المرأة: شاهد على استحالة تأسيس الحقوق بغير الإيمان
Article Summary
والآن، لماذا كل هذا الحديث المفصّل عن التأسيس الإيماني في مقال يتناول مكانة المرأة؟ لماذا لم ندخل مباشرة في سرد حقوق المرأة في الإسلام؟
لأن قضية المرأة تكشف - بوضوح أشدّ من أي قضية أخرى - استحالة تأسيس الحقوق والكرامة تأسيسًا منطقيًا راسخًا في غياب الإيمان بالله تعالى. المرأة عبر التاريخ كانت الحلقة الأضعف في معظم المجتمعات البشرية، ولذلك فهي أكبر شاهد على حقيقة واحدة: أن القوانين والأعراف الإنسانية - حين تنفصل عن الوحي الإلهي - تنتهي دائمًا إلى ظلم الطرف الأضعف.
المرأة عبر التاريخ طالبت - وما زالت تطالب - بحقوق معينة: الكرامة الإنسانية، والمعاملة العادلة، والحماية من الظلم والاستغلال، والاعتراف بإنسانيتها الكاملة، والاحترام لدورها ووظيفتها. هذه مطالب مشروعة عادلة، لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ووضوح: من أين تستمد هذه الحقوق قوتها الإلزامية؟ ما الذي يجعلها حقوقًا حقيقية وليست مجرد أماني وطموحات؟
صرخات في الهواء
في غياب الإيمان بالله تعالى، ما الذي يُلزم الرجل - أو المجتمع - بالاعتراف بحقوق المرأة واحترامها؟ إذا كان الإنسان كائنًا ماديًا فقط، نشأ عن طريق الصراع من أجل البقاء، والقوي هو من يضع القوانين ويفرض إرادته، فما الذي يمنع الأقوياء من تجاهل مطالب المرأة حين تتعارض مع مصالحهم؟ ما الذي يُلزمهم أخلاقيًا وعقليًا بالعدل معها إن كان الظلم أنفع لهم وأحقق لمصالحهم؟
اقرأ تاريخ البشرية بإنصاف وتجرد، وستجد أن صرخات المرأة المطالبة بحقوقها في الأنظمة المادية البحتة - سواء القديمة أو الحديثة - ظلت في كثير من الأحيان أصواتًا في الهواء، لا قيمة حقيقية لها إلا بقدر ما يرى أصحاب القوة والنفوذ من مصلحة في الاستجابة لها. وحين تتغير المصالح أو التوازنات، تتغير معها "الحقوق" المزعومة.
انظر إلى الحضارات القديمة: كيف عاملت المرأة؟ في بعضها كانت تُباع وتُشترى كالسلعة، وفي بعضها كانت تُحرم من الميراث والملكية، وفي بعضها كان يُشك في إنسانيتها الكاملة. لماذا؟ لأن القوي - وهو الرجل غالبًا - وضع القوانين وفق مصلحته، ولم يكن هناك مرجعية إلهية ثابتة تحمي الضعيف.
وانظر إلى العصر الحديث: المرأة الغربية المعاصرة، رغم كل الشعارات البراقة عن المساواة والحرية، هل فعلًا حصلت على كرامتها الكاملة؟ أم أنها تحولت إلى سلعة تُستغل في الإعلانات والإعلام؟ أم أنها صارت تُقاس بمعايير الرجل وتُطالب بأن تثبت نفسها وفق معاييره، متخلية عن خصائصها الأنثوية التي فطرها الله عليها؟ أم أن "حريتها" تحولت إلى ضغط مستمر لتكون كل شيء: عاملة وأمًا وزوجة ومنافسة للرجل في كل مجال، حتى أنهكها هذا الصراع؟
حقوق مقررة لا مِنَح مَمنوحة
أما في ظل الإيمان بالله تعالى، فالأمر يختلف اختلافًا جذريًا. حقوق المرأة ليست منحة من الرجل يمكنه أن يعطيها أو يسحبها متى شاء، ولا هي خاضعة لمزاج المجتمع أو مصالح الأقوياء أو توازنات القوى السياسية، بل هي حقوق مقررة من الخالق العليم الحكيم، الذي خلق الرجل والمرأة، ويعلم ما يصلح كلًّا منهما، والذي جعل للظلم عاقبة أليمة وللعدل جزاءً عظيمًا.
هذا الفارق الضخم - وحده - هو ما يمنح حقوق المرأة في الإسلام قوتها الإلزامية الحقيقية، التي لا يملك بشر - مهما كانت قوته ونفوذه - أن يلغيها أو يتلاعب بها أو يخضعها لمصالحه. فحين يُربط حق المرأة بأمر الله، وحين تُؤسس كرامتها على كونها مخلوقة مكرمة من الخالق، وحين يصبح العدل معها عبادة يُثاب عليها المسلم والظلم لها معصية يُعاقب عليها في الدنيا والآخرة، حينئذ فقط - فقط - تحصل المرأة على الضمانة الحقيقية الراسخة الثابتة لحقوقها وكرامتها.
المسلم حين يُحسن إلى المرأة - أمًا كانت أو زوجة أو ابنة أو أختًا أو أي امرأة أخرى - فهو لا يفعل ذلك إرضاءً للمجتمع أو خوفًا من القانون فقط، بل يفعله عبادة لله، يرجو بها الأجر والثواب. وحين يظلمها، فهو يعلم أن الله سيُحاسبه حسابًا عسيرًا، وأن دعوة المظلوم - والمرأة المظلومة خاصة - ليس بينها وبين الله حجاب. هذا هو الضمان الحقيقي، وهذا هو الأساس الراسخ الذي لا يتزعزع.
شهادة التاريخ لا تكذب
لقد أثبتت التجارب البشرية عبر القرون حقيقة صارخة لا مراء فيها: أن كل نظام فكري حاول الاستغناء عن الأساس الإيماني قد انتهى إلى إهدار كرامة الإنسان بشكل أو بآخر، وأن الضحية الأولى دائمًا كانت الطرف الأضعف في المعادلة. وأن كل فلسفة زعمت أنها تستطيع حماية حقوق الضعفاء دون الرجوع إلى سلطة إلهية عليا قد فشلت فشلًا ذريعًا.
والسبب واضح وضوح الشمس: لأن هذه الأنظمة والفلسفات جعلت حقوق الإنسان في النهاية رهينة بيد من يملك القوة أو المال أو النفوذ أو القدرة على التأثير الإعلامي. وحين تكون الحقوق رهينة للقوة والمصلحة، فإن الضعفاء - ومنهم المرأة في أغلب المجتمعات عبر التاريخ - هم أول من يدفع الثمن باهظًا.
النظم الوضعية قد تمنح المرأة حقوقًا في فترة ما، ثم تسحبها منها في فترة أخرى بحسب تغير الظروف والتوازنات. أما الحقوق المقررة من الله تعالى، فهي ثابتة لا تتغير بتغير الأزمان والظروف، لأنها مبنية على علم الخالق بما يصلح خلقه، وليست مبنية على أهواء البشر المتقلبة.