· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الهيمنة الثقافية وازدواجية المعايير الفاضحة

Article Summary

في عصرنا الحاضر، تهيمن ثقافة معينة - هي الثقافة الغربية - على أدوات تشكيل الوعي العالمي هيمنة شبه كاملة: من صناعة الأفلام والمسلسلات، إلى الإعلام بكل أشكاله، إلى المناهج التعليمية، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومنصاتها الكبرى. هذه الثقافة تقدّم منظومة قيمية محددة تعتبر - مثلًا - الحرية الفردية المطلقة والمساواة التامة بين الجنسين في كل شيء معايير أساسية مقدسة للحكم على كل شيء آخر.

من يتشرّب هذه المفاهيم ويتأثر بهذه الثقافة - دون أن يدرك أحيانًا - ينظر حتمًا إلى أحكام الإسلام من خلالها، فيرى في القوامة ظلمًا صارخًا للمرأة، وفي التمايز في بعض الأحكام إجحافًا فاضحًا وتمييزًا عنصريًا. لكن الملاحظ البيّن أن هذه النظرة "المبدئية" المزعومة تتسم بانتقائية واضحة وازدواجية معايير فاضحة.

فمثلاً، التمايز في الأدوار والمسؤوليات بين الرجل والمرأة في الإسلام يُعتبر "تمييزًا" و"ظلمًا" و"انتهاكًا لحقوق الإنسان"، بينما التمايز الوظيفي الهرمي في الشركات والمؤسسات - حيث يكون شخص مديرًا وآخر موظفًا، وأحدهم يأمر والآخر يطيع - يُعتبر "ضرورة إدارية" و"تنظيمًا منطقيًا" ولا يعترض عليه أحد.

والطاعة في إطار الأسرة - عندما تُطيع المرأة زوجها في المعروف - تُرى "إذلالًا" و"عبودية" و"انتقاصًا من الكرامة الإنسانية"، بينما الطاعة في بيئة العمل الحكومي والأهلي، حيث يطيع الموظف مديره والعامل رئيسه، تُسمى "انضباطًا مهنيًا" و"احترامًا للتسلسل الإداري"، مع أن كليهما - الزواج والعمل - يدخله المرء باختياره الحرّ، وفي كليهما تفاوت طبيعي في الأدوار والمسؤوليات!

الرياضة مثال آخر على هذه الازدواجية: تُقام بطولات منفصلة تمامًا للرجال والنساء في معظم الألعاب الرياضية، بل إن مجرد اقتراح دمج المنافسات يُعتبر سخرية، ولا أحد يعتبر ذلك ظلمًا أو تمييزًا، بل يُبرر ذلك بالفروق الجسدية والبدنية الواضحة بين الجنسين. لكن عندما يراعي الإسلام هذه الفروق الجسدية والنفسية والفطرية نفسها في بعض الأحكام الشرعية، يُطعن فيه بشدة ويُتهم بالتمييز والظلم!

حتى في قضية اللباس نجد هذه الازدواجية العجيبة: المؤسسات الغربية الحكومية والخاصة تفرض قواعد صارمة واضحة للباس "المهني" أو "الرسمي"، وتمنع أنواعًا معينة من الألبسة في أماكن معينة، وهذا مقبول تمامًا عندهم ولا يعترض عليه أحد ولا يُعتبر "تقييدًا للحرية الشخصية". لكن عندما يضع الإسلام ضوابط وآدابًا للباس تراعي الحشمة والعفة، يُعتبر ذلك "تقييدًا للحرية" و"قمعًا" و"انتهاكًا لحقوق المرأة"!

هذه الأمثلة الواضحة - وغيرها كثير - تشير بجلاء إلى أن المعايير المستخدمة في الحكم على الأحكام الإسلامية ليست ثابتة موضوعية منصفة، بل انتقائية متحيزة مزدوجة. الأمر لا يتعلق إذن بمبادئ مطلقة ثابتة حول المساواة أو الحرية أو العدالة، بل يتعلق بالعدسة الثقافية المتحيزة التي يُنظر من خلالها إلى هذه القضايا. عدسة تجعل القيود والضوابط التي تأتي من ثقافة معينة مهيمنة "أمرًا طبيعيًا ومنطقيًا ومقبولًا"، والقيود والضوابط التي يأتي بها الإسلام "أمرًا إشكاليًا ومتخلفًا ومرفوضًا"!