· · 17 min read · التأسيس لفهم السلف

الثمن الباهظ: ماذا يحدث عندما نهجر فهم السلف للقرآن؟

Article Summary

انتهينا في المقال السابق إلى نتيجة مبنية على معايير موضوعية صارمة: أن الصحابة رضوان الله عليهم - ومن تبعهم من التابعين وأتباعهم بإحسان - كانوا أقرب الناس إلى الفهم الصحيح للقرآن الكريم. وقد توصلنا إلى هذه النتيجة ليس بالعاطفة ولا بالتحيز، وإنما بتطبيق ستة أسباب موضوعية للفهم السليم، وجدناها مجتمعة في ذلك الجيل الفريد بصورة لن تتكرر في التاريخ.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا لو تجاهلنا هذه الحقيقة؟ ماذا يحدث عندما نُعرض عن فهم السلف ونستبدل به أفهامًا أخرى؟ ما هي النتائج الحتمية والعواقب المنطقية التي تترتب على هذا الإعراض؟

هذا السؤال قضية تمس حياة المسلمين وفهمهم لدينهم وطريقة تعاملهم مع كتاب ربهم. وإذا كنا قد أثبتنا في المقال السابق أفضلية فهم السلف بالحجة والبرهان، فإننا في هذا المقال سنكشف عن الثمن الباهظ الذي يدفعه من يهجر هذا الفهم، وسنرى كيف أن ترك فهم قرار محمّل بلوازم خطيرة لا مفر منها.

الاختيارات المحتومة أمام كل قارئ للقرآن

عندما نقف أمام النص القرآني، نجد أنفسنا أمام خيارات محدودة لا رابع لها؛ فالنص واحد والأفهام متعددة، ولا بد من اختيار:

الخيار الأول: أن نأخذ بفهم السلف - الصحابة والتابعين وأتباعهم - الذين ثبت بالدليل الموضوعي أنهم أقرب الناس إلى الفهم الصحيح.

الخيار الثاني: أن نأخذ بفهمنا نحن المعاصرين، رغم بُعدنا الزماني والثقافي واللغوي عن عصر التنزيل.

الخيار الثالث: أن نأخذ بفهم آخرين من المتقدمين أو المتأخرين ممن هم دون السلف في توفّر أسباب الفهم.

لا يوجد خيار رابع؛ فكل من يفسر القرآن لا بدّ أن يعرض فهمًا من هذه الثلاثة. والقواعد الموضوعية التي عرضناها في المقال السابق تُرجّح الخيار الأول ترجيحًا قاطعًا. لكن ماذا عن الذين يختارون غيره؟ ما الذي يلزمهم؟

المحذور الأول: استحالة صحة الأفهام المتضادة

التناقض المنطقي

من أخطر ما يقع فيه من يترك فهم السلف هو الوقوع في تناقض منطقي لا مخرج منه. فالقول بأن الأفهام المتضادة للنص القرآني الواحد كلها صحيحة يؤدي إلى نتيجة مستحيلة عقلًا وشرعًا: أن الله تعالى يريد من عباده الشيء ونقيضه في آن واحد.

لنأخذ مثالًا توضيحيًا: إذا فُهمت آية معينة عند السلف على أن فعلًا ما واجب، وجاء متأخر وفهمها على أن ذلك الفعل محرم، وقلنا إن كلا الفهمين صحيح، فماذا يعني هذا؟ يعني أن الله تعالى يأمر العبد بفعل الشيء وينهاه عنه في الوقت نفسه، يريد منه أن يفعل وألا يفعل معًا!

وهذا باطل من وجوه:

الوجه الأول: أنه يناقض حكمة الله وعدله؛ فكيف يحاسب العبد على ترك ما أُمر به إذا كان قد نُهي عنه في الوقت نفسه؟ وكيف يُعاقَب على فعل ما نُهي عنه إذا كان قد أُمر به في آن واحد؟

الوجه الثاني: أنه يهدم مفهوم التكليف من أساسه؛ فالتكليف يقوم على وضوح المطلوب من المكلَّف. فإذا كان المطلوب هو الشيء ونقيضه معًا، فلا معنى للتكليف أصلاً، ولسقطت المسؤولية عن العباد.

الوجه الثالث: أنه يجعل القرآن - والعياذ بالله - كتاب تناقض واضطراب، وهذا يناقض قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

نفي الاختلاف يستلزم وحدة المراد

قول الله تعالى في الآية السابقة ينفي الاختلاف عن القرآن نفيًا قاطعًا، وهذا يقتضي حتمًا أن يكون للنص القرآني معنى واحد محدد في المسألة الواحدة، لا معانٍ متضادة كلها صحيحة. فالله تعالى واحد، وكلامه واحد، ومراده من كل آية واحد، وإن تعددت طرق التعبير عنه أو تفاوتت درجات فهمه.

والقول بصحة المتضادات ليس له دليل من نقل صحيح ولا من عقل سليم؛ بل الأدلة كلها على خلافه. فالعقل السليم يحكم باستحالة اجتماع النقيضين، والشرع الحكيم جاء بأحكام واضحة محددة، لا بأحكام متناقضة يختار الإنسان منها ما يشاء بحسب هواه.

انهيار منظومة التشريع

وإذا قبلنا بصحة المتضادات، فقد فتحنا بابًا لا يُغلَق من الفوضى والتلاعب؛ إذ يصبح بإمكان كل إنسان أن يفسر القرآن بما يوافق هواه، ثم يقول: "هذا فهمي الصحيح، وفهم السلف صحيح أيضًا، ولا تعارض!" فيحلل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويبطل ما أوجب الله، ويوجب ما لم يوجبه الله، كل ذلك تحت ستار "تعدد الأفهام الصحيحة".

وبهذا يصير الدين ألعوبة يتلاعب بها كل من شاء كيف شاء، ولا يبقى للتشريع معنى، ولا تقوم حجة الله على خلقه. فإذا سُئل أحدهم: لماذا تركت الصلاة؟ قال: فهمت من القرآن أنها غير واجبة! وإذا سُئل آخر: لماذا فعلت المحرم؟ قال: فهمت من القرآن أنه حلال! وهكذا ينهار البنيان كله.

المحذور الثاني: تعطيل القرآن عن مهمته الأساسية

القرآن نزل ليكون حَكَمًا فاصلًا

من أعظم وظائف القرآن الكريم التي نص عليها في آيات كثيرة أنه حَكَم فاصل بين المختلفين، وميزان عادل يُرَد إليه عند النزاع. فإذا قلنا إن النص القرآني الواحد يحتمل معاني متضادة كلها صحيحة، فقد أبطلنا هذه الوظيفة تمامًا، وحوّلنا القرآن من حَكَم يحسم الخلاف إلى نص مُبهَم يزيد الخلاف اشتعالًا.

تأمل معي هذه الآيات الكريمة وكيف تُبطل مقولة صحة المتضادات:

الآية الأولى: قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: 64]. فالله أنزل القرآن ليبيّن ما اختلف فيه الناس، فكيف يبيّن ما اختلفوا فيه إذا كان هو نفسه يقبل الاختلاف والتضاد؟ إن هذا تناقض واضح.

الآية الثانية: قال سبحانه: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]. والرد إلى الله يعني الرد إلى كتابه، فكيف يُحسَم النزاع بالرد إلى ما لا يحسم النزاع، بل يقبل الأقوال المتناقضة؟

الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 48]. فالله أمر بالحكم بين الناس بما أنزله، فكيف يُحكَم بكتاب يحتمل الشيء وضده؟ إن القاضي حينئذ لن يحكم بالقرآن، بل سيحكم بهواه ثم ينسب حكمه للقرآن!

من كتاب هداية إلى كتاب حيرة

إن القول بصحة المتضادات يحوّل القرآن - والعياذ بالله - من كتاب هداية ونور وبيان إلى كتاب حيرة وإشكال وإبهام. يحوله من مرجع واضح فاصل إلى نص مطاطي يتسع لكل الآراء المتناقضة، فلا يستطيع أحد أن يحتج به على أحد، ولا أن يُلزم أحدًا بشيء.

وهذا يناقض وصف الله لكتابه في آيات كثيرة؛ فقد وصفه بأنه "نور"، والنور يُزيل الظلام ويوضّح المعالم، لا يزيد الحيرة. ووصفه بأنه "مبين"، والمبين هو الواضح الجلي، لا المُبهَم المتشابه. ووصفه بأنه "بيان للناس"، والبيان يكشف الحقائق ويوضح الأحكام، لا يُخفيها ويُشوّشها.

بل إن الله تعالى امتن على عباده بإنزال هذا القرآن، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]، فنفى عنه العوج والاضطراب. فكيف يُمتَن علينا بكتاب لا عوج فيه، ثم نقول إن معانيه متضادة ومتناقضة؟

اللازم الأول: اتهام القرآن بعدم الوضوح

منطق خطير لا مفر منه

من يترك فهم السلف ويقدم عليه فهمًا آخر مخالفًا، يقع - شاء أم أبى - في اتهام ضمني للقرآن الكريم بعدم الوضوح. والتسلسل المنطقي لهذا الاتهام واضح لا لبس فيه:

المقدمة الأولى: السلف هم أقرب الناس إلى الفهم الصحيح لتوفر أسباب الفهم فيهم (وهذا ما أثبتناه في المقال السابق بالدليل الموضوعي).

المقدمة الثانية: مع ذلك، فهموا القرآن فهمًا خاطئًا (هذا ما يقوله من يخالفهم).

النتيجة الحتمية: إذن القرآن نفسه غير واضح بما يكفي ليُفهَم فهمًا صحيحًا، حتى من أقرب الناس إليه وأحرصهم على فهمه!

فإذا كان السلف - مع كل ما توفر لهم من نقاء اللغة، ومعايشة السياق، وصحبة النبي ﷺ، والاهتمام البالغ، والملازمة المستمرة، والحرص الصادق - إذا كانوا مع كل هذا قد أخطأوا في فهم النص، فمعنى ذلك أن النص ليس واضحًا بما يكفي. وإلا فكيف يُخطئ في فهمه من توفرت فيه كل أسباب الفهم الصحيح؟

مناقضة صريحة لنصوص القرآن

هذا اللازم الخطير يناقض مناقضة صريحة وصف الله لكتابه في القرآن نفسه؛ فقد وصفه الله بأنه:

فمن يخالف فهم السلف يقع - دون أن يشعر أحيانًا - في تكذيب هذه الآيات الكريمة، أو في تأويلها على غير مرادها، ليُخرج نفسه من هذا اللازم الخطير.

اللازم الثاني: فتح باب التخطئة على مصراعيه

من فتح الباب لنفسه فتحه على غيره

هذا من أخطر اللوازم العملية لترك فهم السلف، وهو لازم لا مفر منه؛ فمن خطّأ السلف في فهمهم رغم قربهم من النص، فقد فتح بابًا لا يمكن إغلاقه: باب تخطئة كل الأجيال اللاحقة.

والمنطق واضح: إذا جاز لنا أن نخطّئ من كان أقرب إلى النص وأوفر حظًا من أسباب الفهم، فمن باب أولى يجوز لمن بعدنا أن يخطّئنا نحن الذين نحن أبعد عن النص وأقل حظًا من أسباب الفهم.

بل إن تخطئتنا تكون أَوْلى وأسهل؛ لأننا إذا أخطأنا الأقرب - وهم السلف - فخطؤنا نحن الأبعد أظهر وأجلى. فإذا لم تكن القرب من أسباب الفهم ضمانة من الخطأ، فالبُعد عنها يكون داعية للخطأ من باب أولى.

دوامة لا نهاية لها

وهكذا يدخل المسلمون في دوامة لا تنتهي: كل جيل يخطّئ من قبله، وكل مفسر ينقض فهم من سبقه، وكل عالم يدّعي أنه اكتشف ما لم يكتشفه الأولون. ولا يستقر للقرآن معنى ثابت أبدًا، ولا تقوم للمسلمين قائمة على فهم موحد لدينهم.

بل الأخطر من ذلك: أن هذا يُدخل المسلمين في حالة من الشك الدائم؛ فإذا كان السلف - بكل ما توفر لهم - قد أخطأوا، فكيف نثق نحن بفهمنا؟ وإذا كان الصحابة لم يفهموا القرآن صحيحًا، فمن يفهمه؟ وإذا كان العلماء في كل عصر يخطّئون من قبلهم، فما الضمان أن فهمنا اليوم هو الصحيح؟

هذا الشك المستمر يُضعف ثقة المسلمين بدينهم، ويجعلهم في حيرة دائمة، ويفتح الباب للتشكيك في كل شيء. وهذا مقصد خطير لأعداء الإسلام الذين يريدون زعزعة ثقة المسلمين بمصادرهم.

كل عصر يدّعي الأفضلية

والأخطر من هذا كله أن كل عصر يمكن أن يدّعي أنه الأفضل في فهم القرآن؛ فيأتي المعاصرون ويقولون: "نحن أفهم للقرآن من السلف، لأننا نملك علومًا لم يملكوها، ونعرف واقعًا لم يعرفوه، ونمتلك أدوات تحليلية لم تكن لهم!"

وهذا الادعاء - رغم بطلانه الواضح بما قررناه في المقال السابق - يصبح ممكنًا بل مشروعًا متى فُتح باب تخطئة السلف. فإذا قبلنا أن نخطّئهم في مسألة، فلماذا لا نخطّئهم في كل المسائل؟ وإذا كان فهمهم قابلاً للخطأ رغم قربهم، فلماذا لا يكون فهمنا أصوب رغم بُعدنا؟

وهكذا ينقلب الميزان، ويصبح البُعد عن عصر التنزيل ميزة لا نقيصة، ويصبح الجهل باللغة الأصلية فرصة للتجديد، ويصبح عدم معايشة السياق مجالاً للإبداع! وهذا انقلاب خطير للحقائق وتشويه صريح للمنهج العلمي السليم.

اللازم الثالث: القرآن تابع للثقافات لا حاكم عليها

محاولة للخروج من المأزق

بعض من يترك فهم السلف يحاول الخروج من اللازمين السابقين بحجة قد تبدو ذكية للوهلة الأولى، فيقول: "فهم السلف كان صحيحًا في زمانهم، لكنه أصبح خاطئًا أو غير مناسب في زماننا. وهذا هو معنى أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؛ أي أن معانيه تتغير وتتطور بحسب الأزمان والثقافات!"

هذه الحجة قد تخدع من لم يتأمل، لكن التأمل القليل يكشف أنها أخطر من سابقاتها، وأنها تؤدي إلى جعل القرآن محكومًا بالثقافات بدلاً من أن يكون حاكمًا عليها. وهذا انقلاب كامل لوظيفة القرآن ومهمته.

الأحكام تتعلق بالإنسان من حيث هو إنسان

الحقيقة الأساسية التي يتجاهلها أصحاب هذه المقولة هي: أن الأحكام الشرعية تتعلق بأفعال الإنسان واعتقاداته من حيث هو إنسان، لا من حيث هو ابن ثقافة معينة أو عصر محدد.

فالإنسان - في أي زمان ومكان - له نفس واحدة تحتاج إلى التزكية، وعقل يحتاج إلى الهداية، وجسد يحتاج إلى التنظيم، وعلاقات اجتماعية تحتاج إلى الضبط. والقرآن جاء يخاطب هذا الإنسان بكليته، لا يخاطب ثقافة دون أخرى.

فالصدق مطلوب من الإنسان في كل عصر، والكذب مذموم في كل ثقافة، والعدل واجب في كل زمان، والظلم محرم في كل مكان، والرحمة فضيلة دائمة، والقسوة رذيلة مستمرة. هذه قيم إنسانية ثابتة لا تتغير بتغير العصور والثقافات.

أما الثقافات فهي متغيرة، بعضها يوافق الفطرة وبعضها يخالفها، بعضها يحقق مصلحة الإنسان وبعضها يضره. والأحكام الشرعية ثابتة، جاءت لتحكم على الثقافات لا لتحكمها الثقافات. فالثابت يحكم على المتغير، لا العكس.

القرآن مُصلِح لا مجرد صالح

مقولة "القرآن صالح لكل زمان ومكان" قد فُهمت خطأ من كثير من الناس؛ فظنوا أنها تعني أن القرآن يتكيف مع كل ثقافة ويقبل كل واقع، فيكون "صالحًا" بمعنى أنه لا يصطدم مع أي عصر ولا يخالف أي ثقافة.

والحقيقة أن المعنى الصحيح لهذه المقولة هو: أن القرآن "مُصلِح" لكل زمان ومكان، لا مجرد "صالح" متأقلم معه. أي أنه جاء ليُصلح الإنسان في كل عصر، لا ليتأقلم مع ما هو عليه.

والإصلاح يقتضي التغيير، لا الإقرار؛ فالقرآن جاء ليُغيّر ما خالف الحق في كل ثقافة، وليُصحح ما انحرف في كل مجتمع، وليُقوّم ما اعوج في كل عصر. جاء يربط الإنسان بخالقه، ويذكّره بآخرته، ويطالبه بما يُرضي ربه من أقوال وأفعال واعتقادات.

وهذا الإصلاح يقتضي حتمًا أن ينبذ الإنسان من ثقافته ما يخالف أمر الله، لا أن يُطوّع النص ليوافق ثقافته. فالثقافات البشرية - كلها - فيها الصواب والخطأ، والنافع والضار، والخير والشر. والقرآن جاء ليميّز بينها ويحكم عليها، لا ليكون محكومًا بها.

القرآن يُغيّر الواقع لا يتغير بالواقع

انظر إلى ما فعله القرآن بالعرب الأوائل؛ هل جاء ليقر ما هم عليه؟ أم جاء ليُغيّرهم تغييرًا جذريًا؟

حرّم عليهم الخمر التي كانوا يشربونها، وحرّم الربا الذي كانوا يتعاملون به، ومنعهم من وأد البنات الذي كانوا يفعلونه، ونهاهم عن التفاخر بالأنساب الذي كانوا يعتزون به، وأبطل عبادة الأصنام التي كانت أساس حياتهم الدينية. هذه كلها كانت من صميم ثقافتهم، ومع ذلك جاء القرآن يُبطلها ويُغيّرها.

فهل كان القرآن "متكيفًا" مع ثقافتهم؟ أم كان "مُصلِحًا" لها؟ الجواب واضح: كان مُصلِحًا مُغيِّرًا، وهكذا يجب أن يبقى في كل عصر.

فإذا قلنا إن فهم القرآن يتغير بتغير الثقافات، وأن كل ثقافة تفهمه بما يناسبها، فقد جعلنا القرآن تابعًا للثقافات لا حاكمًا عليها. وجعلنا الثقافات البشرية - الناقصة الخاطئة - هي الحَكَم على كلام الله الحكيم العليم!

السؤال الحاسم

وهنا يُطرح سؤال حاسم: إذا كانت الثقافات ستتطور وتتغير بطبيعة الحال، سواء أنزل الله القرآن أم لم ينزله، فما الحاجة إذن إلى كتاب يأتي فقط ليقر ما تفعله كل ثقافة ويتأقلم معها؟

إن هذا يجعل القرآن بلا فائدة حقيقية، مجرد كتاب يدور مع الثقافات حيث دارت، ويتغير بتغيرها، ولا يضيف شيئًا جديدًا. وهذا إهدار لحكمة إنزاله، وإبطال لمهمته الأساسية.

المنطق السليم يقتضي الحكمة الإلهية

إن جعل النص القرآني محكومًا بالثقافات المهيمنة ينافي العقل السليم من أساسه؛ فإذا كان لا بد للإنسان أن يقيّد أقواله وأفعاله بشيء ما، فالمنطقي والمعقول أن يقيّدها بإرادة ربه الحكيم العليم، لا بما تقرره مجموعة من البشر القاصرين المحدودين.

فالله تعالى:

فكيف يُعقل أن نترك حكم العليم الخبير ونحتكم إلى آراء من لا يعلمون عواقب ما يقررون؟ كيف يُعقل أن نُطوّع كلام الله ليوافق أهواء البشر، بدلاً من أن نُطوّع أهواءنا لتوافق أمر الله؟

اللازم الرابع: تعطيل آية عظيمة من كتاب الله

آية صريحة قاطعة

من أخطر اللوازم المترتبة على تقديم فهم غير السلف هو تعطيل معنى آية عظيمة من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

هذه الآية الكريمة تتوعد بوعيد شديد - هو النار - لصنفين من الناس:

والمؤمنون الأُوَل الذين نزلت فيهم هذه الآية، والذين يتبادر الذهن إليهم عند إطلاق لفظ "المؤمنين" بدون قيد، هم الصحابة رضوان الله عليهم. فهم المؤمنون الذين زكّاهم الله، وأثنى عليهم، وجعلهم قدوة لمن بعدهم.

سبيل المؤمنين يشمل فهمهم للنصوص

وسبيل المؤمنين لا يقتصر على أفعالهم الظاهرة فقط، بل يشمل - بالضرورة - فهمهم للنصوص الشرعية؛ لأن أفعالهم مبنية على هذا الفهم. فهم فهموا القرآن على وجه معين، فكان هذا الفهم هو الأساس الذي بنوا عليه عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وجميع شؤون حياتهم.

فإذا كان فهمهم خاطئًا في مسألة ما، وكان الصواب في فهم مخالف لفهمهم، فهذا يعني أن سبيلهم كان خاطئًا في تلك المسألة. ومعنى ذلك أن الله توعّد بالنار من يخالف سبيلاً خاطئًا!

الإشكال العظيم الذي لا مخرج منه

وهنا يقع من خطّأ فهم السلف في إشكال عظيم لا مخرج منه، وهو على صورتين:

الصورة الأولى: أن يقول إن الله تعالى أمرنا باتباع سبيل المؤمنين - أي الصحابة - وتوعّد من يخالفهم، مع أن سبيلهم كان خاطئًا في بعض المسائل. وهذا يلزم منه أحد أمرين كلاهما باطل:

الصورة الثانية: أن يقول إن هذه الآية لا تعني وجوب اتباع فهم الصحابة للنصوص، وإنما تعني فقط اتباع أفعالهم الظاهرة. وهذا تحكم بلا دليل، وتفريق بين المتلازمين؛ فإن أفعالهم الظاهرة مبنية على فهمهم للنصوص، فكيف نلزم بالاتباع في الفعل دون الفهم؟

القرينة القوية على المراد

وفي الآية قرينة قوية تدل على أن المراد يشمل الفهم والعمل معًا؛ وهي أن الله تعالى قرن اتباع غير سبيل المؤمنين بمشاققة الرسول. ومشاققة الرسول كفر بإجماع المسلمين، فلما قرن الله بينهما دلّ ذلك على خطورة مخالفة سبيل المؤمنين وعظم شأنها.

فلو كان سبيل المؤمنين - بما فيه من فهم للنصوص - يحتمل الخطأ والصواب، لما كان في الوعيد على مخالفته معنى. إذ كيف يُتوعَّد بالنار من يخالف فهمًا يحتمل الخطأ ويتبع فهمًا آخر قد يكون صوابًا؟

الحق الذي لا محيد عنه

والحق الواضح أن هذه الآية دليل قاطع على صحة فهم السلف ووجوب اتباعه؛ لأن الله سبحانه لا يأمر باتباع الباطل، ولا يتوعّد بالنار على ترك الخطأ. فلما أمر باتباع سبيل المؤمنين، وتوعّد من يخالفهم بهذا الوعيد الشديد، دلّ ذلك قطعًا على أن سبيلهم - بما فيه من فهم وعمل - هو الحق الذي يجب اتباعه.

ومن خالف فهمهم في مسألة ما، فقد اتبع غير سبيلهم فيها، فيدخل تحت الوعيد المذكور في الآية. وهذا يوجب على كل مسلم أن يجعل فهم السلف مرجعه الأساسي، وأن يحذر من مخالفتهم، وأن يبحث عن فهمهم في كل مسألة قبل أن يجتهد برأيه.

خاتمة: الثمار المرة لترك فهم السلف

بعد هذا العرض المفصل للوازم الخطيرة المترتبة على ترك فهم السلف والإعراض عنه، يتضح لنا حجم الخطر الذي يقع فيه من يسلك هذا المسلك الخاطئ. وليست المسألة خلافًا فكريًا بسيطًا أو ترفًا أكاديميًا يُباح فيه الجدل، بل هي قضية تمس صميم الدين، وجوهر الإيمان، وأساس الفهم الصحيح لكتاب الله.

الخلاصة الضرورية

من ترك فهم السلف وقدّم عليه غيره من الأفهام، فقد:

أولًا: ترك الأقرب إلى الصواب وأخذ بالأبعد عنه، خالف بذلك القواعد الموضوعية للفهم السليم التي أثبتناها في المقال السابق.

ثانيًا: وقع في تناقض منطقي؛ إذ لزمه القول بأن الأفهام المتضادة كلها صحيحة، وهذا يعني أن الله يريد الشيء ونقيضه، وهو محال عقلاً وشرعًا.

ثالثًا: عطّل وظيفة القرآن الأساسية بوصفه حَكَمًا فاصلًا بين المختلفين، وحوّله إلى نص مبهم يقبل كل التأويلات المتناقضة.

رابعًا: اتهم القرآن ضمنيًا بعدم الوضوح؛ إذ لو كان واضحًا لفهمه السلف صحيحًا مع توفر كل أسباب الفهم لديهم.

خامسًا: فتح باب التخطئة على مصراعيه، فصار كل جيل يخطّئ من قبله، ولا يستقر للقرآن معنى ثابت أبدًا، ودخل المسلمون في دوامة الشك الدائم.

سادسًا: جعل القرآن تابعًا للثقافات المتغيرة بدلاً من أن يكون حاكمًا عليها، فأبطل مهمته الإصلاحية وحوّله إلى نص يدور مع الأهواء.

سابعًا: عطّل آية عظيمة من كتاب الله، وهي التي تتوعد من يتبع غير سبيل المؤمنين، ووقع في إشكال عقدي خطير لا مخرج منه.

الواقع المرير شاهد صدق

وما نشاهده اليوم في واقع المسلمين من تفرق وتشتت، ومن كثرة الآراء الشاذة والتأويلات الباطلة، ومن بُعد عن جادة الصواب، ما هو إلا ثمرة مُرّة لترك هذا الأصل العظيم: أصل الرجوع إلى فهم السلف الصالح.

فكلما ابتعد المسلمون عن فهم السلف، ازدادوا تفرقًا في الفهم، وضلالاً في التطبيق، وضعفًا في الواقع. وكلما اقتربوا منه، ازدادوا اجتماعًا على الحق، واهتداءً إلى الصراط المستقيم، وقوة في مواجهة التحديات.

انظر إلى أزهى عصور الأمة وأقواها؛ تجدها العصور التي كان فيها المسلمون أقرب إلى منهج السلف في الفهم والتطبيق. وانظر إلى عصور الضعف والانحطاط؛ تجدها العصور التي ابتعد فيها المسلمون عن هذا المنهج، واتبعوا فيها أهواءهم وآراء من لم يُحسنوا فهم الدين.

الطريق إلى النجاة

فالواجب على كل مسلم يريد النجاة لنفسه والخير لأمته أن يجعل فهم السلف مرجعه الأول في فهم النصوص الشرعية، وأن يزن أقوال المتأخرين - مهما علت مكانتهم - بميزان أقوال السلف، فما وافقها قبله وما خالفها رده.

وهذا ليس تقليدًا أعمى، ولا جمودًا فكريًا، ولا إلغاء للعقل، بل هو اتباع للدليل والبرهان، وسير على المنهج العلمي السليم، وأخذ بالأسباب الموضوعية للفهم الصحيح. فقد ثبت بالقواعد الموضوعية أن السلف أقرب الناس إلى الفهم الصحيح، وثبت بالنظر في اللوازم أن مخالفتهم تؤدي إلى مآلات خطيرة لا يُحمد عقباها.

إن هذا الأمر قضية مصيرية تتعلق بفهم كلام الله، وبالتالي تتعلق بسعادة الدنيا والآخرة. فمن أحسن فهم كتاب الله أحسن العمل، ومن أحسن العمل نال السعادة في الدارين. ومن أساء الفهم أساء العمل، ومن أساء العمل خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

فلنتق الله في فهم كتابه، ولنحرص على الأخذ بأسباب الفهم الصحيح، ولنرجع إلى من كانوا أقرب الناس إلى هذا الفهم. ولنحذر من اتباع الهوى، ومن الاغترار بالجديد لمجرد أنه جديد، ومن الانبهار بالآراء الشاذة لمجرد أنها مختلفة.

إن طريق السلامة واضح، وسبيل النجاة بيّن، وما علينا إلا أن نسلكه بصدق وإخلاص، متبعين لا مبتدعين، مهتدين بهدي خير القرون، سائرين على نهجهم، مقتفين آثارهم، فهم - بحمد الله - خير من فهم الدين، وأقرب من وصل إلى مراد رب العالمين.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الفهم الصحيح لكتابه، والعمل الصالح بما فيه، والثبات على الحق حتى نلقاه، إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.