الحقيقة الثانية: التكليف الشرعي بين العموم والخصوص
Article Summary
المرأة في الإسلام مكلفة شرعًا كالرجل تمامًا، مخاطبة بالإيمان بالله وعبادته، مأمورة بأقوال وأعمال محددة واضحة، ومنهية عن أقوالٍ وأعمال أخرى، مسؤولة مباشرة أمام الله تعالى عن جميع أعمالها وأقوالها، محاسبة على كل صغيرة وكبيرة.
يقول تعالى في بيان هذا الأصل العظيم: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. فالآية واضحة في أن الذكر والأنثى متساويان في التكليف والمسؤولية والجزاء على العمل الصالح.
ولكن، مع هذا الأصل المشترك العظيم، شرع الله تعالى بحكمته تكاليف تخصّ كلًا من الجنسين بحسب طبيعته وقدراته ودوره في الحياة. فالرجل يحمل تكاليف شرعية لا تُطالب بها المرأة: كوجوب حضور صلاة الجماعة في المسجد، ووجوب الجهاد في سبيل الله عند النداء العام، ووجوب الإنفاق على الزوجة والأولاد، ووجوب دفع المهر عند الزواج، وتحمل المسؤوليات القيادية في الأسرة والمجتمع.
وفي المقابل، للمرأة تكاليف وأحكام تخصها بحسب طبيعتها: الحجاب الشرعي عند الأجانب من الرجال، والقرار في البيت إلا لحاجة مشروعة، وأحكام خاصة في العدة والحيض والنفاس، وأحكام تتعلق بالحمل والرضاعة والأمومة.
والحقيقة المهمة التي يجب فهمها بوضوح: الرجل لم يُعف من التكاليف الخاصة بالمرأة لأنه أكرم عند الله، والمرأة لم تُعف من التكاليف الخاصة بالرجل لأنها أقل منه قدرًا أو منزلة. بل الأمر مرتبط بالحكمة الإلهية البالغة التي راعت طبيعة كل منهما الجسدية والنفسية، وقدراته الفطرية، ودوره المحدد في منظومة الحياة المتكاملة.
إن التكليف الشرعي إذن، يجمع بين أصلين عظيمين متكاملين: المساواة في الأساس والأصل، والتنوع في التفاصيل والفروع. العدل الكامل في الجزاء والحساب، ومراعاة الطبيعة والقدرات في التكليف. وحدة الغاية الكبرى - وهي عبادة الله ونيل رضاه - وتنوع الوسائل والطرق الموصلة إلى هذه الغاية العظيمة.
والله هو الأعلم بمن خلق، والأعلم بما يناسب كلًّا منهما، والأعلم بأوجه الاختلاف الفطري بين الذكر والأنثى. والعدل الحقيقي إنما يكمن في مراعاة هذا الاختلاف بحكمة وإنصاف، لا في محاولة ردمه وإلغائه بتسوية قسرية تجافي الفطرة والطبيعة.