· · 7 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

هل أوحى إلينا الخالق؟

Article Summary

فهل أوحى إلينا الخالق وحيًا يتضمن كل ما يجب علينا له ولخلقه؟ هل بيّن لنا الطريق؟ هل أرسل إلينا رسلًا يعلّموننا ما يريده منا؟

إن الله الذي خلق الإنسان لحكمة عظيمة، وجعل له مصيرًا أبديًا، وأعدّ له حسابًا دقيقًا، لا بد أن يكون قد بيّن له الطريق. لا بد أن يكون قد أوضح له ما يجب عليه فعله، وما يجب عليه تركه. لا بد أن يكون قد أرسل إليه رسلًا يعلمونه ويرشدونه ويوضحون له الحق من الباطل.

لماذا؟ لئلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة. لئلا يقول المنتهكون للحقوق: يا ربنا، ما جاءنا من يعلمنا ما يجب علينا، فكيف تعذبنا على ما لم نعلم؟ لئلا يقول الظالمون: لو بيّنت لنا ما تريد لفعلناه، لكنك تركتنا نتخبط في الظلمات فضللنا.

العدل الإلهي يقتضي أن يُرسل الله رسلًا وأن يُنزل كتبًا، ليُبيّن للناس الطريق المستقيم، وليُقيم عليهم الحجة. وهذا ما فعله الله تعالى فعلاً، فأرسل الرسل وأنزل الكتب، وبيّن الحق بيانًا واضحًا لا لبس فيه.

المرأة: محور الاختبار الأخلاقي

وقضية المرأة تحديدًا تُعتبر اختبارًا حقيقيًا لأي نظام أخلاقي أو شريعة. فالمرأة - تاريخيًا - هي الطرف الأضعف في معادلة القوة الاجتماعية، وهي الأكثر عرضة للظلم والاستغلال. فإذا كان النظام يحمي المرأة ويحفظ حقوقها ويصون كرامتها، فهذا دليل على عدالته. وإذا كان يهدر حقوقها أو يستغلها أو يظلمها، فهذا دليل على فساده.

لذلك، حين نبحث في الوحي الإلهي عن تعاليم تتعلق بالمرأة، فإننا نبحث عن المعيار الحقيقي للعدل. نبحث عن الأحكام التي وضعها من يعلم حقيقة المرأة وطبيعتها، ومن لا تنفعه طاعتها ولا تضره معصيتها، ومن يريد مصلحتها الحقيقية لا مصلحة أحد على حسابها.

خاتمة: الوحي ضرورة عقلية

إن ما توصلنا إليه من حقائق في هذه المقالة يقودنا إلى نتيجة حتمية لا مفر منها: وهي أنَّ الوحي الإلهي ليس ترفًا فكريًا يمكن الاستغناء عنه، ولا خيارًا ثانويًا يُترك لمن يريد، بل هو ضرورة عقلية ومنطقية وأخلاقية لا يستقيم بدونها نظام الحياة الإنسانية.

فقد تبيّن لنا بوضوح تام أن الإنسان لا قيمة حقيقية له إلا بالإيمان بالله، وأن الحقوق لا أساس منطقي لها إلا بالمرجعية الربانية، وأن الإلزام الأخلاقي لا قوة فعلية له إلا بالإيمان باليوم الآخر، وأن البشر عاجزون عن وضع نظام عادل كامل لأنهم لا ينفكون عن أهوائهم ومصالحهم ونقائصهم. فإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك بلا شك - فمن أين نعرف ما يريده الله منا؟ كيف نعرف الحق من الباطل، والعدل من الظلم، والخير من الشر، والصواب من الخطأ؟

إن الله تعالى - بكماله المطلق ورحمته الواسعة - لم يترك عباده يتخبطون في الظلمات بلا هداية، ولم يتركهم حيارى لا يعرفون الطريق، بل أنزل إليهم وحيًا يبيّن لهم كل ما يحتاجون إليه في حياتهم. وفي هذا الوحي - القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة - نجد الإجابات الشافية الكافية الوافية عن كل تساؤلاتنا حول مكانة المرأة، ودورها في الحياة، وحقوقها وواجباتها، وما يحقق سعادتها الحقيقية.

والعاقل من يبحث عن الحقيقة عند من يملكها، لا عند من يدّعيها دون برهان. والحكيم من يطلب الهداية من الخالق العليم الخبير، لا من المخلوق الجاهل الناقص. والمنصف من يحكّم وحي الله في شأن المرأة وفي كل شأن، لا أهواء البشر المتقلبة المتغيرة التي ما زالت تتأرجح بين إفراط مُخلّ جعل المرأة متاعًا يُستهلك، وتفريط مُضرّ جعلها في صراع دائم مع فطرتها التي فطرها الله عليها.

الوحي الحاسم لتساؤلاتنا

مقدمة: السؤال الذي لا مفر منه

تقرر معنا في المقالات السابقة أن كرامة الإنسان لا تُؤسس إلا بالإيمان بالله تعالى، وأن تحديد الحقوق والواجبات لا يصح أن يُترك للبشر وأهوائهم ومصالحهم المتضاربة، وأن الله الحكيم الرحيم العدل - بمقتضى حكمته ورحمته وعدله - لا بد أن يكون قد أنزل وحيًا يبيّن للناس ما يريده منهم، ويوضح لهم الطريق المستقيم.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن بقوة: أين هذا الوحي؟ وكيف نعرفه؟ وما الذي يميزه عن غيره مما يُدّعى أنه وحي إلهي؟

القرآن: الوحي المحفوظ

الجواب: إنه القرآن الكريم، الكتاب الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ ليكون هداية للناس أجمعين. وأول ما يميز هذا الكتاب عما يُدّعى أنه وحي إلهي هو حفظه التام الكامل من أي تحريف أو تبديل أو تغيير.

انظر إلى واقع الكتب الأخرى التي تُنسب إلى الوحي الإلهي، وقارنها بالقرآن، وستجد الفرق واضحًا جليًا. فبينما نجد تلك الكتب قد ضاعت أصولها، واختلفت نسخها، واختلطت فيها كلمات البشر بما يُنسب إلى الله، وتضاربت تراجمها حتى لا يكاد المرء يعرف ما هو الأصل مما هو الدخيل، بقي القرآن محفوظًا حرفًا حرفًا، كلمة كلمة، حركة حركة، منذ نزوله على النبي ﷺ قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا حتى يومنا هذا.

وهذا الحفظ العجيب الفريد ليس ادعاءً فارغًا، بل هو واقع ملموس يشهد به القاصي والداني. فالقرآن الذي يُتلى اليوم في مساجد إندونيسيا هو القرآن نفسه الذي يُتلى في مساجد المغرب، وهو القرآن نفسه الذي يُتلى في مساجد الصين، وهو القرآن نفسه الذي يُتلى في مساجد أمريكا وأوروبا. لا يختلف في حرف واحد، ولا في حركة واحدة.

الحفظ في الصدور: معجزة لا نظير لها

وهذا الحفظ لم يكن بطريقة واحدة، بل بطرق متعددة متضافرة، تجعل استحالة التحريف أمرًا بديهيًا. فالقرآن محفوظ أولاً في الصدور، يتناقله الحفّاظ جيلاً بعد جيل بالتواتر الذي يستحيل معه التواطؤ على الكذب.

فملايين المسلمين عبر القرون - من زمن الصحابة إلى يومنا هذا - يحفظون القرآن كاملًا عن ظهر قلب، من الفاتحة إلى الناس، لا يخطئون في حرف واحد. بل إن الطفل الصغير الذي يحفظ القرآن يستطيع أن يصحح لمن هو أكبر منه سنًا إذا أخطأ في آية.

ولو جمعت اليوم طفلًا يحفظ القرآن من إندونيسيا، وآخر من نيجيريا، وثالثًا من البوسنة، ورابعًا من المغرب، وخامسًا من الهند، وسادسًا من تركيا، لوجدتهم يقرؤون النص نفسه تمامًا، بالحروف نفسها، بالحركات نفسها، دون زيادة أو نقصان، رغم اختلاف بلدانهم وأعراقهم ولغاتهم الأصلية. وكل منهم له سلسلة متصلة من الحفظ تصل إلى الصحابة، ومن الصحابة إلى الرسول ﷺ، ومن الرسول إلى جبريل عليه السلام، ومن جبريل إلى الله تعالى.

هذه المعجزة لا نظير لها في أي كتاب آخر. فهل تجد اليوم من يحفظ كتبهم المقدّسة كاملة عن ظهر قلب؟ بل هل تجد من يحفظ نصًّا واحدًا منها بلغتها الأصلية متفقًا عليه بين جميع الطوائف؟ كلا، لن تجد ذلك أبدًّا.

الحفظ في السطور: توثيق لا مثيل له

والقرآن محفوظ كذلك في السطور، مكتوبًا في مصاحف لا تُحصى، منتشرة في بقاع الأرض المختلفة عبر القرون المتطاولة، وكلها متطابقة في النص تطابقًا تامًا كاملًا. والمصاحف الأثرية القديمة التي تعود إلى القرون الأولى من الإسلام، والتي اكتُشفت في أماكن متفرقة من العالم، تشهد شهادة قاطعة أن النص الذي بين أيدينا اليوم هو النص نفسه الذي كان بين أيدي الصحابة رضوان الله عليهم.

بل إن المستشرقين أنفسهم - ومنهم من كانوا يتمنون أن يجدوا اختلافًا في نص القرآن - اضطروا إلى الاعتراف بأن نص القرآن محفوظ بدقة مذهلة لا نظير لها. فحين قارنوا المخطوطات القديمة بالمصاحف الحديثة، لم يجدوا إلا توافقًا كاملاً في النص.

هذا الحفظ العجيب الفريد لم يحدث لأي كتاب آخر في تاريخ البشرية. فأين النسخ الأصلية للكتب الأخرى التي تُنسب إلى الوحي؟ أين النص الأصلي بلغته الأصلية؟ أين المخطوطات الموثقة التي تعود إلى زمن الأنبياء؟

لقد ضاع كل ذلك في غياهب التاريخ، وما بقي إلا ترجمات للترجمات، ونسخ مختلفة متضاربة تتفاوت فيما بينها، لا يعلم أحد أيها الصحيح من المحرّف، وأيها الأصلي من المضاف. بل إن الطوائف المختلفة من أتباع الديانة الواحدة يختلفون في نص الكتاب نفسه، فلكل طائفة نسختها الخاصة التي تختلف عن نسخ الطوائف الأخرى.

الوضوح في اللغة: فهم دون التباس

كما أن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، واضح الدلالة، محكم العبارة، فصيح التعبير. لم يكن من عاش في زمن تنزله يحتاج إلى من يفسر له معاني الكلمات الأساسية، وذلك لأن القرآن نزل باللغة نفسها التي كان بها يتحدث العربي، وعن مكنون صدره يُعرب، وبها يُعبّر عن أفكاره وحاجاته.

هذا الوضوح في اللغة أمر في غاية الأهمية، خاصة في مسائل الحقوق والواجبات. فالناس يحتاجون إلى معرفة ما لهم وما عليهم بوضوح تام لا لبس فيه ولا غموض. والقرآن يعطي ذلك لمن أتقن لغة أهله وعرف أسباب نزول آياته وسياقاتها بصورة واضحة جلية.

فحين يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالمعنى واضح وضوح الشمس: للنساء حقوق على أزواجهن كما أن عليهن واجبات لهم، وهذه الحقوق والواجبات متبادلة ومتوازنة.

وحين يقول سبحانه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالمعنى واضح: هناك درجة للرجال تتعلق بالقوامة والمسؤولية والإنفاق، وهذا لا ينفي التساوي في الكرامة الإنسانية والقيمة عند الله.

وحين يقول تبارك وتعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] في مسائل محددة من الميراث، فالحكم واضح بيّن، والحكمة معقولة مفهومة لمن تدبر النظام الإسلامي الشامل للنفقات والواجبات المالية، حيث الرجل مُكلّف بالإنفاق على زوجته وأولاده بينما المرأة لها ذمة مالية مستقلة لا تُلزم بالإنفاق على أحد.

هذا الوضوح في النص القرآني يقطع الطريق على من يريد التلاعب بالنصوص أو تحريفها عن مواضعها أو ليّ أعناقها لتوافق أهواءهم. فالنص القرآني موجود، محفوظ، واضح، يستطيع أي إنسان يتقن لغة العرب أن يرجع إليه ويفهم منه كثيرًا من الأحكام بمجرد قراءة الآيات وفهم معانيها في سياقها.