بين الوحي الإلهي والتشريع البشري في تنظيم الأسرة
Article Summary
عندما نتحدث عن تنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة وتحديد الحقوق والواجبات بينهم، نجد أنفسنا حتمًا أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما أن نأخذ هذا التنظيم من الوحي الإلهي المحفوظ، وإما أن نتركه للاجتهاد البشري القاصر المتقلب.
والاجتهاد البشري - سواء صدر من فرد عبقري متميز، أو من جماعة منتخبة مثقفة، أو من رأي مجتمعي سائد غالب - يبقى في النهاية اجتهادًا بشريًا قابلاً للصواب والخطأ، محتملًا للحق والباطل. وما كان كذلك جاز في العقل السليم أن يُقابل برأي آخر يختلف عنه ويناقضه، كما لم يصح منطقيًا ولا عقلًا أن يُعامل كشيء مقدس لا يُمس، أو كحقيقة مطلقة تُفرض على الجموع بالقوة.
تقلب التشريعات البشرية عبر التاريخ
والتاريخ الطويل للبشرية شاهد واضح على تقلّب التشريعات البشرية وتبدلها الدائم؛ فالقوانين التي تحكم الأسرة والعلاقة بين الزوجين تتغيّر وتتبدّل كل بضعة عقود، بل أحيانًا كل بضع سنوات. تارة بتأثير تيار فلسفي جديد ظهر وانتشر، وتارة بضغط شديد من جماعات المصالح القوية المنظمة، وتارة بقوة الآلة الإعلامية الهائلة التي تشكّل الرأي العام وتوجهه كيفما تشاء.
وفي كل مرة يحدث هذا التغيير، يُقدَّم للناس على أنه "تقدم" حضاري و"تطور" إنساني و"رقي" اجتماعي، ثم لا تلبث السنوات القليلة أن تكشف عيوبه الفاضحة ومشاكله الخطيرة وآثاره المدمرة، فيأتي تشريع جديد آخر ليصحح "أخطاء" سابقه الكارثية، وهكذا في دوامة لا تنتهي من التخبط والتجريب على حساب الأسر والمجتمعات.
وهذا كله على افتراض حُسن النية التامة وصدق القصد الكامل عند واضعي هذه التشريعات البشرية، وأنهم يسعون فعلًا بإخلاص لتحقيق العدالة الحقيقية والمصلحة العامة للجميع. لكن الواقع المشاهد أبعد ما يكون عن هذا الافتراض المثالي الساذج.
تأثر التشريعات البشرية بالأهواء والمصالح
فالقوانين والتشريعات - خاصة تلك المتعلقة بالأسرة والمجتمع والعلاقات الإنسانية - لا تُوضع في فراغ معقّم، ولا يضعها ملائكة متجردون تمامًا من الأهواء والمصالح والتحيزات. بل يضعها بشر قاصرون محدودون، لهم مصالحهم السياسية الخاصة، وانتماءاتهم الحزبية الضيقة، وخلفياتهم الثقافية المؤثرة، وضغوطاتهم الاقتصادية الشديدة، وتحيزاتهم الأيديولوجية العميقة.
فكم من قانون ظالم وُضع لإرضاء جماعة ضغط قوية منظمة تملك النفوذ، لا لتحقيق العدل الحقيقي! وكم من تشريع فاسد صيغ لخدمة أجندة سياسية حزبية، لا لمصلحة المجتمع الحقيقية! وكم من نظام مشوه فُرض بالقوة لتحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة لفئة معينة محدودة، لا لحماية الأسرة وصيانتها!
النخب السياسية والاقتصادية الحاكمة تشكّل القوانين والتشريعات بما يحفظ نفوذها الواسع ويزيد ثروتها الطائلة، والأحزاب المتصارعة تسنّ التشريعات بما يضمن بقاءها في السلطة واستمرار هيمنتها، والشركات الكبرى المتعددة الجنسيات تموّل الحملات الإعلامية والسياسية التي تخدم مصالحها التجارية الضخمة.
وإذا أضفنا إلى ذلك كله الصراعات الثقافية والأيديولوجية الحادة التي تمزق المجتمعات وتشقها، نجد أن القوانين والتشريعات تصبح ساحة معركة دموية بين تيارات متناقضة متصارعة، كل تيار يريد بكل قوته فرض رؤيته ومفاهيمه على الآخرين.