· · 4 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

وهم التقدم المطلق: الخلط بين التقني والقيمي

Article Summary

يتوهم البعض - أو يُراد لهم أن يتوهموا - أن الزمن المتأخر يعني بالضرورة التقدم في كل شيء، وأن ما يسود اليوم من أفكار وقيم ومفاهيم هو بالضرورة أرقى وأصح مما سبقه في العصور الماضية. وهذا وهم خطير تكذّبه الوقائع بوضوح ساطع، ويقع في صميم ما يُعرف بمغالطة الجِدَة المنطقية، حيث يُظن خطأً أن الجديد أفضل وأصوب لمجرد كونه جديدًا، وأن القديم متخلف وخاطئ لمجرد كونه قديمًا. وكأن الزمن وحده هو معيار الحق والباطل، والتاريخ وحده هو ميزان الصواب والخطأ.

الحقيقة التي يجب أن ندركها بوضوح: إن التقدم التقني والمادي - الذي حققته البشرية في العصور المتأخرة - لا يعني بالضرورة التقدم الأخلاقي والقيمي والإيماني، بل قد يصاحبه - وقد صاحبه فعلاً - انحطاط قيمي خطير، وانحدار أخلاقي فاضح، وضياع روحي مدمر.

انظر إلى القرن العشرين، القرن الذي يُسمّى قرن التقدم العلمي والتقني المذهل، كيف شهد أبشع المجازر الجماعية وأفظع الحروب المدمرة في تاريخ البشرية كلِّه. انظر كيف استُخدمت منجزات العلم والتطورات التقنية في إبادة الملايين في أفران الغاز، وكيف وُظّفت التقنية الحديثة في قصف المدن الآمنة بالقنابل النووية التي أبادت مئات الآلاف في لحظات. فأي تقدم هذا الذي ينتج عنه هذا الدمار الشامل؟ وأي رقي هذا الذي يقود إلى هذه الوحشية الفاجعة؟

وانظر إلى واقع المجتمعات المعاصرة التي تدّعي التقدم والحضارة: تفكك أسري مريع، وضياع نفسي فاضح، ومعدلات انتحار مرتفعة، وأمراض نفسية منتشرة، وفراغ روحي قاتل. فأين التقدم الحقيقي في هذا كله؟

إن الحقّ حقّ ولو كان قديمًا في الزمان، والباطل باطل ولو كان حديثًا في الأوان. والعبرة ليست بزمن الفكرة، بل بموافقتها للحق. وأحكام الله التي نزلت قبل أربعة عشر قرنًا أصلح للبشرية وأنفع للإنسانية من كل ما ابتدعه البشر من نظريات فلسفية ومذاهب فكرية، لأنها من عند الخالق العليم الخبير بما يصلح السلوك الإنساني ويسعد النفس البشرية في كل زمان ومكان.

الحق لا يُعرف بالكثرة ولا بالشيوع

القرآن الكريم يعلّمنا درسًا بليغًا عظيمًا يجب أن نعيه جيدًا: الحق لا يُعرف بالكثرة ولا يُحدد بالأغلبية، والصواب لا يُقاس بالشيوع ولا بالانتشار. قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].

فكون فكرة ما سائدة في العالم لا يجعلها صحيحة، وكون ممارسة ما منتشرة بين الناس لا يجعلها مشروعة. التاريخ مليء بأمثلة لأفكار وممارسات كانت سائدة في عصور معينة، ثم تبيّن فسادها وبطلانها. العبودية كانت سائدة ومقبولة في معظم المجتمعات، ثم أدرك الناس ظلمها. التمييز العنصري كان مقبولاً ومبررًا، ثم أدركوا بشاعته. وكثير مما يُعتبر اليوم "قيمًا عالمية" قد يكتشف الناس بعد عقود فساده وبطلانه.

المعيار الحقيقي للحق والباطل ليس ما يقوله الأكثرون، بل ما أنزله الله تعالى. والمقياس الصحيح للصواب والخطأ ليس ما تستقر عليه الثقافة السائدة، بل ما جاء به الوحي الإلهي.

الإسلام جاء ليُصلح لا ليُساير

عندما نتأمل بإنصاف في طبيعة الرسالة الإسلامية ومنهجها، نجد أنها لم تأت لتكون مجرد انعكاس للواقع الذي نزلت فيه، أو مجرد تسجيل لما كان عليه الناس من أفكار وممارسات، بل جاءت لتصحح مسار البشرية الضال وترشدها إلى الطريق القويم المستقيم.

فالإسلام لم ينزل ليقرّ الناس على ما هم عليه من أفكار وعادات وتقاليد، بل ليرتقي بهم إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه من الإيمان الصحيح والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة.

هذا المنهج الإصلاحي شمل المفاهيم والتصورات الأساسية عن الحياة والكون والإنسان. فبدلًا من الخضوع للأعراف القبلية الجاهلية، أسس الإسلام مبدأ المساواة الكاملة أمام الله. وبدلًا من التعصب الأعمى للقبيلة أو العرق أو اللون، أقام الأخوة الإيمانية التي تتجاوز كل الحواجز. وبدلًا من الثأر الجاهلي والانتقام الذي لا ينتهي، شرع القصاص العادل والعفو الكريم.

والحق أن الإسلام لو جاء مجرد صدى للواقع الذي نزل فيه، لانتفت الحاجة إليه من الأساس. فما حاجة البشرية إلى وحي من السماء إذا كان سيقول للبشرية ما قالته لنفسها؟ وما ضرورة الرسالة الإلهية إذا كانت ستكرر ما استقر عليه الناس من عادات وتقاليد وأفكار؟ وما فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب إذا كانت ستوافق الواقع البشري المنحرف بدلاً من تصحيحه؟

خطورة تطويع الدين للواقع

والأمر الذي يغفل عنه كثيرون - أو يتغافلون عنه عمدًا - أن خطورة تطويع الدين للواقع لا تكمن فقط في اتباع الباطل واتخاذه منهجًا، بل تكمن في نسبة هذا الباطل إلى الله تعالى وجعله دينًا. فحين يحاول البعض إلباس الأعراف السائدة أو الأفكار المهيمنة ثوب الشرعية الدينية، ويبحثون في النصوص عن تأويلات ملتوية تبرر الواقع المنحرف، فإنهم يرتكبون جريمة مزدوجة خطيرة: تحريف الدين من جهة، وتضليل الناس من جهة أخرى.

وهذا أشد خطرًا بكثير من الانحراف الصريح الواضح، لأن الانحراف الصريح يُعرف ويُميّز ويُحذر منه، أما التحريف المُقنّع بالدين والمُغلّف بالتأويلات الباطلة فيلتبس على الناس ويُضلهم عن سواء السبيل، ويجعلهم يظنون أنهم يتبعون الدين وهم في الحقيقة يتبعون أهواء البشر المتقلبة.

معايير الحق والباطل ثابتة لا تتغير

إن معايير الحق والباطل في الإسلام ليست خاضعة لتصويت البشر أو موافقة الأكثرية أو رضا الثقافة السائدة. فالزنا حرام عند الله ولو أباحته كل دساتير العالم وشرّعته كل قوانينه. والربا حرام عند الله ولو مارسته كل البنوك في الأرض وبنت عليه اقتصادها. والخمر حرام عند الله ولو شربها كل الناس واعتبروها جزءًا من حضارتهم. والحجاب واجب على المسلمة ولو تركته أكثر النساء واستنكرته الثقافة السائدة.

هذه أحكام الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يفسده، ويعلم ما ينفعه وما يضره. وإذا قابلنا بين أحكامه سبحانه وأحكام البشر، لاقتضى العقل السليم أن تُقدَّم أحكامه وتُتبع شريعته؛ وذلك لأنه الأعلم بخلقه، الأخبر بطبائعهم وفطرتهم، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].

فهل يُعقل - بعد هذا - أن نترك حكم الخالق العليم الحكيم الخبير، ونتبع أهواء المخلوقين الجاهلين القاصرين؟ هل نترك الدواء الذي وصفه الطبيب الحاذق الخبير، ونأخذ بنصيحة الجهلاء لمجرد أنهم أكثر عددًا أو أعلى صوتًا أو أقوى نفوذًا؟

الثوابت والمتغيرات في الشريعة

نعم، في الإسلام مساحة واسعة للاجتهاد والمرونة، لكن في دائرة المتغيرات لا الثوابت، في الفروع لا في الأصول. الوسائل قد تتغير بحسب الزمان والمكان، لكن المقاصد ثابتة. هناك أحكام اجتهادية مرتبطة بالعُرف والمصلحة، وهذه لها مرونتها واجتهادها. لكن هناك أحكام قطعية ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، لأنها مبنية على نصوص صريحة قاطعة، ومتعلقة بأمور ثابتة في الطبيعة البشرية.

فالأمور التي تتعلق بالعقيدة والعبادات والأخلاق الأساسية والحدود والحقوق الكبرى، هذه ثوابت لا تتغير. أما الأمور التفصيلية في المعاملات وبعض العادات، فهذه لها مرونتها ضمن الضوابط الشرعية.