المأزق المنطقي الذي لا مخرج منه إلا بالوحي
Article Summary
وهنا يتجلّى المأزق بوضوح تام، مأزق لا حل له إلا بالرجوع إلى الله: إذا كان البشر هم من يضعون الحقوق والواجبات، فمن يضمن عدالتها؟ ومن يُلزم الناس بها إلزامًا حقيقيًا؟ ولماذا يُطاع زيد دون عمرو؟ ولماذا تُقبل آراء هذه الجماعة وتُرفض آراء تلك؟
إن قيل: الأغلبية هي التي تحدد. قلنا: وما الذي يجعل رأي الأغلبية صوابًا؟ ألم تُخطئ الأغلبيات عبر التاريخ؟ ألم تظلم الأغلبيات الأقليات ظلمًا فاحشًا؟ ثم إن الأغلبية تتغير، فما كان رأي أغلبية بالأمس قد يصبح رأي أقلية اليوم. فأين الثبات؟ وأين المعيار الحقيقي؟
وإن قيل: العقلاء والحكماء هم من يحددون. قلنا: ومن يختار هؤلاء العقلاء؟ ومن يضمن حيادهم؟ وماذا لو اختلف العقلاء فيما بينهم - وهم يختلفون دائمًا - فأيهم نتبع؟ ثم إن ما يراه جيل من العقلاء حكمة قد يراه الجيل الذي يليه جهلاً وتخلفًا.
وإن قيل: المصلحة العامة هي المعيار. قلنا: من يحدد المصلحة العامة؟ ومصلحة من بالضبط؟ وماذا لو تعارضت مصلحة فئة مع مصلحة أخرى؟ ومن يضحي بمصلحته لأجل الآخرين إذا كان لا يؤمن بجزاء ولا حساب؟
الحل الوحيد: الرجوع إلى الخالق
لا مخرج من هذا المأزق إلا بالرجوع إلى من خلق الإنسان وصوّره، إلى من يعلم سره وعلنه، إلى من لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. الله تعالى وحده المنزّه عن الهوى والمصلحة، لا ينتفع بطاعة عباده ولا يتضرر بمعصيتهم. يعلم دقائق النفس البشرية وخفايا الطبيعة الإنسانية، ويعلم ما يصلح الرجل وما يصلح المرأة، وما يحقق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع.
الله تعالى قادر على وضع ميزان العدل الذي لا يميل مع قوي ضد ضعيف أو ضعيف ضد قوي، ولا مع رجل ضد امرأة أو امرأة ضد رجل، ولا مع غني ضد فقير أو فقير ضد غني. ميزان العدل الإلهي يراعي مصلحة الجميع دون أن ينحاز لأحد على حساب الآخر، لأنه صادر عن الحكيم العليم الخبير.
إذن، العقل السليم يحتّم علينا أن نطلب الهداية من الخالق نفسه: ما غاية وجودنا؟ ما حقوقنا وواجباتنا؟ كيف نعيش؟ كيف نتعامل مع بعضنا؟ ما دور المرأة؟ ما دور الرجل؟ هذه أسئلة لا يمكن أن نجد لها إجابات عادلة صحيحة إلا عند من خلقنا وأوجدنا.
حقيقة البعث: الضامن الحقيقي للعدل
وقبل أن نتساءل: هل أنزل الخالق وحيًا يجيب على هذه الأسئلة؟ لا بد من الوقوف عند حقيقة أساسية تتعلق بكمال الله وعدله، ألا وهي حقيقة البعث والجزاء. فهذه الحقيقة هي الضامن الوحيد لتحقق العدل الكامل، وهي الرادع الحقيقي عن الظلم، وهي الدافع القوي للالتزام بالحق.
انظر في هذه الحياة الدنيا تجد مشهدًا عجيبًا مؤلمًا يتكرر كل يوم: طفل بريء يُقتل ظلمًا، وقاتله يعيش حياة مترفة حتى يموت على فراشه. امرأة صالحة تُظلم طول عمرها، وظالمها ينعم بالقوة والجاه. ضعفاء يُسحقون تحت أقدام الجبابرة، وأخيار يُحرمون بينما الأشرار يتمتعون. عالم يُقتل لأنه قال الحق، وظالم يموت شبعان في قصره. مظلومون يعيشون في البؤس، وظالمون يتنعمون بالنعيم.
فهل يُعقل أن ينتهي المشهد هكذا؟ هل يليق بعدل الله وحكمته أن يستوي الظالم والمظلوم، القاتل والقتيل، المحسن والمسيء، الصالح والطالح؟ هل يليق بكمال الله المطلق أن ينتهي كل شيء بالموت دون حساب ولا جزاء؟
العدل الإلهي يستلزم البعث
كلا، إن كمال الله المطلق يأبى هذه المساواة الظالمة. وعدل الله التام يستلزم حتمًا أن يُجازى كل إنسان بما عمل، خيرًا كان أو شرًّا. قال الله تعالى: ﴿أَيَحسَبُ الإِنسانُ أَن يُترَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]. أي: هل يظن الإنسان أنه سيُترك بلا حساب ولا جزاء؟ هل يظن أن حياته ستمضي هكذا عبثًا دون أن يُحاسب على أعماله؟
الجواب: كلا، لن يُترك سدى. فالله تعالى إما أن يقتص من الظالم في الدنيا اقتصاصًا كاملًا تامًّا يوفي كل مظلوم حقه، وإما أن يؤجل الحساب الكامل لحياةٍ أخرى يُحيي فيها الإنسان كما أحياه أول مرة، ليقتص للمظلوم من الظالم، وليُجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
والواقع يشهد أن كثيرًا من الظالمين يموتون دون أن يُقتص منهم في الدنيا اقتصاصًا كاملًا، بل إن بعضهم يموت وهو في أوج قوته ونفوذه. وكثير من المظلومين يموتون دون أن يأخذوا حقهم من ظالميهم. فهل يليق بعدل الله أن تنتهي القصة هنا؟ هل يليق بحكمته أن يستوي هؤلاء وهؤلاء في النهاية؟
القول بأن الموت نهاية كل شيء يتناقض تناقضًا صارخًا مع العدل الذي هو صفة من صفات الله تعالى الثابتة. فالله هو الحكم العدل، والعدل يقتضي أن يُجازى كل إنسان بما عمل. فإذا لم يتحقق العدل الكامل في الدنيا - وهو لا يتحقق في كثير من الأحيان - فلا بد من حياة أخرى يتحقق فيها هذا العدل.
قدرة الله على البعث
والله تعالى قادر على البعث قدرة مطلقة لا حدود لها. فمن خلق السماوات والأرض من العدم المطلق، أيعجز عن إعادة خلق الإنسان؟ من أوجد هذا الكون الهائل بكل ما فيه من نجوم ومجرات وكواكب، أيعجز عن إعادة خلق مخلوق صغير كالإنسان؟
بل إن الإعادة أهون من البداية في منطق العقل، فمن بنى قصرًا من العدم قادر على إعادة بنائه بعد أن ينهدم. ومن صنع شيئًا أول مرة قادر على إعادة صنعه مرة أخرى. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
فالله الذي خلق هذا الكون الضخم ولم يتعب من خلقه، ولم يعجز عنه، قادر بلا شك على أن يُحيي الموتى ويبعثهم للحساب والجزاء. بل إن الإنسان نفسه شاهد على قدرة الله على البعث، فقد كان عدمًا فأوجده الله، فكيف يستبعد أن يُعيده الله بعد موته؟
إنكار اليوم الآخر يهدم كل أساس للأخلاق
وهنا نأتي إلى نقطة في غاية الأهمية، نقطة محورية يجب أن نتوقف عندها طويلًا: من ينكر اليوم الآخر يهدم - دون أن يشعر أحيانًا - كل أساس حقيقي للإلزام الأخلاقي. فلنتأمل هذا الموقف بعمق:
رجل لا يؤمن بالحساب والجزاء يقول للناس: "احترموا حقوق النساء"، "لا تظلموا الضعفاء"، "كونوا عادلين"، "التزموا بالأخلاق". فيسأله سائل بمنطق صريح: لماذا؟ لماذا أفعل ذلك؟
إن قال: "لأن هذا هو الصواب"، قيل له: الصواب في رأيك أنت، أما نحن فنرى أن مصلحتنا هي الصواب. ومن أنت حتى تفرض علينا رأيك؟ ولماذا يكون رأيك أولى من رأينا؟
وإن قال: "لأن هذا يحقق السعادة للجميع"، قيل له: نحن نريد سعادتنا فقط، فما لنا وللآخرين؟ ولماذا نضحي بسعادتنا ومصالحنا لأجل سعادة الآخرين؟ إذا كان الموت نهاية كل شيء، فعمرنا قصير، ولذاتنا محدودة، فلماذا نحرم أنفسنا منها؟
وإن قال: "ستعاقبون بالقانون"، قيل له: سنحتال على القانون، أو سنتحيّن غفلة الحارس، أو سنوفر لذوي النفوذ ما تشتهيه نفوسهم ليغضوا الطرف عن تجاوزاتنا. ثم إن كلامك هذا لا ينطبق على ذوي النفوذ أساسًا، فهم من يضعون القوانين ومن يتحكمون في تطبيقها!
وإن قال: "ستنالون احترام الناس"، قيل له: احترام الناس لا يُطعم خبزًا ولا يحقق رغبة. ونحن نفضل أن ننال مصالحنا ولو كرهنا الناس، على أن نفقد مصالحنا ويحبنا الناس.