· · 12 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

كيف تعرف العلماء الموثوقين؟

Article Summary

قد يقول قائل: كيف أعرف من هو العالم الموثوق؟ في زمن كثر فيه المتكلمون في الدين، كيف أميز العالم الحقيقي من المتطفل على العلم؟

الجواب: هناك علامات واضحة:

العلامة الأولى: أن يكون معروفًا عند أهل العلم المعتبرين بالعلم والفضل؛ فالعلماء يعرفون بعضهم، ويُزكي بعضهم بعضًا. فإذا أردت أن تعرف هل فلان عالم موثوق، فاسأل العلماء الثقات عنه.

العلامة الثانية: أن يكون له باع طويل في التعليم والتأليف والإفتاء، وليس مجرد خطيب مفوه أو واعظ مؤثر؛ فالعلم شيء والخطابة شيء آخر.

العلامة الثالثة: أن يُعرف عنه الورع والتقوى والبعد عن الشبهات؛ فالعلم نور، ومعصية الله تُطفئ هذا النور.

العلامة الرابعة: أن يكون معروفًا بالاعتدال والبعد عن الغلو والتطرف من جهة، وعن التمييع والتساهل من جهة أخرى؛ فخير الأمور أوساطها.

العلامة الخامسة: أن يكون سلفي المنهج، بمعنى أن يُعظّم فهم السلف ويجعله مرجعه، لا أن يكون ممن يُهمشون أقوال السلف ويُكثرون من مخالفتهم.

المصادر الموثوقة للرجوع إلى فهم السلف

إذا كنت من أهل البحث والتحقيق، وتريد أن تتأكد بنفسك من موافقة الفهم لتفسير السلف في مسألة معينة، فيمكنك الرجوع إلى الكتب المعتمدة التي جمعت أقوالهم:

أولًا: تفسير الإمام الطبري "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"؛ وهو من أوثق المصادر وأشهرها في نقل تفسير السلف بالأسانيد المتصلة. فإذا أردت أن تعرف كيف فسر السلف آية معينة، فارجع إلى تفسير الطبري.

ثانيًا: تفسير ابن كثير "تفسير القرآن العظيم"؛ وهو مشهور بالعناية بأقوال السلف، وبحسن الترجيح بينها عند الاختلاف.

ثالثًا: الكتب المعاصرة الموثوقة التي جمعت أقوال السلف مثل: "موسوعة التفسير بالمأثور" الصادر عن جمعية الشاطبي في المملكة العربية السعودية، وهو عمل علمي ضخم جمع أقوال الصحابة والتابعين في التفسير.

رابعًا: التطبيقات الإلكترونية الموثوقة التي تجمع تفاسير العلماء؛ فقد سهّلت التقنية الحديثة الوصول إلى أقوال السلف، فبضغطة زر واحدة يمكنك معرفة ما قاله الصحابة والتابعون في أي آية.

إذا لم تكن من أهل البحث

لكن إن لم تكن من أهل البحث والتحقيق، وليس عندك الوقت أو المقدرة للبحث في كتب التفسير المطولة، فيكفيك الاستماع للعلماء الموثوقين والأخذ عنهم مباشرة، سواء في المساجد أو عبر الدروس المسجلة أو البرامج العلمية الموثوقة.

وهذا ليس عيبًا ولا نقصًا؛ فليس كل الناس مطالبين بأن يكونوا علماء محققين. بل الواجب على كل إنسان بحسب طاقته؛ فمن قدر على البحث والتحقيق فليفعل، ومن لم يقدر فليأخذ عن الثقات، وهذا ما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

المهم أن يكون من تأخذ عنه موثوقًا بعلمه وأمانته ومنهجه، كما بيّنا في العلامات السابقة.

الخطوة الثانية: الحذر الشديد مما يُنشر من غير المؤهلين

الفوضى الإعلامية في زماننا

في زماننا هذا، أصبح الحديث في الدين متاحًا للجميع؛ في مواقع التواصل الاجتماعي، في المجالس الخاصة والعامة، في مقاطع الفيديو المنتشرة، في المدونات والمقالات. كل من هبّ ودبّ يستطيع أن يتكلم في الدين، وأن ينشر فهمه، وأن يُفتي الناس!

وليس كل من تحدث كان أهلًا للحديث؛ فقد تجد شخصًا لا يُعرف بالعلم الشرعي، ولم يدرس على يد العلماء، ولم يأخذ العلم بأصوله وقواعده، ثم تجده يفسر آية من القرآن، أو يشرح حديثًا بطريقة لم تسمعها من قبل، أو يُفتي في مسألة، أو ينقل حكمًا شرعيًا، أو يتكلم في قضايا العقيدة والتوحيد!

والخطورة الكبرى أن كثيرًا من هؤلاء يتكلمون بثقة وجزم، ويستشهدون ببعض الآيات والأحاديث (التي قد يكون فهمهم لها خاطئًا)، ويستخدمون مصطلحات براقة، فينخدع بهم من لا علم عنده، ويظن أنهم من أهل العلم!

الموقف الصحيح من كلام غير المؤهلين

الموقف الصحيح الذي يجب أن تتخذه من هذا الكلام واضح لا لبس فيه: إذا كان القائل غير معروف بالعلم الشرعي والرسوخ فيه، فلا تأخذ كلامه على أنه دين.

قد يكون هذا الشخص مخلصًا في نيته، قد يكون حسن القصد، قد يكون كلامه جميلًا ومؤثرًا في العاطفة، قد يكون أسلوبه مشوقًا وجذابًا، لكن هذا كله لا يكفي. الدين علم له أهله، وله قواعده وأصوله، وليس كل متكلم في موضوعاته مؤهلاً للحديث فيه.

تخيل معي: هل تعرض مرضك الخطير على شخص لم يدرس الطب، لكنه يتكلم بثقة ويقرأ بعض المقالات الطبية؟ بالتأكيد لا. هل تُسلّم سيارتك لمن لم يتعلم القيادة، لكنه شاهد بعض الفيديوهات عن القيادة؟ بالتأكيد لا.

فكيف ترضى أن تأخذ دينك - الذي عليه مدار نجاتك في الآخرة - ممن لم يتعلم العلم الشرعي على أصوله؟

أسباب الانخداع

والمشكلة الكبرى أن كثيرًا من الناس ينخدعون بالمظاهر والشكليات، ولا ينظرون إلى الجوهر:

السبب الأول: يُعجبون بثقة المتكلم وجزمه؛ يرون شخصًا يتحدث بثقة كبيرة وبدون تردد، فيظنون أنه عالم متمكن! ولا يدركون أن كثيرًا من الجهلاء يتكلمون بثقة أكبر من العلماء؛ لأن الجاهل لا يعرف حجم جهله، أما العالم الحقيقي فيدرك سعة العلم وعمقه فيتكلم بحذر.

السبب الثاني: ينخدعون بالاستشهاد ببعض الآيات والأحاديث؛ يسمعون المتكلم يذكر آية أو حديثًا، فيظنون أن كلامه صحيح! ولا يدركون أن الاستشهاد بالنص لا يعني بالضرورة فهمه فهمًا صحيحًا؛ فكم من منحرف يستشهد بالقرآن على باطله!

السبب الثالث: ينخدعون بالعاطفة والتأثير؛ يرون المتكلم يبكي عند الحديث عن الله، أو يتأثر عند ذكر النبي ﷺ، فيظنون أن هذا دليل على صدقه وعلمه! والحق أن العاطفة شيء والعلم شيء آخر؛ فقد يكون الإنسان صادق العاطفة لكنه جاهل بالأحكام.

السبب الرابع: ينخدعون بجمال الأسلوب وحسن العرض؛ يجدون المتكلم فصيحًا بليغًا، يُحسن الصياغة وترتيب الأفكار، فيتابعونه! والحق أن حسن الأسلوب لا يدل بالضرورة على صحة المضمون.

السبب الخامس: ينخدعون بالجدة والغرابة؛ يسمعون فهمًا "جديدًا" لم يسمعوه من قبل، فيُعجبون به ويظنونه اكتشافًا عظيمًا! ولا يدركون أن الجدة والغرابة في الدين غالبًا ما تكون علامة على الانحراف لا على الصواب.

التطبيق العملي

إذن، التطبيق العملي للخطوة الثانية هو:

أولًا: عندما يصلك أي كلام في الدين - سواء في التفسير أو الفقه أو العقيدة - من شخص لا تعرف علمه ومؤهلاته الشرعية، فالأسلم والأحوط أن تتوقف. لا تُصدّق ولا تُكذّب، لا تنشر ولا تعمل، حتى تتأكد من صحة الكلام.

ثانيًا: اسأل عن هذا الكلام أهل العلم الموثوقين: هل هذا صحيح؟ هل له أصل في الدين؟ هل يوافق فهم السلف أم يخالفه؟ لا تستحِ من السؤال؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ثالثًا: ابحث بنفسك - إن استطعت - في كتب العلماء المعتمدين، راجع المواقع الموثوقة للإفتاء، اقرأ في كتب التفسير المعتبرة. فإن وافق الكلام ما عليه أهل العلم فالحمد لله، وإن خالف فاحذر منه وحذّر غيرك.

رابعًا: انشر الوعي بين الناس بخطورة الأخذ عن غير المؤهلين؛ فكثير من الناس يجهلون هذا الأمر، ويظنون أن كل من تكلم في الدين فهو عالم يُؤخذ عنه.

تنبيه مهم

هذا الحذر والتحفظ ليس تشددًا ولا تزمتًا، بل هو حماية لدينك من التحريف، ووقاية لنفسك من الوقوع في الخطأ. فكما أنك لا تأكل طعامًا من مصدر مجهول خوفًا على صحتك البدنية، ولا تتعاطى دواءً إلا بوصفة طبيب مختص، فدينك - الذي عليه مدار نجاتك الأبدية - أولى بالحماية والصيانة.

وقد قال الله تعالى في آية عظيمة تضع المسؤولية على عاتق كل إنسان: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. فأنت مسؤول أمام الله عما تسمع وتُصدّق، عما تنشر وتُبلّغ، عما تعتقد وتعمل. فاحرص كل الحرص على أن يكون ما تأخذه من الدين صحيحًا موثقًا.

الخطوة الثالثة: جعل حماية الدين أولوية قلبية قصوى

الأساس الذي تُبنى عليه الخطوات

لتكتمل الخطوتان السابقتان وتؤتيا ثمارهما المرجوة، لا بد من أساس قلبي راسخ، وقاعدة إيمانية متينة، ودافع نفسي قوي. هذا الأساس هو: أن تجعل حماية دينك أولوية قصوى في حياتك، لا مجرد اهتمام جانبي أو موضوع ثانوي.

فالدين ليس ثقافة نتوارثها كما نرث العادات والتقاليد، وليس معلومات نتبادلها كما نتبادل الأخبار، وليس موضوعًا للنقاش والجدل الفكري نتسلى به في المجالس. بل الدين هو الأمر الذي يحدد مصيرك الأبدي، والطريق الذي إما يوصلك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أو - والعياذ بالله - إلى نار وقودها الناس والحجارة.

قال الله تعالى مُذكّرًا بهذه الحقيقة العظمى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: 115]. فالخلق ليس عبثًا، والحياة ليست لعبًا، والموت ليس نهاية، بل هناك رجوع إلى الله، وحساب، وجزاء.

الوعي بخطورة الأمر

هذا الوعي العميق بخطورة الأمر وعظمته يجعلك تتعامل مع كل مسألة دينية - مهما صغرت في عين الناس - بحذر شديد ومسؤولية كبيرة. فعندما تختار من تأخذ عنه دينك، أو عندما تقرر قبول قول معين أو رفضه، أو عندما تنشر كلامًا في الدين، تتذكر أن الله يراقب قلبك ويعلم نيتك.

قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقال سبحانه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. فالله يعلم ما في قلبك من نية صادقة أو هوى خفي، من رغبة حقيقية في معرفة الحق أو ميل إلى ما يوافق الهوى.

الأسئلة الحاسمة التي يجب أن تسألها لنفسك

وهنا يجب أن تسأل نفسك أسئلة صادقة حاسمة:

السؤال الأول: هل أنا فعلاً أبحث عن الحق وأريد معرفته مهما كان، أم أبحث عما يوافق هواي ويُريح نفسي؟

السؤال الثاني: عندما أختار قول عالم معين في مسألة ما، هل اخترته لأنه الأعلم والأتقى والأقرب لفهم السلف، أم لأن فتواه أسهل وأيسر وأوفق لما أريد؟

السؤال الثالث: عندما أرفض قولًا معينًا، هل أرفضه لأنه مخالف للدليل الشرعي وفهم السلف، أم لأنه لا يعجبني ولا يوافق ذوقي وثقافتي؟

السؤال الرابع: عندما أُعجب بـ"فهم جديد" لآية أو حديث، هل إعجابي به لقوة دليله وموافقته لفهم السلف، أم لأنه يوافق ما أميل إليه أو يُخفف عني تكليفًا أو يُبرر لي سلوكًا؟

هذه أسئلة قاسية، لكنها ضرورية؛ لأن النفس البشرية خدّاعة، والشيطان ماكر، والهوى مُضِل. وكثير من الناس يقعون في فخ اتباع الهوى وهم لا يشعرون، يخدعون أنفسهم ويُبررون لها، ويظنون أنهم يتبعون الحق بينما هم في الحقيقة يتبعون ما تهواه نفوسهم.

خطر اتباع الهوى الخفي

كثير من الناس يتنقلون بين الفتاوى بحثًا عما يريحهم؛ في كل مسألة يبحثون عن الفتوى الأيسر، وعن الرأي الأخف، وعن القول الذي لا يُكلفهم كثيرًا. ويتبعون من يحدثهم بما يحبون سماعه، ويفسرون النصوص بما يوافق أمزجتهم وأهواءهم. وينسون - أو يتناسون - أنهم سيقفون أمام الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9]، ذلك اليوم العظيم الذي تُكشف فيه النوايا الحقيقية والدوافع الخفية.

في ذلك اليوم الرهيب سيُسألون: لماذا أخذتَ بهذا القول وتركتَ ذاك؟ لماذا اتبعتَ فلانًا في هذه المسألة؟ هل كنتَ تبحث عن الحق أم عن الهوى؟ هل كان همُّك رضا الله أم راحة نفسك؟

قال تعالى محذرًا من اتباع الهوى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23]. فمن اتخذ هواه إلهًا - يتبعه في كل أمر ويُقدمه على أمر الله - فقد ضل ضلالاً بعيدًا، وقد يختم الله على قلبه فلا يهتدي.

التطبيق العملي

لذلك، اجعل نيتك خالصة في طلب الحق مهما كان هذا الحق؛ سواء وافق هواك أم خالفه، سواء كان سهلاً أم شاقًا، سواء أعجبك أم لم يعجبك. المهم أنه الحق الذي يُرضي الله.

واسأل الله دائمًا بصدق وإخلاص: اللهم أرني الحق حقًا وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه. هذا الدعاء العظيم إذا صدقتَ فيه، وأخلصتَ في طلبه، فإن الله - الذي يعلم ما في القلوب - سيُوفقك للحق ويُعينك عليه.

وإذا وجدتَ نفسك تميل إلى قول لأنه أسهل وأيسر، أو تنفر من قول آخر لأنه أشق وأثقل، فتوقف وراجع نفسك واتهمها. فقد تكون هذه إشارة من النفس الأمارة بالسوء، أو همسة من الشيطان، أو نزغة من الهوى. فاطلب من الله الإعانة والتوفيق، وجاهد نفسك على قبول الحق ولو كان مُرًّا.

قال النبي ﷺ: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" [صحيح مسلم: 2822]. فطريق الجنة قد يكون فيه بعض المشقة على النفس، وطريق النار مفروش بما تشتهيه النفس وتهواه. فإذا خُيّرت بين أمرين، فانظر أيهما أشق على نفسك وأبعد عن هواها، فغالبًا هو الأقرب للحق.

خاتمة: المنهج المتكامل لحماية دينك

بعد هذا العرض التفصيلي للخطوات العملية الثلاث، يتضح لنا أن حماية الدين من التحريف والانحراف ليست أمرًا معقدًا يستحيل تطبيقه، بل هي منهج واضح ومحدد يستطيع أي مسلم - مهما كان مستواه العلمي - أن يسير عليه.

ملخص الخطوات الثلاث

الخطوة الأولى - التلقي عن العلماء الربانيين: لا تأخذ دينك إلا عن علماء موثوقين، معروفين بالعلم والأمانة والورع وسلامة المنهج. وإذا أردت التحقق من موافقة فهم ما لفهم السلف، فارجع إلى الكتب المعتمدة في التفسير بالمأثور، أو إلى التطبيقات الإلكترونية الموثوقة.

الخطوة الثانية - الحذر من غير المؤهلين: لا تأخذ دينك عن كل من تكلم؛ فكثير من الناس اليوم يتكلمون في الدين وهم غير مؤهلين. فإذا وصلك كلام من مصدر غير معروف بالعلم، فتوقف ولا تُصدّق ولا تُكذّب حتى تتحقق من صحته.

الخطوة الثالثة - جعل حماية الدين أولوية قلبية: اجعل همك الأول رضا الله ومعرفة الحق، لا اتباع الهوى ولا إرضاء النفس. وراجع نيتك دائمًا، واسأل نفسك: هل أبحث عن الحق فعلاً أم عما يوافق هواي؟

هذه الخطوات الثلاث ليست منفصلة بل متكاملة؛ تبدأ بالقلب (جعل حماية الدين أولوية)، ثم تنتقل إلى العقل (التمييز بين المؤهل وغير المؤهل)، ثم إلى التطبيق العملي (التلقي عن العلماء الثقات والرجوع إلى المصادر الموثوقة).

تذكير بالقاعدة الأساسية

وتذكر دائمًا القاعدة الأساسية التي بدأنا بها: ما أجمع عليه السلف فهو الحق الذي لا يُنقض، وما اختلفوا فيه فالحق لا يخرج عن أقوالهم. وكل فهم جديد يجب أن يكون منضبطًا بفهمهم لا مناقضًا له.

فاجعل هذا ميزانك في كل مسألة: هل هذا الفهم يوافق ما كان عليه الصحابة والتابعون؟ هل له أصل في تفسير السلف؟ هل يُمكن أن يقبلوه لو عُرض عليهم؟ أم أنه مخالف لما أجمعوا عليه أو استفاض عنهم؟

الأفهام المخالفة تتسلل بطرق خفية

وكن يقظًا فطنًا؛ فإن الأفهام المخالفة لفهم السلف لا تأتيك عادة بصورة صريحة مباشرة، بل تتسلل بطرق خفية ماكرة:

فاحذر من هذه الشعارات البراقة، ولا تنخدع بالأسماء الجميلة، بل انظر إلى الحقيقة والمضمون: هل هذا الفهم يوافق فهم السلف أم يخالفه؟ هذا هو المعيار الحقيقي.

الثمرات العظيمة للالتزام بهذا المنهج

ومن التزم بهذا المنهج في حياته، فإنه يُحصّل ثمرات عظيمة:

الثمرة الأولى: السلامة من الانحراف والضلال؛ فقد سار على الطريق الذي سار عليه خير القرون، وهو أسلم الطرق وأقومها.

الثمرة الثانية: الثقة واليقين في الدين؛ فلا يعيش في شك وحيرة، بل يعرف أنه على الحق الذي كان عليه السلف الصالح.

الثمرة الثالثة: الطمأنينة والراحة النفسية؛ فقد أخذ دينه من مصادره الموثوقة، ولم يتبع كل ناعق.

الثمرة الرابعة: القدرة على التمييز بين الحق والباطل؛ فقد صار عنده ميزان واضح يزن به الأقوال والأفهام.

الثمرة الخامسة: حماية نفسه وأهله من الفتن؛ في زمن كثرت فيه الشبهات وتنوعت فيه المزالق.

كلمة أخيرة: الأمر بيدك

أخي المسلم، أختي المسلمة، الأمر الآن بين يديك. قد وضحت لك الطريق، وبُيّنت لك الخطوات، وكُشفت لك المزالق. والاختيار لك: إما أن تسير على منهج السلف في فهم الدين، وإما أن تسلك طرقًا أخرى لا تدري إلى أين تنتهي بك.

وتذكر أنك ستقف أمام الله يوم القيامة، وستُسأل عن دينك: من أين أخذته؟ وعلى أي منهج سرت؟ ولماذا اخترت هذا الطريق دون ذاك؟ فأعدّ للسؤال جوابًا، وللموقف عُدّة.

واعلم أن الحق - كما قال العلماء - ثقيل مُرّ في البداية، لكنه خفيف حلو في النهاية. أما الباطل فحلو خفيف في البداية، لكنه مُرّ ثقيل في النهاية. فاصبر على ثقل الحق ومرارته اليوم، لتنعم بحلاوته وخفته غدًا في الدنيا والآخرة.

ولا تستوحش من قلة السالكين على هذا الطريق؛ فقد قال النبي ﷺ: "بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" [صحيح مسلم: 145]. وقال ﷺ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ" [صحيح مسلم: 1920].

فكن من هذه الطائفة الظاهرة على الحق، المتمسكة بفهم السلف، الثابتة على الصراط المستقيم، ولا يضرك قلة من معك ولا كثرة من خالفك، فالعبرة بالحق لا بالكثرة.

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل.

اللهم احفظ علينا ديننا كما حفظته على سلفنا الصالح، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل، واجعلنا من الراسخين في العلم.

اللهم اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.