محاولات تطويع الإسلام: انكشاف الانهزامية النفسية
Article Summary
الحقيقة المُرّة التي يجب أن تُقال بوضوح وصراحة: هؤلاء الذين يسعون بكل جهدهم لتطويع الإسلام وأحكامه ليوافق الثقافة الغربية السائدة ليسوا إلا منهزمين نفسيًا أمام القوة المهيمنة، أيًّا كانت هذه القوة وأينما كانت. فهم لا يتبعون الحق لذاته، ولا يبحثون عن الصواب بإنصاف، بل يتبعون القوة الثقافية والسياسية أينما اتجهت، ويدورون في فلك المهيمن أينما دار.
لو كانت الهيمنة الثقافية والسياسية العالمية اليوم للصين وحضارتها، لرأيت هؤلاء المنهزمين أنفسهم يبحثون في النصوص الإسلامية عما يوافق الفلسفة الصينية ويساير المفاهيم الصينية. ولو كانت القوة والهيمنة للهند وثقافتها، لأوّلوا الآيات والأحاديث لتناسب المعتقدات الهندوسية والمفاهيم الهندية. ولو عادت القوة والهيمنة للمسلمين - بإذن الله - لكان هؤلاء المتلونون أنفسهم أول المنادين بتطبيق الشريعة كما أنزلها الله، وأول المدافعين عن الأحكام التي يهاجمونها اليوم.
تخيّل معي هذا المشهد: لو أن المشاهير العالميين الذين تُصاغ عبرهم المفاهيم وتُبنى القيم - من لاعبين رياضيين وممثلين ومغنين ومفكرين - بدؤوا يُظهرون التزامًا واضحًا بالشعائر الإسلامية ويفتخرون بها علنًا، لرأيت هؤلاء المنهزمين أنفسهم، الذين يخجلون اليوم من الحديث عن الحجاب أو الصلاة أو أحكام الشريعة، يتسابقون فجأة لإظهار "إسلامهم" و"التزامهم" و"تدينهم". لأن القضية عندهم في الحقيقة ليست قضية قناعة بالحق أو بحث عن الصواب، بل قضية انبهار أعمى بالقوة وخضوع ذليل للمهيمن.
هؤلاء كالريشة الخفيفة في مهب الريح العاتية، تميل حيث تميل الرياح، وتتحرك حيث تدفعها الرياح. لا مبدأ ثابت عندهم يرجعون إليه، ولا قناعة راسخة لديهم يبنون عليها. عبيد للقوة الثقافية والمادية والإعلامية، يسجدون لها خاضعين أينما كانت وحيثما تحركت. يغيّرون قناعاتهم - إن كانت لهم قناعات أصلاً - مع تغيّر موازين القوى، ويبدّلون مواقفهم حسب اتجاه الريح السياسية والثقافية.
اليوم يهاجمون تعدد الزوجات بضراوة لأن الغرب المهيمن يستنكره ويحاربه، وغدًا قد يدافعون عنه بحماس إذا صار موضة غربية أو ممارسة منتشرة في المجتمعات الغربية. اليوم يتحرجون من الحدود الشرعية ويصفونها بالوحشية، وغدًا قد يبررونها ويمدحونها إذا طبّقها الأقوياء المهيمنون. اليوم يستنكرون الحجاب ويصفونه بالتخلف، وغدًا قد يمدحونه إذا صار رمزًا للأناقة في عواصم الموضة الغربية.
إن العبودية الحقيقية المهينة ليست أن يُستعبد جسدك فتصير أسيرًا، بل أن يُستعبد عقلك وضميرك وقناعاتك فتصير تابعًا ذليلًا. وهؤلاء عبيد بكل ما تحمله الكلمة من معنى الذل والخضوع، لكنهم عبيد للبشر الأقوياء لا لله الخالق. يخضعون للثقافة المهيمنة خضوعًا ذليلًا مهينًا، ثم يحاولون إلباس خضوعهم وانهزامهم ثوب الاجتهاد والتجديد والتنوير.
والمؤسف حقًا أنهم يظنون أنفسهم أحرارًا متنورين مستقلين، وما هم في الحقيقة إلا أسرى للهيمنة الثقافية، عبيد للقوة الإعلامية، يرددون ما يُملى عليهم من أفكار ظانين أنه من بنات أفكارهم، ويتبنون ما يُلقّنون إياه من مفاهيم حاسبين أنهم توصلوا إليه باجتهادهم.