· · 5 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الوهم الخطير: الاستقلال الفكري المزعوم

Article Summary

والمأساة الحقيقية أن كثيرًا من هؤلاء لا يدركون أنهم واقعون تحت تأثير هذه القوى الخارجية؛ بل يظنون أنهم يُمارسون اجتهادًا حرًا، ويُجددون الفهم الديني، ويُطورون الخطاب الإسلامي. يحسبون أنهم أحرار في التفكير، مستقلون في الرأي، مجتهدون في البحث عن الحق.

والحقيقة المُرّة أنهم - في أغلب الأحوال - مُشكَّلون بالكامل وفق ما تريده الثقافة المهيمنة، يدورون في فلكها، ويتحركون ضمن حدودها، ويُنتجون ما يُريد منهم أن يُنتجوه. قد تجد أحدهم يكتب مقالًا أو يُلقي محاضرة يدّعي فيها "التجديد" و"الاجتهاد"، وإذا تأملت في مضمون ما يقول وجدته يردد بدقة ما تقوله الثقافة الغالبة، دون زيادة أو نقصان!

هذا الوهم خطير؛ لأن من يدرك أنه واقع تحت ضغط قد يقاومه أو ينتبه له، أما من يظن أنه حر وهو في الحقيقة أسير، فهذا لا يُرجى له خلاص إلا بصدمة قوية توقظه من غفلته.

الدليل التاريخي: التفسيرات تتبع الثقافات الغالبة

وأوضح دليل على صحة ما نقول هو النظر في تاريخ التفسيرات التي خالفت فهم السلف؛ ستجد أنها تولد وتموت مع القوى الثقافية والسياسية التي أنتجتها، مما يؤكد أنها نتاج ضغط خارجي لا نتاج بحث علمي محايد.

المثال الأول: عصر المد الاشتراكي

في منتصف القرن العشرين، عندما كان المد الاشتراكي في أوجه، ظهرت تفسيرات للإسلام تحاول إثبات أنه دين اشتراكي في جوهره، وأن الصحابة كانوا يطبقون نظامًا أقرب للشيوعية!

فُسِّرت الزكاة على أنها ضريبة تصاعدية تُوزع حسب حاجات الناس، وفُسِّر التكافل الاجتماعي على أنه نظام اشتراكي تمتلك فيه الدولة كل شيء وتوزعه بالتساوي، وفُسِّر النهي عن الربا على أنه إلغاء للملكية الخاصة، بل وصل الأمر ببعضهم إلى القول بأن أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كان "ثوريًا اشتراكيًا"!

لكن انظر ماذا حدث: مع انهيار المعسكر الاشتراكي وتفكك الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين وتراجع الفكر الاشتراكي عالميًا، اختفت هذه التفسيرات كلها تقريبًا! لم يعد أحد يتبناها، ولم يعد أحد يدافع عنها، وكأنها لم تكن. لماذا؟ لأنها لم تكن نابعة من فهم حقيقي للنصوص، بل من رغبة في مسايرة القوة الثقافية الغالبة في ذلك الوقت.

المثال الثاني: عصر القومية العربية

وفي عصر صعود القومية العربية - خاصة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي - ظهرت قراءات للإسلام تجعله دينًا قوميًا عربيًا بالدرجة الأولى، وتُقلل من عالميته وشموله لكل الأجناس.

فُسِّر الجهاد على أنه نضال قومي لتحرير الأرض العربية، وفُسِّرت النصوص التي تمدح العرب على أنها تُعطيهم أفضلية جنسية مطلقة على غيرهم، وفُسِّرت اللغة العربية على أنها جزء من الهوية القومية لا من الدين. وظهرت شعارات مثل "الإسلام هو دين العرب" و"الإسلام روح الأمة العربية".

لكن مع أفول نجم القومية العربية وفشل مشاريعها السياسية وانكشاف عوارها الفكري، تلاشت هذه التفسيرات أيضًا! لم يعد أحد يتبناها بجدية، وصارت من التاريخ. لماذا؟ لنفس السبب: لأنها كانت تفسيرات مصطنعة تتبع الثقافة الغالبة، لا فهمًا حقيقيًا للنصوص.

المثال الثالث: عصر الليبرالية الغربية

واليوم، في عصر هيمنة المنظومة الليبرالية الغربية على العالم، نرى الظاهرة نفسها تتكرر أمام أعيننا! تظهر تفسيرات جديدة تحاول جعل الإسلام متوافقًا تمامًا - دون أي تعارض - مع المفاهيم الليبرالية المعاصرة.

فتُعاد قراءة النصوص المتعلقة بقضايا الأسرة والمرأة والحدود والجهاد والحكم والعلاقة مع غير المسلمين، كلها تُعاد قراءتها بطريقة تجعلها موافقة للمنظور الليبرالي الغربي، حتى لو خالف ذلك إجماع السلف أو استفاضة أقوالهم.

فالحجاب يُفسَّر على أنه اختيار شخصي لا فريضة شرعية، والتعدد يُفسَّر على أنه رخصة استثنائية لظروف نادرة لا حكم شرعي عام، والحدود تُفسَّر على أنها كانت لزمن معين ولم تعد تصلح اليوم، والجهاد يُفسَّر على أنه دفاع محض لا يشمل الطلب أبدًا. وهكذا في كل مسألة تخالف الذوق الليبرالي المعاصر.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا سيحدث لهذه التفسيرات عندما تتراجع الليبرالية الغربية كما تراجعت الاشتراكية والقومية؟ ستختفي بدورها، وسيظهر جيل جديد يسخر منها كما نسخر اليوم من "الإسلام الاشتراكي"!

الخلاصة المؤلمة

كل هذه الأمثلة تؤكد حقيقة واحدة مؤلمة: أن هذه التفسيرات التي تخالف فهم السلف لا تنبع من بحث علمي محايد عن الحق، ولا من اجتهاد صادق في فهم النصوص، بل من رغبة واعية أو غير واعية في التوفيق بين الإسلام والثقافة الغالبة، في جعل الإسلام "مقبولًا" عند أصحاب القوة والنفوذ في كل عصر.

هذا يعني أنها تفسيرات مصطنعة، تلوي عنق النص ليوافق فكرة ثقافية مهيمنة بالقوة الناعمة أو الخشنة. وهذا دليل قاطع على أنها لا علاقة لها بالمراد الحقيقي من النصوص، وأن أصحابها - وإن ادعوا الاجتهاد - هم في الحقيقة منهزمون أمام الثقافة الغالبة، يدورون في فلكها، ويتشكلون بحسب ما تريد.

الدافع الثاني: المؤامرة الخفية لهدم الإسلام من الداخل

الطريقة الماكرة: الهدم التدريجي

هناك دافع أخطر وأعمق من مجرد الانهزام أمام الثقافة الغالبة، وهو السعي المقصود لهدم الإسلام من جذوره. وهذا السعي لا يتم بطريقة مباشرة وفجة - فهذا لن ينجح مع المسلمين - بل بطريقة ماكرة تدريجية خفية.

فلا يقول أصحاب هذا المسعى صراحة: "اتركوا الإسلام"، فهذا سيُثير ردة فعل قوية ويُفشل المخطط من أساسه. بل يقولون بلطف ونعومة: "اتركوا فهم السلف، فهو فهم بشري قاصر، متأثر بزمانه وبيئته، لا يصلح لعصرنا". يُظهرون أنهم يحترمون القرآن والسنة، لكنهم يرفضون فهم السلف لهما!

والخطة الماكرة تسير على مراحل متدرجة، كل مرحلة تُمهد للتي بعدها:

المرحلة الأولى: زرع بذور الشك

يبدؤون بالقول - وهو حق في ذاته - إن الصحابة بشر يخطئون ويصيبون، ليسوا معصومين. وهذا حق، لكن الغرض منه ليس تقرير الحقيقة، بل زرع بذرة الشك في ذهن المسلم: إذا كانوا بشرًا يخطئون، فربما أخطأوا في فهمهم للقرآن!

المرحلة الثانية: التشكيك المباشر في الفهم

بعد أن تنبت بذرة الشك، ينتقلون إلى المرحلة التالية: التشكيك المباشر في فهم السلف لبعض النصوص. يختارون مسائل محددة - عادة تلك التي يراها العصر الحديث "إشكالية" - ثم يقولون: "فهم السلف لهذه المسألة كان خاطئًا، والصواب هو كذا وكذا".

المرحلة الثالثة: التعميم والشمول

بعد أن ينجحوا في تمرير الشك في بعض المسائل، يبدؤون بالتعميم: "إذا كان فهم السلف خاطئًا في هذه المسائل، فلماذا نثق بفهمهم في المسائل الأخرى؟" وهكذا يتسع دائرة الشك لتشمل كل شيء.

المرحلة الرابعة: التاريخية والنسبية

ثم يصلون إلى القول: "فهم السلف كان مناسبًا لعصرهم فقط، لكنه لا يصلح لعصرنا. وهذا طبيعي، فالفهم الديني يتطور بتطور العصور". وبهذا يُحولون الدين الثابت إلى آراء نسبية متغيرة.

المرحلة النهائية: الضياع الكامل

والنتيجة النهائية المقصودة: إذا كان أقرب الناس للنبي ﷺ، الذين عاشوا معه وسمعوا منه مباشرة، لم يفهموا الدين فهمًا صحيحًا يصلح لكل زمان، فكيف نثق نحن - البعيدون عنه بأربعة عشر قرنًا - بأي فهم؟ وهكذا يُترك المسلم في حيرة وشك دائمين، لا يدري ما الصواب من الخطأ، ولا ما الحق من الباطل.