· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

العبودية لله: تحرير الإنسان من قيود الهوى والتبعية

Article Summary

من أعجب المفارقات التي يجب أن نتوقّف عندها طويلًا أن كثيرين يظنون الحرية في اتباع الشهوات والانسياق وراء الرغبات، أو في السير الأعمى مع التيار السائد دون تفكير أو تمييز، والحقيقة أن كلا الأمرين عبودية مقنّعة، بل عبودية أشد وأذل.

فالإنسان الذي يتّبع ما شاع في المجتمع من مفاهيم خاطئة تعتبر الشريعة الربانية "قيودًا" و"تخلفًا" و"رجعية"، ليس حرًا كما يظن نفسه أو كما يُصوَّر له، بل هو في الحقيقة أسير للثقافة السائدة، عبد للرأي العام، يسبح مع التيار كالسمكة الميتة التي لا إرادة لها. أما الحرية الحقيقية فهي أن تختار الحق والعدل ولو وقفت وحدك ضد العالم كله، كالسمكة الحية القوية التي تختار مسارها بنفسها ولو كان عكس اتجاه التيار.

الذي يدّعي أنه يريد الحق والعدل والمصلحة، ثم يتّبع في الواقع ما تشتهيه نفسه أو ما يرضي الناس أو ما يوافق الثقافة المهيمنة، واقع في تناقض صارخ فاضح. فالشهوة عمياء لا تميّز بين حق وباطل ولا بين نافع وضار، والجموع قد تضل كما تهتدي وقد تنحرف كما تستقيم، والثقافة السائدة قد تكون باطلة منحرفة مهما بدت براقة جذابة.

قد تقوده شهوته إلى الظلم والجور وهو يظن أنه يحقّق العدل والإنصاف، وقد يجرّه التيار إلى الباطل والضلال وهو يحسب أنه متحضر ومتقدم ومتنور.

انظر إلى من يسخر من أحكام الميراث الإلهية أو من الحجاب الشرعي إرضاءً للموضة الفكرية السائدة ومسايرة للثقافة المهيمنة، هل هو حر حقًا في قراره وموقفه؟ كلا والله، بل هو عبد ذليل للرأي العام، أسير للثقافة السائدة، يخشى أن يوصف بالرجعية أو التخلف فيتنازل عن قناعاته - إن كانت له قناعات حقيقية أصلاً.

الحر الحقيقي هو من يقف شامخًا ويقول بكل ثقة وعزة: هذا حكم الله الذي أنزله على نبيه، أؤمن به وأعتز به وأفتخر به، سواء رضي الناس أم سخطوا، وافقت الثقافة السائدة أم خالفت، اتفق مع الموضة الفكرية أم اختلف.

إن اتباع الموضات الفكرية العابرة والانسياق الأعمى وراء ما يُسمّى "القيم العالمية" ليس حرية كما يُصوَّر ويُزيَّن، بل تبعية ذليلة وعبودية مهينة. الحرية الحقيقية أن تملك مرجعية ثابتة راسخة لا تتغير مع تغير الرياح السياسية والثقافية. الحرية أن تعرف الحق وتتبعه ولو كنت وحدك في العالم كله. الحرية أن تخضع لخالقك وحده فتتحرر من الخضوع الذليل لكل ما سواه من بشر ومخلوقات.

العبودية لله إذن هي قمة الحرية الحقيقية، لأنها تحرر الإنسان من سجن الهوى والشهوة، ومن ذل التبعية للبشر والخضوع لهم، ومن الانسياق الأعمى وراء الثقافات المتقلبة والمفاهيم المتغيرة. والمؤمن حين يقول لحكم الله "سمعنا وأطعنا" إنما يعلن بفخر واعتزاز تحرره الكامل من كل طاغوت، ويثبت أنه يملك من الشجاعة والاستقلالية ما يجعله يقف مع الحق الثابت ولو وقف العالم كله ضده.

خاتمة: المرأة المسلمة أمام مفترق الطرق

إن ما تقدم من حقائق وبراهين يضعنا - معشر المسلمين - أمام حقيقة واضحة لا مفر من مواجهتها بصدق وشجاعة: الإسلام لم يأت ليكون تابعًا ذليلًا للواقع البشري المتقلب المتغير، بل جاء ليكون القائد والمصحح والمرشد والهادي. وكل محاولة لقلب هذه المعادلة الصحيحة - بجعل الواقع الفاسد حاكمًا على الشرع الحكيم بدلاً من العكس - هي محاولة خبيثة لإفراغ الدين من جوهره الحقيقي وتجريده من قوته الإصلاحية الجذرية.

لقد رأينا بوضوح كيف أن الحق لا يُعرف بالكثرة ولا يُحدد بالشيوع، وكيف أن التقدم الزمني والتقني لا يعني بالضرورة التقدم القيمي والأخلاقي، وكيف أن الإسلام جاء ليغيّر الواقع الفاسد المنحرف لا ليباركه ويقرّه. ورأينا بجلاء كيف أن الذين يحاولون تطويع الدين ليوافق الثقافة السائدة ليسوا إلا منهزمين نفسيًا أمام القوة المهيمنة، يتلونون بلونها ويدورون في فلكها كالعبيد الأذلاء.

والحق أن المرأة المسلمة اليوم - ونحن في سياق التأصيل الشرعي لمكانة المرأة في الإسلام وبيان أن شريعة الله هي الأصلح لها في دينها ودنياها وآخرتها - تقف أمام مفترق طرق خطير لا بد من الاختيار فيه:

إما أن تختار طريق العزة بدينها والكرامة بشريعتها، فتتمسك بأحكام ربها وتعتز بها وتفتخر بها مهما قيل عنها من طعن وتشويه، ومهما وُصفت به من رجعية وتخلف.

وإما أن تختار طريق الانهزام المهين والذوبان المخزي، فتتنازل عن هويتها الإسلامية قطعة قطعة، وعن أحكام دينها حكمًا بعد حكم، إرضاءً لثقافة غربية اكتسبت بريقًا زائفًا بالقوة المادية والهيمنة الإعلامية، بريق لا يلبث أن يسقط ويتلاشى كما سقط وتلاشى في السابق بريق ثقافات أخرى كانت مهيمنة فزالت وانقضت.

والخيار واضح لمن أراد أن يرى، والطريق بيّن لمن أراد أن يسلك. والمرأة المسلمة العاقلة تعلم أن عزتها الحقيقية في دينها، وأن كرامتها الثابتة في شريعتها، وأن سعادتها الدائمة في طاعة ربها.