إنسان بلا غاية: العبث الذي يُسمّونه حرية
Article Summary
تأمّل معي هذه الحقيقة الصارخة التي يحاول كثيرون التهرب منها: حين يغيب الإيمان بالخالق، ماذا يبقى من الإنسان؟ يبقى كائنًا ظهر في هذا الكون بلا حكمة، يحيا بلا غاية واضحة، ومصيره إلى الفناء المطلق. قد يُزيّنون هذه الحقيقة المُرّة بألفاظ براقة مثل "الحرية الوجودية" و"صناعة المعنى الذاتي"، لكنها تبقى كما هي في صميمها: الإنسان كائن آخر من كائنات هذا الكون، نشأ بالصدفة، ويسير نحو العدم.
فإذا كانت هذه هي حقيقة الإنسان، فأخبرني بعقلك: أين الكرامة في هذا؟ وأي معنى للحديث عن حقوق وواجبات؟ إن الحديث عن القيمة الإنسانية في ظل هذا التصور يصبح ادعاءً فارغًا، يحاول أصحابه خداع أنفسهم قبل غيرهم. فكيف ينبثق المعنى من العبث؟ وكيف تنبع القيمة من اللاغاية؟
النظرة المادية البحتة، مهما تلفعت برداء العقلانية والعلمية، تنتهي حتمًا إلى نتيجة واحدة: الإنسان شيء كباقي الأشياء في الكون، جاء بلا حكمة، ويحيا بلا هدف حقيقي، وينتهي إلى فناء مطلق. وإذا كان الأمر كذلك، فالكرامة والحقوق والقيم كلها ألفاظ جوفاء لا مضمون لها في الواقع. إنها تصبح مجرد اصطلاحات يتواضع عليها البشر، يمكنهم تغييرها متى شاؤوا، بل يمكن للأقوياء أن يفرضوا تعريفاتهم الخاصة لها.
حين يفقد العقل مبرره للأخلاق
دعنا نواجه السؤال الأصعب بصراحة كاملة: إذا لم يكن الإنسان مخلوقًا لحكمة، ولم يكن موجودًا لغاية أسمى، فلماذا عليه أن يلتزم بالأخلاق؟ لماذا يضحي بملذاته؟ لماذا يتنازل عن مصالحه؟ ما الذي يُلزمه منطقيًا بذلك؟
العقل الذي يعتقد أن الحياة عبث، وأن النهاية واحدة للجميع - أخيارًا كانوا أم أشرارًا - لن يجد إجابة مقنعة على هذه الأسئلة. بل سيقول لك بمنطق صارم لا يقبل الجدل: اسعَ وراء أكبر قدر من اللذة والمنفعة والمصلحة، فهذه هي الأشياء الوحيدة التي تستحق أن يعيش الإنسان لأجلها في عالم لا غاية له. أما الأخلاق والفضائل؟ فقيود فارغة تطالبك بالتضحية لأجل مبادئ لا أساس منطقي لها، ولا عاقبة حقيقية لتركها.
أجبني بصدق وبلا مواربة: لماذا يلتزم الإنسان بالعدل إن كان الظلم أنفع له ولن يُحاسب عليه؟ لماذا يصدق إن كان الكذب أربح لمصلحته ولا عقوبة حقيقية تنتظره؟ لماذا يعفّ عن الشهوات إن كانت أمتع وألذ وأشبع لرغباته؟ في غياب الإيمان بالخالق وباليوم الآخر، لا توجد إجابة منطقية تُلزم الإنسان بالأخلاق إلزامًا حقيقيًا.
قد يقول قائل: الضمير الإنساني يُلزمنا بالأخلاق. لكن هذا لا يحل المشكلة، بل يؤجلها فقط. فمن أين جاء هذا الضمير؟ ولماذا يجب أن نطيعه؟ إذا كان مجرد نتاج للتطور البيولوجي والتكيف الاجتماعي، فهو ليس إلا آلية بيولوجية يمكن تجاوزها أو التغلب عليها. وإذا كان بعض الناس يشعرون بتأنيب الضمير وآخرون لا يشعرون به، فمن منهم على صواب؟ ومن الذي يُقرر ذلك؟