· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

الابتلاء بالأوامر: محك الصدق الحقيقي في العبودية

Article Summary

من سنن الله تعالى الثابتة الراسخة في عباده أن يبتليهم ويختبرهم بأوامر ونواهٍ شرعية قد تخالف أهواءهم وميولهم الطبيعية ورغباتهم الفطرية. وهذا الابتلاء العظيم هو الذي يكشف بوضوح حقيقة الإيمان الصادق، ويميز المؤمن الصادق الحق في عبوديته لله من المدّعي الكاذب الذي يعبد هواه.

فالله تعالى يقول بوضوح تام: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. فالإيمان الحقيقي استسلام كامل لأمر الله تعالى ونهيه، حتى لو خالف الهوى والرغبة والميل الطبيعي.

والمؤمن الحق الصادق هو من يقول بلسانه وقلبه وجوارحه كما قال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، لا من يقول بلسان حاله: سمعنا ولكن لا نطيع إلا إن وافق الأمر هوانا ورغبتنا وميلنا.

أمثلة على الابتلاء بالأوامر الشاقة

خذ مثلاً واضحًا الصلاة التي يُؤمر بها الرجل جماعةً في المسجد دون المرأة، كيف أنها اختبار عملي ثقيل شاق لا يفلح فيه ويثبت عليه إلا من صدق حقًا في حب الله، وآثر بقوة رضاه على هواه ورغبته.

فالنوم لذيذ حلو، والفراش الدافئ مريح، والجسد يحتاج إلى الراحة والاسترخاء. لكن المؤمن الصادق يترك فراشه الدافئ، ويقاوم نعاسه الثقيل، ويخرج في البرد القارس والظلام الحالك، ليقف بين يدي الله في صلاة الفجر. لا يفعل ذلك لمصلحة دنيوية يرجوها، ولا لفائدة مادية يطلبها، بل فقط لأن الله أمره، ولأن طاعة الله أحب إليه من كل شيء.

وكذلك الصيام الشاق، الجسد يحتاج إلى الماء والطعام بشدة، والنفس تشتهي الأكل والشرب بفطرتها، والعطش الشديد يجفف الحلق واللسان، والجوع يقرص المعدة ويؤلم. لكن المؤمن الصادق يمسك بقوة عن الأكل والشرب رغم شدة حاجته إليهما، يتحمل بصبر الجوع القاسي والعطش المؤلم، يصبر على المشقة البالغة والتعب الشديد. ليثبت بفعله أن محبته لله تعالى أقوى من حبه لهذه الشهوات الطبيعية كلها.

نوعان من الناس في التعامل مع الأوامر

وهنا يظهر بوضوح ساطع الفرق الحاسم بين نوعين متناقضين من الناس:

النوع الأول: من يقدّم أمر الله تعالى على هواه ورغبته دائمًا. يقول بلسان حاله وقاله: أحبُّ ما يحب الله، وأكره ما يكره الله، حتى لو خالف ذلك ميلي الطبيعي ورغبتي الفطرية. هذا هو المؤمن الصادق الحق في إيمانه، الذي جعل الله ورضاه غايته الأولى الكبرى، لا يبتغي بعبادته إلا وجهه الكريم.

النوع الثاني: من يقدّم هواه ورغبته على أمر الله تعالى. يبحث بإلحاح عن التأويلات الشاذة والمخارج الواهية، يتبع الرخص المشكوكة والشبهات المردودة، يريد دينًا سهلاً مريحًا يوافق رغباته وأهواءه، لا دينًا حقًا يُصلح نفسه ويهذب أخلاقه. هذا هو الذي يعبد الله على حرف ضيق، إن أصابه خير دنيوي اطمأن به ورضي، وإن أصابته فتنة أو ابتلاء انقلب على وجهه وارتد.

الحجاب: ابتلاء يكشف حقيقة العبودية

والحجاب الشرعي من هذه الأوامر الإلهية العظيمة التي تكشف بوضوح حقيقة العبودية وصدق الإيمان. فالمرأة بطبيعتها الفطرية تحب الزينة والتجمل والظهور بأجمل صورة ممكنة، تميل بفطرتها إلى إظهار جمالها ومفاتنها وتلقّي الإعجاب والمديح من الآخرين.

لكنّ الله تعالى أمرها بحكمته بالحجاب، بستر زينتها ومفاتنها عن الأجانب من الرجال، بحفظ جمالها وتحصينه لمن أحلّه الله لها فقط. فهنا يظهر الامتحان الحقيقي والاختبار الصادق: هل ستقدم هذه المرأة أمر الله العليم الحكيم على ميلها الطبيعي ورغبتها الفطرية؟ أم ستقدّم رغبتها وهواها على أمر ربها وخالقها؟

المؤمنة الصادقة الحقة تقول بكل رضا وتسليم: سمعًا وطاعة لأمر ربي. تلبس حجابها الشرعي وهي راضية مطمئنة القلب، مرتاحة الضمير، لأنها تعلم يقينًا أن رضا الله تعالى عنها أغلى وأعز من نظرات الإعجاب العابرة كلها، وأن طاعته سبحانه أشرف وأكرم من كل زينة دنيوية زائلة.

أما التي تتمرد بعناد على الحجاب الشرعي، أو تبحث بإلحاح عن ألف تأويل شاذ وتفسير واهٍ لتتحلل منه وتتخلص من التزامه، فهي تُظهر بوضوح أن هواها ورغبتها عندها أعظم وأهم من أمر ربها الخالق، وأن إعجاب الناس ومديحهم أهم في نفسها من رضا الله تعالى.