· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الاختلاف أساس التكامل في بناء الأسرة والمجتمع

Article Summary

إن هذه الاختلافات الجوهرية بين الرجل والمرأة بحكمة إلهية بالغة أساس التكامل الحقيقي في بناء الأسرة الصالحة والمجتمع المتماسك.

فالأسرة الناجحة المستقرة السعيدة لا تُبنى على التماثل التام والتطابق الكامل بين الزوجين، بل تُبنى على التنوع الحكيم والتكامل الجميل. كل طرف يؤدي دوره الذي يتقنه بفطرته وطبيعته، ويكمل ما ينقص الطرف الآخر أو ما يصعب عليه. الرجل بقوته الجسدية وحزمه في القرارات وحمايته للأسرة، والمرأة برقتها العاطفية وحنانها الفطري ورعايتها الدقيقة؛ الرجل بقيادته الحازمة وحمايته الواضحة وكسبه للرزق، والمرأة برعايتها الدافئة واحتوائها العاطفي وتربيتها للأجيال. وهذا التكامل الرائع ينتج أسرة متوازنة مستقرة يجد فيها الأطفال كل ما يحتاجونه للنمو السليم جسديًا ونفسيًا وعاطفيًا.

والأسر المتماسكة القوية المبنية على أسس واضحة وأدوار محددة ومسؤوليات معلومة هي اللبنات الأساسية التي يُبنى منها المجتمع القوي المتماسك. فإذا كانت كل أسرة تعرف حقوقها وواجباتها بوضوح، وكل فرد فيها يؤدي دوره المحدد بإخلاص وإتقان، نتج عن ذلك مجتمع متماسك منتج مستقر. وهذا المجتمع المتماسك القوي هو الذي يشكل القوة الحقيقية الدائمة للأمة.

ولذلك نرى حرصًا شديدًا مدروسًا من قوى عالمية معينة على تفتيت هذه اللبنة الأولى الأساسية - الأسرة - من خلال فرض نموذج غربي لا يراعي الاختلافات الطبيعية الفطرية، ولا يحدد الأدوار بوضوح، ولا يوزع المسؤوليات بعدل، بل يجعل العلاقة بين الزوجين علاقة تنافس محموم وصراع دائم وحرب مستمرة بدلاً من التكامل والتعاون والتناصر.

وهذا النموذج المستورد الفاشل قد أنتج في واقعنا المعاصر - في المجتمعات التي طبقته - معدلات طلاق مرتفعة مخيفة، وأسر مفككة محطمة، وأطفال مشردين نفسيًا لا يعيشون أجواءً عائلية مستقرة دافئة، ونساء مرهقات محطمات يحملن أعباء مضاعفة، ورجال فقدوا معنى وجودهم ودورهم في الحياة، ومجتمعات تعاني من أزمات اجتماعية ونفسية كبيرة.

والعجيب حقًا أن هؤلاء الذين يروّجون بقوة لهذا النموذج الفاشل المدمر لو طبقوا مبادئه الأساسية على أي مؤسسة عملية لآل بها الأمر حتمًا إلى الفشل الذريع والانهيار السريع. فمؤسسة ليس فيها رئيس واضح محدد الصلاحيات، أو فيها رئيس لكن لا تجب طاعته فيما ينادي به تحقيقًا لاستقرار المؤسسة وقربها من هدفها، وليس فيها توزيع واضح محدد للمهام والمسؤوليات، وكل موظف يريد أن يقوم بعمل الآخر، والكل يتنافس ويتصارع على القيادة والسيطرة - هل يمكن عقلاً لهذه المؤسسة أن تنجح أو تستمر؟

والأسرة في حقيقتها وواقعها مؤسسة اجتماعية؛ حيث إنها تضم فردين فأكثر اجتمعوا بعقد شرعي واضح يترتب عليه حقوق محددة وواجبات معلومة. فإذا كانت المؤسسات التجارية البسيطة تحتاج إلى هيكل إداري واضح وأدوار محددة ومسؤوليات موزعة لتنجح وتستمر، فكيف بالأسرة التي هي أهم مؤسسة في المجتمع وأعمقها تأثيرًا وأكثرها تعقيدًا وأخطرها شأنًا؟ وإذا كان البشر يضعون لمؤسساتهم التجارية والإدارية قواعد صارمة وأدوارًا واضحة ومسؤوليات محددة، فكيف يريدون للأسرة - المؤسسة الأخطر - أن تسير بلا قواعد واضحة ولا أدوار محددة ولا مسؤوليات معلومة؟

ثم لنا أن نتساءل بمنطق العقل السليم فنقول: من الذي يضع قواعد الأسرة الصحيحة؟ العقل السليم يقول بوضوح تام إن الذي خلق الإنسان هو الأعلم بما يصلحه، والذي برأ الفطرة البشرية هو الأعلم بما يناسبها ويسعدها. أما القواعد البشرية القاصرة التي تتجاهل الفطرة وتنكر الاختلافات الواقعية، فلا تنتج إلا الصراع المرير والتفكك المؤلم والشقاء الدائم.

وهذا بالضبط ما نشهده اليوم بأعيننا في المجتمعات الغربية التي تخلت عن التشريع الإلهي الحكيم واتبعت تشريعات بشرية قاصرة متقلبة؛ أسرها ممزقة محطمة، ونساؤها مرهقات منهكات يحملن أعباء مضاعفة، أو يحملن أعباء لا تشبع حاجتهن الفطرية ولا تحقق سعادتهن الحقيقية، ورجالها فقدوا دورهم الطبيعي ومعنى وجودهم الحقيقي، وأطفالها ضائعون مشردون نفسيًا بين أب غائب منشغل وأم مرهقة منهكة.