ضرورة التجرد والموضوعية: منهج للوصول إلى الحق
Article Summary
لكي نفهم أحكام الله تعالى حق الفهم، ولكي ننصف الشريعة الإسلامية ونحكم عليها حكمًا عادلاً، لا بد من محاولة جادة صادقة للتجرد من المسبقات الثقافية والتصورات المسبقة التي تحجب الرؤية الصحيحة وتشوه الحكم السليم.
وهذا التجرد ليس سهلًا ميسورًا، فالإنسان – إلى حدّ كبير - نتاج بيئته وثقافته شاء ذلك أم أبى، والتحرر من هذا التأثير يحتاج جهدًا نفسيًا وعقليًا كبيرًا. لكنه ممكن بدرجات متفاوتة، وضروري لازم لمن يريد بصدق الوصول إلى الحق والحكم بإنصاف. ومما يجب مراعاته في هذا السبيل ما يلي:
أولاً: الوعي بالتأثر الثقافي
معظم الناس يعيشون في وهم الموضوعية المطلقة، يظنون أن آراءهم ومواقفهم وأحكامهم نتاج تفكير حرّ مستقلّ ناضج، بينما هي في الحقيقة ليست إلا انعكاسًا وصدى لما تشربوه - بوعي أو بغير وعي - من الإعلام الغربي والثقافة المهيمنة، سواء بشكل مباشر عبر متابعة وسائلهم، أو بشكل غير مباشر عبر من تأثر بهم من أبناء جلدتنا.
هل فكّرت يومًا بجدية في احتمال أن تكون بعض مفاهيمك الراسخة عن العدل والحرية والتقدم والمساواة، مجرد نتاج للثقافة الغالبة المهيمنة اليوم؟ وأن هذه المفاهيم نفسها لو كانت الغلبة والهيمنة لثقافة غيرها، لكنت ترى تلك المفاهيم ذاتها متخلفة وهمجية وظالمة؟
هذا الوعي مؤلم بلا شك؛ لأنه يهز الثوابت التي اعتدت عليها، ويطلب منك إعادة تشكيل فكرك على غير الأفكار الشائعة والغالبة، تلك الأفكار التي يوصم من خالفها بالألفاظ المنفرة والأوصاف القبيحة. لكنه مع ذلك ضروري لازم للتحرر من الأوهام والوصول إلى الحق.
كالمريض الذي لا يمكن علاجه وشفاؤه حتى يعترف بمرضه أولًا، كذلك لا يمكن التحرر الفكري الحقيقي من الهيمنة الثقافية دون الاعتراف أولاً بالوقوع تحت تأثيرها.
ثانيًا: التساؤل النقدي عن المسلمات
بعد الوعي بوقوعنا تحت تأثير الثقافة السائدة، تأتي مرحلة أهم وأصعب: فحص المسلّمات والبديهيات التي نحملها، والتساؤل النقدي الجاد عنها.
لماذا المساواة المطلقة التامة بين الجنسين في كل شيء هي العدل؟ من قال ذلك؟ بناءً على أي أساس منطقي أو علمي؟ هل العدل يعني المساواة التامة أم إعطاء كل ذي حق حقه بما يناسبه؟
وهل الحرية الفردية المطلقة قيمة عليا فوق كل اعتبار، أم أن الحقّ والعدل والمصلحة العامة قيم أعلى منها؟ وإذا كان الحق والعدل قيمتين عليا، فما هو مفهوم الحرية الذي يتسق معهما ولا يتناقض؟
وخذ مثالًا آخر على مسلَّمة ثقافية تحتاج نظرة فاحصة ناقدة، ألا وهي قضية "حقوق الإنسان" المعاصرة. فهي تقدَّم اليوم كمسلّمة مقدسة وعدلٍ مطلق لا نقاش فيه ولا جدال. ولكن من حقّنا - بل من واجبنا - أن نسأل ونناقش بما أن واضعي هذه الحقوق بشر أمثالنا:
من وضع هذه الحقوق بالضبط؟ ومن الذي أعطاهم السلطة والحق في أن يفرضوا على غيرهم من البشر - أمثالهم في البشرية - ما يجب عليهم وما لا يجب؟ ولماذا هذه الحقوق بالذات وليست غيرها؟ ولماذا بهذه الصياغة وليس بصياغة أخرى؟ هل لأن هذه الصياغة تصب في مصلحة هيمنتهم السياسية والثقافية والاقتصادية؟
هذه أسئلة مشروعة، بل ضرورية يجب طرحها بجرأة، لا لشيء إلا لوضع الأفكار البشرية في منزلتها اللائقة بها بعد الفرز والتمييز؛ فلا يصح أبدًا أن تعامل الأفكار البشرية والقوانين الوضعية معاملة العقائد الدينية والأحكام الشرعية الإلهية، كما لا يصح أن توضع المصادر البشرية في مرتبة المصادر الإلهية.
ثالثًا: فهم المنظور الإسلامي الشامل
لا يمكن فهم الأحكام الإسلامية فهمًا صحيحًا سليمًا بمعزل عن الرؤية الكلية الشاملة التي ينطلق منها الإسلام. هذه الرؤية تتضمن حقائق أساسية كبرى تشكّل الإطار الذي تُفهم من خلاله كل الأحكام التفصيلية، وإليك أبرز هذه الحقائق:
الحياة الآخرة: الإسلام يؤكد بوضوح تام أن هذه الحياة الدنيا ليست النهاية ولا الغاية، بل هي دار عبور ومحطة اختبار وامتحان، والحياة الحقيقية الدائمة الأبدية هي حياة الآخرة. فالأحكام الشرعية لا تهدف فقط لتحقيق السعادة الدنيوية الآنية، بل تهدف أولًا وبالذات لتحقيق السعادة الأخروية الأبدية. فقد يبدو حكم شرعي ما "قاسيًا" أو "مقيدًا" بمعايير الدنيا الضيقة، لكنه رحمة عظيمة إذا نظرنا إلى العواقب الأخروية الأبدية.
الامتحان والابتلاء: الدنيا دار اختبار وامتحان، والشهوات والمغريات والرغبات جزء أساسي من هذا الاختبار؛ فالإسلام لا يسعى لتحقيق أقصى متعة ممكنة للإنسان في الدنيا، بل يسعى لتحقيق التوازن الحكيم بين ما يريده الله من عبده وبين غريزة الإنسان وفطرته، بين اللذة العاجلة الزائلة والسعادة الآجلة الباقية. كذلك هذا الابتلاء للتمييز بين الصادق والكاذب في طلب مرضاة الله.
الحق فوق الهوى: الإسلام يقدّم الحق والعدل الإلهي على ما تشتهيه النفوس وتهواه. فليس كل ما يرغبه الإنسان خيرًا له ونافعًا، وليس كل ما يكرهه شرًا له وضارًا. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
التكامل لا التنافس: الإسلام يرى العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل وتعاون وتناصر، لا علاقة تنافس وصراع وحرب. فالاختلاف والتمايز في بعض الأحكام الشرعية بينهما إنما هو مراعاةٌ حكيمة لطبيعة كل منهما وفطرته ودوره في منظومة الحياة المتكاملة. وسيأتي لهذا تفصيل وافٍ في المقالات القادمة بإذن الله.
إن من ينظر إلى الأحكام الإسلامية دون استحضار هذا السياق الشامل والإطار الكلي، كمن يحكم على لوحة فنية عظيمة بالنظر إلى جزء صغير منها فقط دون رؤية الصورة الكاملة. لا يمكن فهم الصورة الكاملة وإدراك جمالها وتناسقها إلا بالنظر إلى كل أجزائها في سياقها الشامل.
فحين ينظر الناظر إلى حكم الميراث وحده منفردًا، لن يُفهم فهمًا صحيحًا دون النظر في نظام النفقات الشامل في الإسلام وتوزيع المسؤوليات المالية. والحجاب لن يُفهم حكمته إذا نُظر إليه بمعزل عن المنظومة الأخلاقية الشاملة التي يقيمها الإسلام. والحدود الشرعية لن تُفهم حكمتها ورحمتها إذا لم تُستحضر منظومة العدالة والرحمة والزجر والردع في الإسلام.
خاتمة: طريق الوصول إلى الحق
ما تقدم في هذه المقالة يقودنا إلى نتيجة محورية أساسية: فهم الإسلام وأحكامه فهمًا صحيحًا سليمًا منصفًا يتطلب قدرًا كبيرًا من التجرد الجاد من التأثيرات الثقافية التي تشكّل وعينا ونظرتنا دون أن ندرك ذلك أو نشعر به.
فنحن جميعًا - شئنا ذلك أم أبينا، اعترفنا به أم أنكرناه - نتلقى منذ الصغر سيلًا متدفقًا من المفاهيم والقيم والأفكار عبر التعليم والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى تصبح هذه المفاهيم جزءًا لا يتجزأ من تكويننا الفكري والنفسي، نراها "طبيعية" و"بديهية" و"منطقية"، وننسى أنها مجرد نتاج ثقافة معينة في زمن معين من تاريخ البشرية.
هذا التشكيل الثقافي - أو ما يمكن تسميته بالقوة الناعمة الخفية - يؤثر بعمق شديد في كيفية فهمنا للأحكام الشرعية وتقييمنا لها. فمن تشرّب مفاهيم معينة عن الحرية المطلقة والمساواة التامة والاستقلالية الفردية، سينظر حتمًا إلى أحكام الإسلام من خلال هذه المفاهيم المسبقة، وقد يرى فيها ما يتعارض مع "القيم الإنسانية" كما يفهمها هو، دون أن يدرك أن فهمه لهذه القيم نفسها نسبي محدود ومتأثر بثقافة محددة وليس مطلقًا ولا موضوعيًا.
والحق أن التجرد من هذه المؤثرات الثقافية العميقة صعب عسير، يحتاج إلى جهد فكري ونفسي كبير، وإلى شجاعة أدبية نادرة. فالإنسان بطبيعته يميل إلى ما ألِفه واعتاد عليه، ويستصعب مراجعة قناعاته الراسخة وإعادة النظر فيها، خاصة إذا كانت هذه القناعات تشكِّل عقلية الجموع الغالبة التي قد يجد المرء في مخالفتها عنتًا ومشقة واتهامات.
ولكن من يريد بصدق الوصول إلى الحق، ومن يسعى حقًا لفهم دين الله فهمًا صحيحًا منصفًا، لا بد أن يبذل هذا الجهد الكبير، مع الاستعانة الدائمة بالله تعالى الذي يهدي من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم.