المأزق الحقيقي: حين يضع البشر حقوق البشر
Article Summary
تبيّن معنا في المقالة السابقة أن كرامة الإنسان لا يمكن تأسيسها إلا بالإيمان بالله تعالى، وأن غياب الإيمان يجعل الإنسان كائنًا لا يختلف في وجوده عن وجود الحجر والشجر والدواب، فلا معنى حينها للتعامل معه وكأن لوجوده قيمة ولحياته معنى، وذلك بأن يُفرض على ذوي النفوذ والأقوياء أن يراعوا مصالحه ويحترموا حقوقه.
والآن، إذا كنا قد أيقنّا بأنه لا يمكن أن تكون لأي دعوة حقوقية أساس منطقي إلا بعد أن يُقرّ أصحابها بأن للإنسان قيمة حقيقية منبثقة عن حكمة إلهية أرادت وجوده ليؤدي الحقَّ الذي عليه، فإننا نصل إلى سؤال أخطر وأعمق: مَن الذي يحدد هذه الحقوق والواجبات؟ مَن الذي يرسم الخطوط الفاصلة بين ما يجب وما لا يجب؟ مَن الذي يضع الموازين التي توزن بها الأمور؟
يظن كثيرون أن الإنسان قادر على وضع حقوقه بنفسه، وأن عقله يكفيه لتحديد ما هو عادل وما هو ظالم. لكن هذا الظن يصطدم بحقيقة قاسية لا مفر منها: الإنسان عاجز عن أن يتجرد من مراعاة مصالحه أثناء وضع ما يجب على الآخرين، فيقع حينئذٍ في شيء من الحيف والجور من حيث لا يشعر، بل من حيث يشعر أحيانًا لكنه يبرر لنفسه ذلك.
العجز البشري عن التجرد
تصور معي هذا المشهد: مجموعة من البشر يجلسون ليضعوا الحقوق والواجبات. كل واحد منهم ينظر من زاوية معينة، ويتأثر بخلفيته الثقافية، وتحركه مصالحه الشخصية أو الفئوية، وتؤثر فيه أهواؤه ورغباته. الرجل ينظر بعين الرجل، والمرأة بعين المرأة، والغني بعين الغني، والفقير بعين الفقير، والقوي بعين القوي، والضعيف بعين الضعيف. فمن منهم يملك الحياد المطلق؟ من منهم يستطيع أن يتجرد تمامًا من كل ما يؤثر في حكمه؟
لو تشارك الناس كلهم في وضع الحقوق والواجبات لاختلفوا اختلافًا شديدًا، ولما اتفقوا على شيء إلا بعد صراع ومساومات وتنازلات يفرضها الواقع لا العدل. وفي النهاية، من يملك القوة والنفوذ هو من سيفرض رؤيته، ومن يملك القدرة على التأثير هو من سيُمرر مصالحه تحت مسمّيات براقة.
ثم انظر إلى المأزق الأعظم: لكل إنسان أن يقول بمنطق صحيح: ما دام أن الحقوق يضعها إنسان ليس بمعصوم عن أن يقع في حكمه جور وظلم، فلِمَ أسلِّم له ما أوجبه عليّ لغيري؟ لماذا أطيع ما وضعه زيد من أحكام؟ لِمَ لا أضع أنا ما أراه عدلاً؟ ما الذي يُلزمني منطقيًا بالخضوع لرأي إنسان مثلي، له أهواؤه ومصالحه ونقائصه؟