الحقيقة الخامسة: المكانة الحقيقية عند الله
Article Summary
من الحقائق المحورية الأساسية في التصور الإسلامي أن الله تعالى قد جعل معيار التفاضل الحقيقي الوحيد بين البشر هو التقوى والعمل الصالح، لا الجنس ولا اللون ولا النسب ولا المال. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وبناءً على هذا المعيار الإلهي الواضح، فإن المرأة المؤمنة التقية الصالحة قد تكون أفضل عند الله وأكرم عنده وأعلى منزلة من آلاف بل ملايين الرجال المسلمين، حتى لو كانوا من أصحاب الجاه العريض والمال الكثير والسلطة الواسعة والمناصب الرفيعة.
فالمرأة البسيطة المتواضعة التي تقوم الليل ساجدة راكعة، وتصوم النهار محتسبة، وتذكر الله كثيرًا، وتخدم أسرتها بإخلاص ومحبة، وتربي أولادها على الإيمان والصلاح، قد تكون في ميزان الله تعالى وعند حكمه العادل أعظم شأنًا وأعلى منزلة من رجال يملكون الممالك ويحكمون الشعوب ويقودون الجيوش لكنهم مقصرون في تقواهم، غافلون عن ذكر ربهم.
والأم الصالحة التي تربي أولادها على الإيمان بالله والخوف منه ومحبته في بيت متواضع بسيط، قد تفوق في منزلتها الحقيقية عند الله وزراء وأمراء وأثرياء وعلماء مشهورين.
بل إن الحقيقة الأعظم والأكبر والأوضح أن المرأة المسلمة الواحدة - مهما كانت بسيطة متواضعة فقيرة ضعيفة - هي أفضل عند الله وأكرم عنده من جميع الكفار والمشركين بلا استثناء، رجالًا ونساءً، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء.
فالمؤمنة البسيطة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتصلي وتصوم وتطيع ربها، أكرم عند الله بلا شك من كل فلاسفة الكفر وعلمائهم وملوكهم وعظمائهم وأثريائهم عبر التاريخ كله. فالإيمان بالله هو الأساس، وما دونه تبع.
والقرآن الكريم يضرب لنا الأمثلة الحية الواقعية على هذه الحقيقة؛ فمريم عليها السلام اصطفاها الله واختارها على نساء العالمين أجمعين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢].
وآسية امرأة فرعون المؤمنة الصابرة المحتسبة كانت خيرًا عند الله وأفضل من زوجها الذي كان أعظم طاغية في عصره وأكثر الناس قوة ونفوذًا وجبروتًا، ومن كل حاشيته الكبيرة وجنوده الكثيرين وأتباعه المنتشرين. قال النبي ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي هذا السياق المهم، نفهم قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤] على وجهه الصحيح. فالآية تتحدث عن تفضيل وظيفي محدد يتعلق بالقوامة والمسؤولية في الأسرة، لا عن تفضيل مطلق شامل في القيمة الإنسانية أو المكانة عند الله.
فالقوامة في حقيقتها تكليف ومسؤولية وأمانة ثقيلة أكثر منها تشريف وتفضيل مطلق، والتفضيل المذكور فيها لا ينفي بحال أن تكون المرأة أتقى لله وأكرم عنده وأعلى منزلة في الآخرة من كثير من الرجال، بل من معظمهم.
إن المرأة المؤمنة التي تفهم هذه الحقيقة العظيمة فهمًا صحيحًا عميقًا لا تنشغل بالمقارنات الدنيوية الزائلة، ولا تحزن لما قد يبدو ظاهريًا من تفضيل في بعض الأحكام الدنيوية؛ لأنها تعلم يقينًا أن الباب مفتوح أمامها على مصراعيه لتكون الأكرم عند الله، والأعلى منزلة في الجنة، والأعظم أجرًا يوم القيامة. وهذا هو التفضيل الحقيقي الباقي الذي لا يزول، أما تفاضل الدنيا الظاهري فزائل فانٍ لا محالة.
خاتمة: التصور الإسلامي الشامل المتوازن للمرأة
هذه الحقائق الخمس الكبرى التي استخلصناها مباشرة من النصوص الشرعية الواضحة الصريحة ترسم لنا صورة واضحة متكاملة متوازنة للمرأة في التصور الإسلامي الأصيل. صورة تختلف اختلافًا جذريًا كاملًا عن التصورات البشرية القاصرة المتقلبة التي تأرجحت عبر التاريخ بين تطرفين فاسدين: إما الحط الظالم من قدر المرأة واعتبارها كائنًا ناقصًا أدنى، وإما محو خصوصيتها الفطرية ومحاولة جعلها نسخة مطابقة من الرجل في كل شيء.
الإسلام يقدم تصورًا متوازنًا حكيمًا يؤكد إنسانية المرأة الكاملة غير المنقوصة، وتكليفها الشرعي الذي يساوي الرجل في الأصل ويختلف في بعض التفاصيل، ودورها العظيم الخطير في الحياة، وأجرها المتساوي تمامًا مع الرجل في الآخرة، وإمكانية تفوقها بالتقوى على آلاف بل ملايين الرجال.
هذا التصور الإسلامي الشامل يحفظ للمرأة كرامتها الإنسانية الكاملة وحقوقها الشرعية جميعها، مع مراعاة حكيمة لطبيعتها الفطرية وخصائصها الجسدية والنفسية التي تميزها عن الرجل.
والمرأة المسلمة حين تفهم هذه الحقائق الخمس فهمًا صحيحًا عميقًا، تدرك بوضوح ويقين أن الإسلام لم يظلمها بل أكرمها أعظم تكريم، ولم يهضم حقها بل حفظه أكمل حفظ، ولم يقلل من شأنها بل رفع قدرها أعلى رفع. تدرك أن طريقها الحقيقي إلى الكمال والسعادة في الدنيا والآخرة ليس في محاكاة الرجل أو منافسته أو محاولة مساواته في كل شيء، بل في القيام بدورها العظيم الذي خلقها الله له وهيأها له، مع السعي الدائم للتفوق في التقوى والعمل الصالح، وهي المعيار الحقيقي الوحيد للتفاضل عند الله.
هذا التصور الإسلامي الشامل المتوازن للمرأة هو الأساس المتين الراسخ الذي تُبنى عليه كل الأحكام التفصيلية المتعلقة بها في الشريعة الإسلامية. وفي المقالات القادمة بإذن الله تعالى، سنتناول هذه الأحكام بالتفصيل الوافي، ونبين الحِكم الإلهية البالغة من ورائها، والمصالح العظيمة المترتبة عليها، مستنيرين بهذا الفهم الصحيح الشامل لمكانة المرأة الحقيقية في الإسلام.