التفضيل في جوانب لا ينفي المساواة في أخرى
Article Summary
والتفضيل المذكور في الآية الكريمة يتعلق بالجنس بشكل عام في جوانب معينة محددة، وليس تفضيلًا مطلقًا شاملًا في كل شيء، وليس تفضيلًا لكل فرد من الرجال على كل فرد من النساء.
فالمرأة المؤمنة التقية الصالحة الواحدة قد تكون أفضل عند الله وأكرم عنده من ملايين بل مليارات الرجال الفاسقين أو الكفار. فمريم عليها السلام أفضل بلا شك من معظم رجال البشرية عبر التاريخ، وآسية امرأة فرعون المؤمنة الصابرة خير عند الله من فرعون الطاغية وكل أعوانه وجنوده.
لكن هذا الواقع لا ينفي التفضيل العام للرجال في جوانب محددة واضحة، كالقوة الجسدية، والقدرة على القيادة والحسم، وتحمل المسؤوليات الكبرى، والثبات الانفعالي في الأزمات.
نقض المعترضين على التفضيل الإلهي
والعجيب حقًّا أن من يعترض بشدة على تفضيل الله تعالى للرجال على النساء في القوامة والمسؤولية، لا يعترض على تفضيلات إلهية أخرى واضحة في الحياة.
لا يعترض على أن بعض الناس وُلدوا أذكياء بفطرتهم وآخرين أقل ذكاءً، بعضهم أقوياء بطبيعتهم وآخرون ضعفاء، بعضهم أصحاء معافون وآخرون مرضى أو معاقون، بعضهم جميلو الخلقة وآخرون أقل جمالاً، بعضهم وُلدوا في أسر غنية وآخرون في أسر فقيرة.
كل هذا التفاوت الهائل من قَدَر الله تعالى وتوزيعه الحكيم للأرزاق والقدرات والمواهب بين عباده. فمن لا يقبل التفاضل بين الرجال والنساء من منطلق أن لله الحق المطلق أن يفضّل جنسًا على جنس في جوانب معينة، فيلزمه منطقًا أن يعترض على تفضيل الله لشخص على شخص آخر من ذات الجنس في الذكاء أو القوة أو الجمال أو المال، وهذا مسلك الحاسدين الحاقدين المعترضين على قدر الله.
أما من يتفهم ويقبل تفضيل شخصٍ على شخصٍ آخر في بعض الصفات والقدرات، فيلزمه منطقًا وعقلاً أن يتفهم ويقبل تفضيل جنس على جنس في بعض الجوانب، ليسلم من الحسد المذموم كله، ويسلِّم لله اختياره وحكمته وقدره.
إن المؤمن الحق الصادق - رجلاً كان أو امرأة - يسلّم لله تعالى في قضائه كله، ويرضى بحكمه تمامًا، ويعلم يقينًا أن الله أعلم بما يصلح عباده وأحكم. وإذا فضّل الله الرجال ببعض الصفات والمزايا في الدنيا ورتب على ذلك من التكاليف والمسؤوليات الثقيلة ما رتب، فقد فضّل النساء بأمور أخرى كثيرة. وفي النهاية كلٌّ ميسّر لما خُلق له، وكلٌّ محاسب بعدل على ما كُلّف به.
المهر والنفقة: الرجل من يبذلها
حين نتأمل بإنصاف في حقيقة النفقة والمهر الواجبين على الرجل شرعًا، نجد أنهما تكليفان ثقيلان شاقان يُلزَم بهما الرجل إلزامًا كاملًا ويُحاسَب عليهما حسابًا دقيقًا. فالرجل مطالَب شرعًا بأن يخالف هوى نفسه ورغبتها الطبيعية التي تميل بطبعها إلى الإمساك والبخل والاقتصاد والادخار، ليبذل ماله الذي تعب وكدّ في جمعه وتحصيله على غيره.
المهر: تكليف ثقيل قبل الزواج
فقبل أن يفكر الشاب أصلًا في الزواج وتكوين أسرة، عليه أولاً أن يعمل ويكدّ ويجتهد ويجمع المال الكافي للمهر. وهذا المهر المطلوب قد يستنزف مدخرات سنوات طويلة من العمل الشاق المضني.
والشرع الإسلامي يُلزمه إلزامًا تامًا بهذا البذل المالي، لا يعفيه منه فقرُه، ولا يسقطه عنه عُسره وضيق حاله. بل إن لم يستطع دفعه حالاً نقدًا، بقي دَينًا ثقيلاً في ذمته واجب الأداء.
وهنا تظهر حكمة التشريع الإلهي البالغة؛ فالشاب الذي يُلزَم شرعًا بدفع المهر وجمع المال له يضطر اضطرارًا للعمل الجاد والسعي الحثيث والاكتساب المشروع. يتعلم من خلال ذلك الجدية في الحياة والمسؤولية الحقيقية، يترك الكسل والبطالة والاتكالية، يخطط لمستقبله بواقعية وجدية.
والقاعدة الأصولية الشرعية المعروفة تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فإذا كان المهر واجبًا شرعًا، والمهر لا يأتي ولا يُجمع إلا بالعمل الجاد والكسب المشروع، صار العمل والكسب واجبًا شرعيًا أيضًا. هكذا يُخرج الإسلام بحكمته الرجال من دائرة العبث واللهو والكسل إلى ميدان الجد والعمل والإنتاج.
ومن حِكم المهر أيضًا إثبات صدق الرغبة الحقيقية في الاقتران، وقطع التهاون السهل في الافتراق لمَّا كان الطلاق بيد الرجل. فمن دفع مالاً كثيرًا لا يفرط بسهولة فيما دفع المال لأجله.
النفقة المستمرة: مسؤولية دائمة
وإذا ظن الرجل أن الأمر ينتهي بمجرد دفع المهر والدخول بزوجته، فهو واهم متوهم. بل تبدأ بعد ذلك مباشرة مسؤولية أكبر وأثقل وأشد استمرارًا تتمثل في النفقة الواجبة المستمرة على الزوجة والأولاد.
والنفقة الشرعية الواجبة تشمل كل احتياجات الحياة الأساسية: المأكل الكافي والمشرب اللائق، والمسكن المناسب اللائق بحالهما، والملبس المناسب الكافي، وكل ما تحتاجه الزوجة والأسرة من ضروريات الحياة الكريمة وحاجاتها الأساسية.
وهذه النفقة واجبة وجوبًا شرعيًا صارمًا لا يسقط بحال. لا يسقط إن غضب الزوج من زوجته، ولا إن اختلف معها أو تشاجر، ولا إن ضاقت به الدنيا وقلّ ماله. بل هو مطالَب بها شرعًا وعقلاً ما دامت الزوجية قائمة بينهما. وإن قصّر فيها مع قدرته المالية أثِمَ إثمًا عظيمًا، وحُوسب عليها يوم القيامة.
إن النفقة والمهر ليسا امتيازًا للرجل أو تفضيلًا له يتفضل به على المرأة كيفما شاء، بل تكليف ثقيل شاق ومسؤولية عظيمة دائمة. والرجل الذي يقوم بهذا الواجب المالي الثقيل إنما يؤدي أمانة عظيمة كلّفه الله بها، ويحمل عبئًا ماليًا ضخمًا ألزمه الشرع به.
ولو وضعت المرأة نفسها مكان الرجل بإنصاف، وتخيلت أنها ملزمة بجمع المهر وادخاره قبل الزواج، ثم بالنفقة الكاملة الشاملة على الزوج والأولاد ما دام العقد باقيًا، لعلمت حينها بوضوح حجم العبء المالي الثقيل الدائم على الرجل، ولشكرت الله على ما أعفاها منه.