· · 3 min read · التأسيس لفهم السلف

لماذا يهربون من فهم السلف؟ كشف الدوافع الحقيقية وراء النبذ و

Article Summary

انتهينا في المقالات السابقة إلى نتائج واضحة مبنية على أسس علمية راسخة:

النتيجة الأولى: أن فهم أي نص يتطلب توفر أسباب محددة؛ كلما اجتمعت هذه الأسباب في القارئ، كان فهمه أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ.

النتيجة الثانية: أن الصحابة والتابعين وأتباعهم - الذين نسميهم السلف الصالح - اجتمعت فيهم هذه الأسباب الستة بأعلى درجاتها؛ من نقاء اللغة، ومعايشة السياق، وصحبة النبي ﷺ، والاهتمام الحيوي، والملازمة المستمرة، والحرص الصادق.

النتيجة الثالثة: أن ترك فهمهم والإعراض عنه يؤدي حتمًا إلى لوازم خطيرة متعددة؛ من اتهام القرآن بعدم الوضوح، وفتح باب التشكيك الدائم، وجعل النص الإلهي محكومًا بالثقافات البشرية المتغيرة، ومخالفة التوعد الإلهي في آية ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115].

هذه نتائج واضحة، وأدلتها قوية، ومنطقها متين. ومع ذلك، نشهد اليوم ظاهرة محيرة تستحق التأمل: كثير من المسلمين - متعلمين ومثقفين - ينبذون فهم السلف وراء ظهورهم، ويتعاملون معه كأنه عبء ثقيل يريدون التخلص منه، أو قيد صدئ يسعون للانفكاك منه، أو سجن مظلم يتوقون للخروج منه.

فما الذي يحدث؟ كيف يمكن لإنسان عاقل أن يترك الأقرب إلى الصواب ويأخذ بالأبعد عنه؟ كيف يُعرِض عن المنبع الصافي ويشرب من المياه العكرة؟ ما هي الدوافع الحقيقية - الظاهرة والخفية، الواعية وغير الواعية - التي تحمل هؤلاء على هذا الموقف الغريب رغم كل ما بيّناه من حجج ودلائل؟

هذا ما سنحاول الكشف عنه في هذا المقال، مع التنبيه إلى أن فهم هذه الدوافع ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة وحماية الأجيال القادمة من الوقوع في شراكها.

الدافع الأول: الانهزام أمام الثقافة المهيمنة

سطوة القوة الناعمة وخفاؤها

من أقوى الدوافع التي تدفع البعض لنبذ فهم السلف - وأخطرها لأنها الأشد خفاءً - هو الخضوع للثقافة الغالبة في زماننا، سواء فُرضت هذه الثقافة بالقوة الناعمة أو الخشنة. والقوة الناعمة أخطر وأشد تأثيرًا؛ لأنها تتسلل إلى العقول والقلوب دون أن يشعر الإنسان بها، حتى يصبح أسيرًا لها وهو يظن أنه حر.

هذه القوة الناعمة تعمل عبر قنوات متعددة: وسائل الإعلام التي تصل إلى كل بيت، والأفلام والمسلسلات التي تُشكّل الذوق والقيم، والمناهج التعليمية التي تُشكّل العقول منذ الصغر، ووسائل التواصل الاجتماعي التي تحاصر الإنسان في كل لحظة، والمؤتمرات والندوات التي تُقدَّم باسم العلم والتنوير. كل هذه القنوات تعمل بتناسق مدهش على ترسيخ منظومة فكرية واحدة، وتصوير كل ما يخالفها على أنه خطأ أو تخلف أو ظلام.

والثقافة الغالبة اليوم - التي تمثل المنظومة الليبرالية الغربية في أغلب مفاصلها - تُقدّم نفسها على أنها "التقدم" و"الحضارة" و"التنوير" و"حقوق الإنسان" و"العقلانية". وفي المقابل، تصف كل ما يخالفها بأوصاف منفّرة: "التخلف" و"الرجعية" و"الظلامية" و"الماضوية" و"الجمود" و"التطرف".

الضغط النفسي والحصار المعنوي

في ظل هذه الهيمنة الثقافية، يجد المسلم المتمسك بفهم السلف نفسه محاصرًا من كل جانب؛ إذا تكلم بما يوافق فهم السلف في قضايا الأسرة أو المجتمع أو الحدود أو العقيدة، انهالت عليه الاتهامات: متخلف، ظلامي، متشدد، متطرف، لا يفهم العصر، عدو للتقدم، معادٍ للحرية.

هذا الحصار المعنوي يُمارس ضغطًا نفسيًا رهيبًا، خاصة على من لم يُحصّن نفسه بالعلم والإيمان القوي. فيجد نفسه أمام خيارين: إما أن يتمسك بفهم السلف فيصبح منبوذًا اجتماعيًا، مهمشًا فكريًا، محاربًا إعلاميًا. أو ينبذ هذا الفهم - كله أو بعضه - ليحظى بالقبول الاجتماعي، والإعجاب الإعلامي، والاحترام الثقافي، ويُوصف بالاعتدال والوسطية والاستنارة.

وكثيرون - للأسف - يختارون الخيار الثاني؛ ليس بالضرورة عن قناعة فكرية عميقة، بل هربًا من الضغط، وطلبًا للسلامة، ورغبة في أن يُقبَلوا في الأوساط الثقافية والإعلامية. يريدون أن يكونوا "مسلمين مقبولين" عند أصحاب الثقافة الغالبة، حتى لو كان ثمن ذلك التنازل عن ثوابت الدين.

القوة الخشنة: التهديد بالعقوبة

أما القوة الخشنة، فتتمثل في الضغوط المباشرة؛ سياسية واقتصادية واجتماعية. فقد يُحرم من يتمسك بفهم السلف من المناصب الأكاديمية أو الإعلامية أو السياسية، بحجة أنه "لا يصلح" لهذه المواقع. وقد يُضيَّق عليه في رزقه إذا كان موظفًا أو صاحب عمل. وقد يُتَّهم بتهم جاهزة كالتطرف والإرهاب والتحريض، تُلاحقه وتُدمر سمعته وحياته.

هذا الواقع القاسي يجعل البعض يبحث عن مخرج؛ عن فهم "معتدل" أو "وسطي" أو "متوازن" - بحسب تعريف الثقافة الغالبة لا بحسب الشرع - حتى لو كان هذا الفهم يناقض ما أجمع عليه السلف أو استفاض عنهم. المهم أن يُرضي أصحاب القوة، وأن ينجو بنفسه من العقوبات المحتملة.