والمعاني، ولم يكن بينهم إشكال في فهم ما يقوله بعضهم لبعض.
فإذا كانت اللغة العربية صالحة لإيصال المعاني بين البشر، فكيف لا تكون صالحة لإيصال مراد الله في كلامه؟ بل هي من باب أولى صالحة لذلك؛ لأن الله هو الذي خلق اللسان وعلّم البيان، وهو أعلم بكيفية استخدام اللغة لإيصال المعاني بأوضح صورة.
السبب الثالث: من يدّعي الغموض يناقض نفسه
إذا قلنا إن القرآن - وهو نازل باللغة العربية - غير واضح في دلالته على معانيه، فإننا نقع في تناقض صارخ لا مخرج منه؛ لأن هذا الحكم يجب - منطقيًا - أن ينسحب على كل نص عربي، وعلى كل كلام يُكتب أو يُنطق بهذه اللغة.
فإذا كانت اللغة العربية قاصرة عن إيصال المعاني بوضوح، وعاجزة عن التعبير الدقيق، فكيف كان العرب يتفاهمون في أسواقهم؟ وكيف كانوا يعقدون الصفقات ويبرمون العقود؟ وكيف كانوا يتحاكمون في منازعاتهم ويصلون إلى أحكام يقبلها الطرفان؟ وكيف كانت خطبهم تُحرّك الجماهير وتُثير الحماس؟ وكيف كانت قصائدهم تهز المشاعر وتبقى في الذاكرة؟
بل الأعجب من ذلك: أن الذي يدّعي غموض القرآن يكتب دعواه هذه بنفس اللغة التي نزل بها القرآن! وهو يريد منا أن نفهم ما يقول، ويتوقع أن نستوعب حجته، ويُطالبنا بالردّ على كلامه. فإن كانت اللغة العربية واضحة حين يستخدمها هو في إثبات دعواه، فلماذا لا تكون واضحة حين يستخدمها الله في بيان دينه؟ وإن كانت العربية غامضة غير مفهومة، فلماذا يُكلّف نفسه عناء الكتابة بها أصلاً؟ ولماذا يطالبنا بفهم كلامه إذا كانت اللغة قاصرة عن إيصال المعاني؟
الحقيقة أن القول بغموض القرآن مع كونه نزل بلغة العرب هو في جوهره طعن في اللغة نفسها، وهدم لأساس كل تواصل بشري. فإذا كانت اللغة لا تُفيد اليقين في المعنى، فلا يبقى للكلام قيمة، ولا يمكن الاعتماد على أي نص مكتوب أو منطوق. والواقع يكذّب هذا؛ فاللغة العربية - كأي لغة حية استعملها البشر عبر التاريخ - قادرة تمامًا على التعبير الواضح عن المعاني. وإذا كانت تكفي الناس للتفاهم فيما بينهم، فمن باب أولى أن تكفي لفهم كلام من خلق الناس وخلق اللغة، لا سيما وأنه أراد لهذا الكلام أن يُفهَم ويُعمَل به.
السبب الرابع: عدل الله يستلزم الوضوح
لو لم يكن القرآن واضحًا، لوقعنا في إشكال عظيم يتعلق بعدل الله سبحانه وتعالى. ذلك أن الناس في هذه الحياة الدنيا منقسمون - بالضرورة - إلى مؤمنين وكافرين، ومطيعين وعاصين، ومحسنين ومسيئين، وظالمين ومظلومين.
فإذا افترضنا جدلًا أن القرآن غامض غير واضح المعنى، فإن الله أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار الأول: أن يحاسب الناس على أعمالهم ويجازيهم عليها، رغم أن الطريق الذي يُميّز بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والخير والشر، لم يكن واضحًا لهم. وهذا ظلم صريح تنزّه الله عنه وتقدّس؛ إذ كيف يُعاقَب إنسان على مخالفة أمر لم يفهمه فهمًا صحيحًا؟ وكيف يُعذَّب على ترك واجب لم تتبيّن له حدوده؟ وكيف يُحاسَب على وقوعه في حرام وهو لا يدري - بسبب غموض النص - أنه حرام أم حلال؟
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، فإذا كان الله لا يُعذّب أحدًا حتى يُرسل إليه رسولًا، فكيف يُعذّبه بعد إرسال الرسول إذا لم يكن ما جاء به الرسول واضحًا ومفهومًا؟ إن هذا يناقض العدل الإلهي مناقضة صريحة.
الخيار الثاني: ألا يحاسب الله أحدًا بحجة أن الوحي لم يكن واضحًا، فيعذر كل إنسان بأنه لم يفهم المراد فهمًا يقينيًا. وهذا يعني التسوية التامة بين من أحسن ومن أساء، بين من آمن ومن كفر، بين من قتل النفوس ومن أحياها، بين من ظلم ومن عدل، بين من سرق ومن حفظ الأمانات؛ لأن الجميع يمكنهم أن يقولوا: "لم يكن الأمر واضحًا، ولم نفهم أن هذا حرام أو واجب، فنحن معذورون".
وهذا يعني أن الوحي - في هذه الحالة - لا فائدة منه ولا طائل تحته، بل هو عبث محض؛ لأنه لن يترتب عليه ثواب ولا عقاب، ولن يتميز به مُحِقّ من مُبطِل. والعبث مستحيل على الله الحكيم.
ولما كان كلا الخيارين باطلًا ومحالًا على الله الحكم العدل، وجب - بالضرورة العقلية - أن يكون وحيه واضحًا بيّنًا، تقوم به الحجة على الخلق، ويتميز به المهتدي من الضال، والمطيع من العاصي، والمحسن من المسيء.
السبب الخامس: الوحي حَكَم لا محكوم
لو كان الوحي غامضًا غير واضح المعنى، لأصبح كالعجينة الطرية في أيدي الناس، يُشكّلها كل واحد كيف يشاء، ويصرفها كل إنسان إلى ما يوافق هواه.
فهذا يستدل بالآية نفسها على وجوب أمر معين، وذاك يستدل بها على تحريم ذلك الأمر بعينه، وثالث يقول: إنها لا تدل على شيء أصلاً! وهذا يقول: الآية تعني كذا، وذاك يقول: بل تعني نقيض ذلك تمامًا. والجميع يزعم أن فهمه صحيح، وأن القرآن يؤيد موقفه!
وحينئذٍ يصبح القرآن تابعًا لأهواء الناس بدلاً من أن يكون حاكمًا عليها ومهيمنًا على رغباتهم. فالظالم يجد فيه - أو يزعم أنه وجد - ما يبرر ظلمه ويسوّغه، والعادل يجد فيه ما يؤيد عدله، والكسول يجد فيه ما يعذره في كسله، والمجتهد يجد فيه ما يحثّه على اجتهاده، والبخيل يجد فيه ما يُبقي ماله في جيبه، والمنفق يجد فيه ما يدعوه للبذل.
وإذا كان الوحي يحتمل كل هذه المعاني المتناقضة - لأنه جاء بالحديث عن أمور كثيرة بشكل غير حاسم ولا واضح - فما الفرق إذن بين وجوده وعدمه؟ بل عدمه أفضل وأسلم؛ لأن الناس - على الأقل - لن يكذبوا على الله، ولن يدّعوا أن أهواءهم الشخصية وميولهم النفسية من دين الله!
إن الوحي جاء ليكون مرجعًا فاصلًا بين الحق والباطل، معيارًا ثابتًا توزن به الأقوال والأفعال، ميزانًا عادلاً لا يحابي أحدًا ولا يجامل. فإذا كان الوحي نفسه محتاجًا إلى ميزان آخر يُضبط به، وكان قابلًا لكل تأويل وكل تفسير - حتى المتناقضات - فقد فَقَد وظيفته الأساسية، وصار وجوده كعدمه، بل ربما كان عدمه أقل ضررًا.
لهذا كان من الضروري - بل من المستحيل عقلًا أن يكون الأمر بخلاف ذلك - أن يكون الوحي واضح الدلالة، محكم البيان، قاطع الحجة، لا يحتمل الباطل، ولا يُتّخذ سبيلاً لتمرير الأهواء.
السبب السادس: إرادة الله وقدرته تضمنان الوضوح
إذا اجتمعت الإرادة الصادقة مع القدرة المطلقة، فلا بد أن تتحقق النتيجة المرجوة على أتم وجه وأكمله.
والله سبحانه يريد هداية عباده هداية الإرشاد - لا شك في ذلك - كما صرّح به في كتابه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 26]. وهو سبحانه قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يقف أمام قدرته أي حائل.
فإذا كان الله يريد أن يهدي الناس إلى الحق، ويرشدهم إلى الصواب، وهو في نفس الوقت قادر على أن يجعل كلامه في منتهى الوضوح والبيان، فكيف يُعقل - بعد ذلك - أن يكون كلامه غامضًا ملتبسًا؟
هذا الفرض أشبه بمن يملك أفضل المصابيح وأقواها إضاءة، وهو يريد أن ينير الطريق للسائرين في ظلمة الليل، ثم يختار - من بين كل ما يملك - أضعف مصباح عنده وأخفته نورًا! أيفعل هذا عاقل؟ فكيف بأحكم الحاكمين وأعلم العالمين؟
إن الله الذي خلق اللسان وأنطقه، وعلّم الإنسان البيان، ووهبه القدرة على التعبير والفهم، هو - بلا شك - قادر على أن ينزّل كلامًا واضحًا كوضوح الشمس في كبد السماء في يوم صائف لا سحاب فيه. وما دام سبحانه قادرًا على ذلك، ومريدًا للهداية والبيان، فلا يمكن - بأي حال من الأحوال - أن يكون كلامه إلا واضحًا جليًا؛ لأن الغموض إما أن يكون عن عجز وضعف، أو عن عدم إرادة للبيان والتوضيح، وكلا الأمرين مستحيل على الله تعالى استحالة مطلقة.