· · 4 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

اللغة الأصلية الباقية: ميزة لا تُضاهى

Article Summary

وميزة أخرى فريدة عظيمة للقرآن الكريم أنه محفوظ بلغته الأصلية التي نزل بها. فنحن المسلمين اليوم نقرأ الكلمات نفسها، بالحروف نفسها، بالصيغ نفسها، التي نطق بها جبريل عليه السلام حين نزل بها من عند الله، وتلاها محمد ﷺ على أصحابه، وسمعها الصحابة رضوان الله عليهم وحفظوها ونقلوها.

لم تضع اللغة الأصلية للقرآن كما ضاعت لغات الكتب الأخرى التي تُنسب إلى الوحي. ولم نحتج إلى ترجمات قد تخطئ وتصيب، وتزيد وتنقص، وتحرّف المعنى أو تبدّله، أو تتأثر بفهم المترجم وخلفيته وأهوائه.

واللغة العربية التي نزل بها القرآن لغة حية لم تمت ولن تموت بإذن الله، يتكلم بها مئات الملايين من البشر، ويفهمها من تعلّمها ولو لم يكن عربي الأصل. وقواعدها محفوظة مدونة، ومعاجمها موجودة متاحة، ودلالات ألفاظها معروفة واضحة.

فأي إنسان في العالم يستطيع أن يتعلم اللغة العربية، ثم يرجع إلى النص القرآني الأصلي، فيفهم كلام الله تعالى مباشرة دون واسطة مترجم قد يحرّف أو يخطئ أو يتأثر بأهوائه. هذه ميزة عظيمة لا نجدها في أي كتاب آخر مما يُنسب إلى الوحي.

التوثيق المبكر: منهجية علمية فريدة

ومما يميز القرآن الكريم أيضًا أنه دُوّن فور نزوله، في حياة النبي ﷺ نفسه وتحت إشرافه المباشر. فكان للنبي ﷺ كتّاب للوحي يكتبون الآيات فور نزولها، ويُملي عليهم النبي ﷺ الآية، ويحدد لهم موضعها من السورة، ويراجع معهم ما كتبوه للتأكد من صحته.

ثم جُمع القرآن كله في مصحف واحد في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بمنهجية علمية دقيقة غاية في الإحكام، تشترط التواتر والكتابة معًا. فلم يُقبل أي نص إلا إذا كان متواترًا - أي رواه عدد كبير من الصحابة يستحيل تواطؤهم على الكذب - وكان مكتوبًا في عهد النبي ﷺ.

ثم نُسخت المصاحف في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأُرسلت إلى الأمصار الإسلامية المختلفة، مع القرّاء الذين يحفظون القرآن ويعلّمونه للناس، حتى يتطابق المحفوظ في الصدور مع المكتوب في السطور.

هذا التوثيق المبكر الدقيق المنهجي لم يحدث لأي كتاب آخر مما يُنسب إلى الوحي الإلهي. فالكتب الأخرى كُتبت بعد عقود طويلة أو حتى قرون من رحيل الأنبياء الذين جاؤوا بها، اعتمادًا على الذاكرة البشرية القابلة للخطأ والنسيان، وعلى الروايات الشفوية التي تتناقلها الأجيال فتزيد فيها وتنقص، مما فتح الباب واسعًا للخطأ والنسيان والتحريف المقصود وغير المقصود.

حفظ السياق والتفسير

ومما يزيد القرآن وضوحًا ويحفظ فهمه من الانحراف والتأويل الخاطئ أن أسباب نزول آياته قد حُفظت ودُوّنت بعناية فائقة. فنحن نعرف اليوم - بعد أربعة عشر قرنًا - في أي مناسبة نزلت هذه الآية، وما السياق الذي جاءت فيه، وما السؤال الذي أجابت عنه أو المشكلة التي عالجتها، مما يعين على فهمها الفهم الصحيح الدقيق ويمنع من تأويلها على غير وجهها الحق.

كما حُفظت سنة النبي ﷺ القولية والفعلية والتقريرية، التي هي البيان العملي الواضح للقرآن، والتفصيل لما أُجمل فيه، والتطبيق الحي لأحكامه. فالنبي ﷺ هو المبلغ عن ربه، والمبيّن لمراده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].

وقد قيّض الله تعالى لهذه السنة النبوية الشريفة رجالًا عظماء حفظوها في صدورهم، ودوّنوها في كتبهم بأمانة ودقة، ووضعوا لها علومًا دقيقة متقنة تميز الصحيح من الضعيف، والثابت من المكذوب، والمقبول من المردود، بمنهجية علمية صارمة لم تُعرف لأي أمة من الأمم السابقة في حفظ تراثها وتوثيق نصوصها.

فعلم الجرح والتعديل، وعلم الإسناد، وعلم مصطلح الحديث، وغيرها من العلوم التي ابتكرها علماء الإسلام لحفظ السنة النبوية، تشهد بجدية المسلمين في حفظ مصادر دينهم وعدم قبول أي شيء دون توثيق وتدقيق.

براهين ربانية القرآن

أما دلائل ربانية القرآن الكريم وبراهين كونه من عند الله تعالى فكثيرة ومتنوعة ومتضافرة. من إعجازه البياني الذي تحدى به العرب - وهم أهل الفصاحة والبلاغة - أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة واحدة مثله، فعجزوا عن ذلك رغم شدة عداوتهم له وحرصهم على إبطال دعوته.

ومن إخباره بالغيوب - غيوب الماضي وغيوب المستقبل - بدقة عجيبة تشهد أنه من عند من يعلم ما كان وما يكون. ومن اتساقه التام الكامل رغم طول فترة نزوله التي امتدت ثلاثًا وعشرين سنة، ورغم تنوع المواضيع التي تناولها، ورغم اختلاف الظروف والأحوال التي نزلت فيه آياته، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

ومن تأثيره العميق في النفوس والقلوب، حتى أن أعداءه كانوا يبكون عند سماعه، ويشهدون بعظمته وقوة تأثيره رغم عنادهم. ومن إعجازه العلمي حيث أشار إلى حقائق كونية لم تُكتشف إلا في العصر الحديث. ومن عدالة تشريعاته وحكمة أحكامه التي تحقق مصالح الناس في الدنيا والآخرة.

وغير ذلك من البراهين الساطعة والأدلة القاطعة التي تملأ القلب يقينًا بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون إلا كلام الله رب العالمين. وليس هذا موطن التفصيل في هذه البراهين، وقد أفردنا لها مقالات خاصة في هذا الموقع تتناولها بالشرح الوافي والبيان الكافي، فمن أراد الاستزادة والتعمق فليرجع إليها، وسيجد ما يكفي لإقناع كل منصف طالب للحق بأن هذا القرآن لا يمكن - منطقًا وعقلًا وواقعًا - أن يكون إلا وحيًا من عند الله تعالى.

خاتمة: المرجع الأوحد لحقوق المرأة

إن ما سبق يقودنا - بالمنطق والعقل والواقع - إلى حقيقة لا مناص من الإقرار بها: القرآن الكريم هو الوحي الإلهي الوحيد المحفوظ من التحريف والتبديل، الواضح في دلالته ومعانيه، الباقي بلغته الأصلية التي نزل بها، المحفوظ في سياقه وتفسيره وأسباب نزوله. وهذا كله يجعله المرجع الأول والأخير والأوحد لمعرفة مراد الله تعالى من خلقه، ولفهم الحقوق والواجبات التي شرعها لهم بعلمه وحكمته.

وفي قضية المرأة خاصة، يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة لا يمكن التهاون فيها. فالمرأة التي عانت عبر التاريخ الطويل من الظلم والإجحاف، ولا تزال تعاني في كثير من المجتمعات - حتى في المجتمعات التي تدّعي التقدم والحضارة - من العنت والاضطهاد والاستغلال، تحتاج إلى مرجع ثابت موثوق راسخ تستمد منه حقوقها الحقيقية.

مرجع لا يخضع لأهواء الرجال المتقلبة، ولا لتقلبات المجتمعات المتغيرة، ولا لتوازنات القوى السياسية والاقتصادية المتبدلة. مرجع يضمن لها كرامتها الإنسانية الكاملة، ويحفظ لها حقوقها الشرعية جميعها، ويراعي طبيعتها وفطرتها التي خلقها الله عليها، ويحقق سعادتها الحقيقية في الدنيا والآخرة.

هذا المرجع هو القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ المبينة له. ففيهما نجد نظامًا متكاملاً محكمًا لحقوق المرأة وواجباتها، نظامًا ينبع من حكمة الخالق العليم بخلقه، الخبير بما يصلحهم، الرحيم بهم، العادل فيما شرع لهم.