· · 3 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

القوة الخفية للتشريعات البشرية: زخرف القول

Article Summary

بداهة ومنطقية أن يُحكَّم شرع الله تعالى فيما يتعلق بشؤون الحياة عمومًا، وشؤون الأسرة والعلاقة بين الزوجين خصوصًا، لا تعني أبدًّا بأن ما يطرحه البشر في مقابل ذلك غاية في السطحية الفجة، وظاهر السذاجة المكشوفة، وخاليًا تمامًا من كل ما يجعله جاذبًا مؤثرًا لعقول كثيرة، ومرهبًا مخيفًا لعقول أخرى أن تخالفه.

كلا، بل يُطرح الباطل طرحًا جاذبًا براقًا مزخرفًا كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. وزخرف القول معناه: الباطل المزين المزخرف الذي زيّنوه بكلامهم البراق الجذاب، فيظهر في صورة الحق وهو باطل في حقيقته.

إن ما يطرحه البشر من أفكار ومفاهيم يزعمون أنها تنظم شؤون الأسرة وتحقق العدالة بين الزوجين غالبًا ما يأتي محاطًا بهالة ضخمة مبهرة من "التقدم" و"التحضر" و"الحداثة"، ومغلفًا بعناية بمصطلحات براقة جذابة مثل "المساواة" و"الحرية" و"العدالة" و"حقوق الإنسان" و"التنوير".

يصفون من يقبل هذه الأفكار ويتبناها بأوصاف مشجعة: متنور، متحضر، عصري، متقدم، واعٍ. ومن يرفضها أو حتى يناقشها أو يشكك فيها بأوصاف منفرة مخيفة: رجعي، متخلف، ظلامي، قامع للمرأة، كاره للنساء.

وهذا التصنيف الحاد يشكِّل ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا هائلًا - خاصةً إذا كثر متبنو تلك الأطروحات وسيطروا على وسائل الإعلام - على كل من يريد أن يطبِّق شريعة الله تعالى في شأن أسرته وحياته. فيلجأ البعض - هروبًا من هذا الضغط الشديد - إلى محاولة التوفيق القسري بين الشريعة الإلهية وتلك الأفكار البشرية المتناقضة معها، ليدفع عن نفسه تأنيب الضمير القاسي حين يخالف تلك الأفكار الرائجة، والشعور المؤلم بالغربة والعزلة حين يلتزم بشريعة ربه.

ويزداد المرء وقوعًا تحت الضغط النفسي والاجتماعي كلما ازداد الدعم القانوني القوي لتلك الأفكار البشرية، أو الترويج الإعلامي الضخم المكثف لها عبر أفلام ومسلسلات تعرض على مدار الساعة تصور نموذج الأسرة "الحديثة" "المتحررة" على أنه المثال الأوحد للسعادة والنجاح، وتصور النموذج التقليدي الملتزم بالشريعة على أنه قمع وتخلف وظلم وتعاسة.

وبرامج حوارية منتشرة تستضيف "خبراء" و"متخصصين" يؤكدون بلغة تبدو علمية موضوعية صحة هذه التشريعات والأفكار. ومناهج دراسية مخططة بعناية تغرس هذه المفاهيم في عقول الأطفال والناشئة منذ نعومة أظفارهم وأول سنوات دراستهم.

لكن إذا جردنا هذه التشريعات البشرية من كل هذه الأغلفة البراقة والأدوات الدعائية القوية، ونزعنا عنها هالة القداسة المصطنعة والهيبة المفتعلة، وإذا تجاوزنا الضغط النفسي والاجتماعي الهائل، ماذا يبقى في النهاية؟

تبقى في النهاية مجرد آراء بشرية قاصرة، وضعها بشر مثلنا، متأثرون بثقافتهم الخاصة وظروفهم المحدودة ومصالحهم الشخصية أو الفئوية، قابلة للخطأ والصواب، متغيرة متقلبة.

في المقابل الواضح، أحكام الله تعالى لا تحتاج إلى كل هذه الأدوات الدعائية والحيل الإعلامية لتثبت صحتها وعدالتها. قوتها الحقيقية في ذاتها، في كونها من الخالق العليم الحكيم الخبير. لا تحتاج إلى دعاية إعلامية ضخمة ولا إلى ضغط اجتماعي مكثف ولا إلى تزيين بالألفاظ البراقة. من عرف مصدرها الإلهي الحق، لزمه عقلاً ومنطقاً الإيمان بها والتزامها، لأنها من الحكيم الخبير.

التفضيل الإلهي: بين القبول والرفض

من الحقائق المحورية التي يجب أن نقف عندها بوضوح تام وبلا مواربة: التفضيل حق خالص لله تعالى وحده. هو سبحانه الذي يفضّل من يشاء على من يشاء، بما يشاء، كيف يشاء، متى يشاء. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨].

وحين يقول سبحانه بوضوح وصراحة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]، فهذا تفضيل إلهي واضح صريح للرجال على النساء في جوانب معينة محددة؛ في صفات دينية كالنبوة والرسالة - فكل الأنبياء والرسل رجال - وصفات دنيوية: كالقوة الجسدية، ورجاحة العقل في الغالب، والقدرة على تحمل المسؤوليات القيادية الكبرى.

الموقف من التفضيل الإلهي كاشف للإيمان

والموقف من هذا التفضيل الإلهي الواضح كاشف حقيقي عن مدى صدق الإيمان وحقيقته. فمن رفض هذا التفضيل الإلهي واعترض عليه وتمرد على حكم الله فيه، فقد سلك - شاء أم أبى - مسلك إبليس اللعين الذي رفض السجود لآدم عليه السلام معترضًا بكبر وعناد على التفضيل الإلهي: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].

لم يقبل إبليس اللعين أن يكون الاختيار والتفضيل لله وحده، بل أراد متكبرًا أن يكون هو الحَكَم في من يُفضَّل ومن لا يُفضَّل، وفي من يستحق ومن لا يستحق.

في المقابل الواضح، من سلّم لحكم الله تعالى ورضي بتفضيله واختياره، فقد سلك مسلك الملائكة الكرام المطيعين الذين سجدوا لآدم طاعة تامة لأمر الله، رغم أنهم خُلقوا من نور وآدم خُلق من طين. لم يعترضوا، لم يجادلوا، لم يتساءلوا "لماذا هو وليس نحن؟". بل سلّموا بكل خضوع لحكمة الله وأطاعوا أمره فورًا بلا تردد.