· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

معضلة المرجعية: من يُقرر الصواب والخطأ؟

Article Summary

وهنا نصل إلى المعضلة الثانية الكبرى، وهي معضلة المرجعية الأخلاقية. في غياب الإيمان بالخالق، من الذي يحدد ما هو الخير وما هو الشر؟ من الذي يقرر ما هو الحق وما هو الباطل؟ من الذي يضع المعايير التي يُحاكم إليها البشر؟

هل الفرد؟ لكن أي فرد بالتحديد؟ وبأي منطق نُلزم الآخرين بما يراه هذا الفرد؟ إذا كان كل فرد يضع معاييره الخاصة، فقد انتهت الأخلاق وتحولت إلى فوضى عارمة، وأصبح كل إنسان يفعل ما يحلو له ويُسمّيه "أخلاقًا شخصية".

هل المجتمع إذن؟ لكن المجتمعات تتباين تباينًا صارخًا، فما يراه مجتمع خيرًا قد يراه آخر شرًّا، وما يعتبره مجتمع جريمة قد يعتبره آخر فضيلة. بل إن المجتمع الواحد يتغيّر عبر الزمن، فما كان يعتبره فضيلة بالأمس قد يعتبره رذيلة اليوم. فأين الثبات إذن؟ وأين المعيار الحقيقي؟

هل الأغلبية؟ لكن الأغلبية قد تظلم الأقلية ظلمًا فاحشًا، وقد تخضع للأهواء والعواطف والمصالح الآنية. التاريخ مليء بأمثلة شنيعة لأغلبيات ظلمت أقليات أبشع ظلم، بل قامت بإبادتها أحيانًا. فهل هذا هو المعيار؟

هل النخبة المثقفة إذن؟ لكن من يختار هذه النخبة؟ ومن يضمن أنها ستكون عادلة؟ ما يمنعها من التأثر بأهوائها ومصالحها وخلفياتها الثقافية؟ التاريخ أيضًا مليء بنُخب ظنت نفسها مستنيرة فارتكبت من الظلم ما يندى له الجبين.

كل هذه المرجعيات نسبية متغيرة متقلبة، خاضعة للأهواء والمصالح والأعراف والتوازنات السياسية والضغوط الإعلامية. ما اعتبرته حقبة عدلاً قد تعتبره أخرى ظلمًا، وما رآه جيل فضيلة قد يراه الجيل الذي يليه تخلفًا ورجعية. المثال الواضح: نظرة المجتمعات الغربية للأسرة والعلاقات الأسرية تغيرت تغيرًا جذريًا خلال خمسين عامًا فقط، فما كان يُعتبر شذوذًا وانحرافًا أصبح "حقًا" يجب احترامه، بل أصبح من ينتقده يُتهم بالتعصب والكراهية!

الثبات الذي يحمي الضعفاء

في ظل الإيمان بالله تعالى، المرجعية واضحة ثابتة لا تتغير: الخير ما حدده الله خيرًا، والشر ما حدده الله شرًا، والعدل ما أمر الله به، والظلم ما نهى الله عنه. ذلك أن الله هو الخير المطلق لكماله المطلق، والعليم الذي يعلم ما يصلح خلقه وما يفسدهم، والحكيم الذي لا يشرّع إلا ما فيه مصلحة حقيقية لعباده.

هذه المرجعية المطلقة الثابتة التي لا تتأثر بالأهواء والمصالح هي الحصن الحقيقي الذي يحمي الضعفاء من جبروت الأقوياء، ويحفظ حقوق الأقليات من طغيان الأكثريات، ويصون كرامة الإنسان من أن تكون لعبة في أيدي أصحاب النفوذ والسلطان.

حين يعلم الظالم أن ظلمه لن يمر دون حساب، وأن الله سيُحاسبه على كل صغيرة وكبيرة، وأن عقوبة الظلم في الآخرة أشد من أي عقوبة دنيوية، فإن هذا يضع حدًا حقيقيًا لظلمه. وحين يعلم المظلوم أن حقه محفوظ عند الله وإن ضاع في الدنيا، وأن الله سينتصر له يوم القيامة، فإن هذا يمنحه القوة والصبر والأمل.