· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

ماذا عن الآيات التي يصعب فهمها؟

Article Summary

قد يقول قائل: لكننا نرى في القرآن آيات يصعب على كثير من الناس فهمها، بل حتى العلماء يختلفون في تفسيرها، فكيف تقولون إن القرآن كله واضح؟

والجواب أن الله تعالى نفسه أخبرنا - بوضوح تام - عن طبيعة آيات كتابه وأقسامها، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. فالله جل جلاله بيّن أن في القرآن نوعين من الآيات:

النوع الأول: الآيات المحكمات، وهي الآيات واضحات الدلالة، جليّات المعنى، لا التباس فيها ولا غموض. وهذه الآيات المحكمات هي "أم الكتاب"، أي أصله وأساسه وجُلّه وأكثره. ومعنى كونها "أم الكتاب" أنها هي المرجع الأساسي، وهي الأكثر عددًا، وهي التي تحتوي على ما يحتاجه الإنسان لنجاته.

وهذه الآيات المحكمات تشمل كل ما يحتاج إليه الإنسان للإيمان والعمل الصالح والنجاة في الدارين:

فالأصول الكبرى التي تُبنى عليها النجاة، ويقوم عليها الدين، ويتوقف عليها الإيمان والعمل، كلها واضحة محكمة لا خفاء فيها.

النوع الثاني: الآيات المتشابهات، وهي الآيات التي قد تحتمل أكثر من معنى، أو تحتاج إلى تأمل أعمق وبحث أدق لفهمها الصحيح. وهذه الآيات قليلة بالنسبة للمحكمات، وليست من الأصول التي يتوقف عليها الإيمان والعمل الصالح.

وحكمة الله من وجود هذا القدر اليسير من المتشابه هي امتحان الناس واختبارهم؛ فأهل الزيغ والانحراف يتركون جُل القرآن وأصله - وهو المحكم الواضح - ويتعلقون بالمتشابه، يحاولون ليّ عنقه وتحريف معناه ليوافق باطلهم، فيضلّون ويُضلون. أما أهل العلم والإيمان فإنهم يردّون المتشابه إلى المحكم الذي هو الأصل، ويقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7]، أي: المحكم والمتشابه كلاهما من عند الله، والمحكم يُفسّر المتشابه ويوضحه.

والمهم في هذا السياق أن وجود هذا القدر اليسير من المتشابه لا يعني - بأي حال - أن القرآن كله غامض، ولا ينفي كون القرآن واضحًا في مجمله وفي كل ما يحتاج إليه الناس لنجاتهم؛ فالمحكم الواضح هو الأصل والأساس والأكثر، والمتشابه استثناء قليل لا يؤثر على وضوح الرسالة الإلهية في جوهرها.

خاتمة: الوضوح شرط الهداية

وبعد هذا البيان الذي ساقته الأدلة العقلية والنقلية، يتضح - بجلاء - أن وضوح الوحي ليس مجرد صفة حسنة من صفاته، بل هو شرط أساسي لا غنى عنه لتحقيق الغاية التي من أجلها أُنزل.

فالوحي الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون لغزًا محيّرًا يتيه فيه العقل، والكتاب الذي أُنزل هدى للناس لا يمكن أن يكون متاهة مظلمة يضل فيها السالك. إن الله الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة، العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، القدير الذي لا يعجزه شيء، أنزل كتابًا يليق بهذه الصفات العظيمة؛ كتابًا واضحًا في أصوله وعقائده، بيّنًا في أحكامه وتشريعاته، محكمًا في معظمه وجُلّه، لا يضل من اتبعه، ولا يشقى من اهتدى به.

أما الذين يدّعون غموض القرآن وعدم وضوحه، فهم - شعروا بذلك أم لم يشعروا، قصدوا أم لم يقصدوا - إنما يريدون أن يفتحوا الباب على مصراعيه لتحريف معانيه وتعطيل أحكامه والتلاعب بدلالاته. فإذا صار كل تأويل مقبولاً، وكل فهم محتملاً، وكل تفسير ممكنًا - حتى لو كان نقيض التفسير الآخر - ضاع الدين، وتلاعب به المتلاعبون، واتّخذه كل إنسان وسيلة لتبرير هواه.

لكن الله حفظ كتابه من التحريف اللفظي بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فلم تُزَد فيه كلمة ولم تُنقص منه حرف، ولم يتبدل منه شيء عبر أربعة عشر قرنًا. وحفظه كذلك من التحريف المعنوي بجعله واضحًا مبينًا في أصوله وأحكامه، بحيث لا تخفى دلالته على من طلب الحق بصدق، ولا يلتبس معناه على من أراد الهداية بقلب سليم.

فالحمد لله الذي لم يجعل كتابه ألغازًا تحتاج إلى عبقرية خارقة لحلّها، ولا رموزًا غامضة تحتاج إلى كهانة أو تنجيم لفكّ طلاسمها، بل جعله ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 52]؛ يجد فيه البسيط العامي ما يحتاج إليه لنجاته، والعالم المتبحر ما يزيده علمًا ويقينًا، والتائه الحائر ما يهديه إلى الصراط المستقيم، والقلق المضطرب ما يطمئنه ويريح باله.

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]. فقد يسّره الله وسهّله للذكر والاتعاظ والفهم والعمل، فهل من متذكر يتذكر؟ وهل من طالب هداية يُقبل على هذا النور المبين؟