· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الحسم: بين الوحي الإلهي والوثنية المعاصرة

Article Summary

وهنا نقف أمام مفترق طرق حاسم خطير: لدينا وحي إلهي محفوظ واضح صريح يقرر الاختلاف بنص قاطع ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ﴾ [آل عمران: ٣٦]، ويبني على هذا الاختلاف الواقعي أحكامًا شرعية حكيمة. ولدينا في المقابل آراء بشرية متغيرة متقلبة متناقضة تنكر هذا الاختلاف الواضح أو تقلل من شأنه وأهميته.

فأيهما نقدّم؟ أي الفريقين أولى بالاتباع؟

العقل السليم والمنطق الصحيح لا يتردد لحظة في الإجابة: كلام الخالق العليم مقدّم على كلام المخلوق الجاهل؛ فالذي خلق أعلم بمن خلق وبما يصلحه، والذي صمّم أدرى بما صمّم وبما ينفعه.

أما الذين يقدِّمون الأقوال البشرية المتقلبة على الوحي الإلهي الثابت، سواء بنبذ الوحي كليًا وإنكاره، أو بتطويعه وليّ أعناق نصوصه الواضحة ليوافق تلك الأقوال البشرية، فإنهم في الحقيقة يمارسون نوعًا خطيرًا من الوثنية المعاصرة.

نعم، وثنية بكل معنى الكلمة؛ لأنهم يجعلون الإنسان وأفكاره وآراءه المتقلبة المرجع الأعلى الأسمى الذي يُحاكم إليه كل شيء، حتى كلام الله الخالق نفسه.

وهذه الوثنية الفكرية المعاصرة أخطر بكثير من الوثنية الحجرية القديمة البدائية؛ لأن عابد الصنم الحجري في الجاهلية كان يعرف أنه يعبد حجرًا لا يضر ولا ينفع ولا يسمع ولا يبصر، أما عابد الهوى والرأي البشري فيظن نفسه متحررًا مستنيرًا عقلانيًا، وهو في الحقيقة عبد ذليل لإنسان مثله، إذ جعل لكلامه وآرائه ما ينبغي أن يكون لكلام خالقه وحده!

إن العاقل المنصف الذي يؤمن حقًا بالله وبأنه أنزل وحيًا محفوظًا - وقد أثبتنا ذلك بالأدلة القاطعة الواضحة في مقالات سابقة - لا يمكن أن يقدّم كلام البشر القاصر المتقلب على كلام ربه الحكيم العليم.

خاتمة: الحقيقة الصارخة التي لا مفر منها

الخلاصة التي توصلنا إليها بوضوح تام عبر هذه المقالة هي أن الاختلاف بين الجنسين حقيقة ثابتة علميًا بالأدلة القاطعة، مؤكدة شرعًا بالنصوص الصريحة. فالوحي الإلهي المحفوظ يقررها بوضوح، والعلم الحديث المتقدم يثبتها بدقة، والواقع المشاهد يشهد بها بجلاء.

لكن رغم كل هذا الوضوح، هناك من ينكرون هذه الحقيقة الساطعة ويصرون على محوها وطمسها، ثم يبنون على هذا الإنكار الإيديولوجي منظومة كاملة من "الحقوق" و"الواجبات" التي يفرضونها على البشرية جمعاء بقوة الإعلام والسياسة والقانون.

وهنا نواجه مشكلتين خطيرتين متلازمتين: الأولى إنكار حقيقة واقعية واضحة قررها الخالق في وحيه المحفوظ وأثبتها العلم بأدلته، والثانية - وهي الأخطر والأشد - جعل أقوال البشر القاصرة وآرائهم المتقلبة مرجعية مقدسة لا تُناقش ولا تُراجع.

فمن يخالف هذه الأقوال البشرية المقدسة عندهم يُتهم بأبشع التهم: الرجعية والتخلف والظلم والكراهية، ويُحارب ويُقصى ويُشوّه، تمامًا كما يُتهم ويُعامل من يخالف وحيًا إلهيًا في دين حق. وهذه في حقيقتها وجوهرها وثنية معاصرة خطيرة؛ تأليه صريح للإنسان وأفكاره القاصرة، وإضفاء قداسة زائفة على آراء بشرية قابلة للخطأ والصواب، متقلبة متناقضة.

إذا تجردنا من هذه الوثنية الفكرية الخطيرة، وتحررنا من تقديس أقوال البشر القاصرة، وعدنا إلى المنطق السليم والفطرة السوية، فلن نجد بدًا من الاعتراف بأمرين واضحين:

أولاً، أن الاختلاف الجوهري بين الجنسين حقيقة واقعية ثابتة لا يمكن إنكارها ولا ينبغي محوها.

وثانيًا، أن أحكام الله تعالى التي راعت هذا الاختلاف الواقعي - مع كونها مقدسة في ذاتها لقداسة قائلها سبحانه - هي أيضًا تشريعات حكيمة عادلة متوازنة تتناسب تمامًا مع طبيعة كل جنس وخصائصه وقدراته واحتياجاته.

والعجيب حقًا - بل المضحك المبكي - أن الذين يرفضون الأحكام الإلهية الحكيمة بحجة أنها "مفروضة" و"غير مختارة"، يقبلون بسهولة، بل يفرضون هم أنفسهم، أحكامًا بشرية قاصرة بقوة القانون والإعلام والضغط الاجتماعي والسياسي الهائل.

يرفضون بشدة أن يكون الله - الخالق العليم الحكيم الخبير - هو من يحدد الحقوق والواجبات بحكمته البالغة، ثم يقبلون بكل رضا وخضوع أن يحددها بشر مثلهم بأهوائهم ومصالحهم! ويعاملون من خالف هذه الأحكام البشرية المقدسة عندهم بقسوة وشدة، كما يعامل من خالف وحيًا إلهيًا في دين حق!

إن الحقيقة الصارخة التي لا مفر من مواجهتها بشجاعة: من يقول بعدم وجود اختلاف أساسي بين الجنسين، أو يأخذ بما يرسمه البشر القاصرون من حقوق وواجبات متجاهلًا الفطرة السوية والوحي المحفوظ، قد وقع - شاء أم أبى، اعترف أم أنكر - في وثنية فكرية لا تختلف جوهريًا عن وثنية الأصنام الحجرية القديمة. الفرق الوحيد أن الصنم المعبود هنا ليس حجرًا منحوتًا، بل فكرة بشرية قاصرة أُلبست ثوب القداسة الزائف والتقديس المصطنع.