لماذا الحجاب على النساء دون الرجال؟
Article Summary
من الأسئلة الكثيرة التي تُثار بإلحاح حول الحجاب الشرعي: لماذا أُمرت النساء بالتحجب التام ولم يُؤمر الرجال بمثل ذلك الأمر؟ ألا يُعتبر هذا تمييزًا ظالمًا وتفريقًا غير عادل؟
والجواب الواضح المنطقي يكمن في فهم صحيح لطبيعة التكاليف الشرعية الحكيمة وتوزيعها العادل بين الجنسين بحسب قدراتهما وأدوارهما:
الرجل مُلزم بالخروج للإنفاق
فالرجل مأمور شرعًا وملزم إلزامًا تامًا بالنفقة الكاملة الشاملة على أسرته من زوجة وأولاد، وهذه النفقة الواجبة تشمل توفير المسكن اللائق المناسب، والملبس الكافي المناسب، والطعام والشراب الكافيين، وكل ضروريات الحياة الكريمة وحاجاتها الأساسية.
وهذا التكليف المالي الثقيل يستلزم بالضرورة المنطقية الخروج الدائم للعمل والكسب والسعي لتحصيل الرزق. فالرجل لا يملك أبدًا خيار الجلوس المريح في البيت والاكتفاء بما عند غيره، بل هو مُلزم شرعًا وعقلاً بالسعي الجاد والعمل الشاق لتحصيل الرزق الكافي لأسرته.
فلو كُلّف الرجل مع ذلك الخروج الضروري بالحجاب الكامل كالمرأة، لوقع حتمًا في حرج شديد بالغ ومشقة عظيمة لا تُطاق في أكثر الأحوال.
المرأة مكفية المؤونة شرعًا
أما المرأة، فهي مكفية المؤونة المالية كاملة شرعًا بنص القرآن والسنة. لها حقّ النفقة الكاملة الشاملة على وليها الشرعي: الأب ينفق وجوبًا على ابنته، والزوج على زوجته، والابن على أمه عند الحاجة، والأخ على أخته عند عدم وجود الأب.
هذا حقّ شرعي ثابت واضح لها، تطالب به متى شاءت وأرادت، والشرع الإسلامي والقانون الوضعي يضمنانه لها بقوة. فخروجها للعمل والكسب - في الأصل الشرعي - اختيار حرّ منها لا اضطرار واقع عليها. وإذا كان خروجها للعمل اختياريًا حرًّا في أصله، فلا حرج منطقي ولا ظلم واقع في أن تُؤمر بالحجاب الكامل عند هذا الخروج الاختياري.
الرد على الاعتراضات المعاصرة
ولكن قد يقول قائل معترضًا: واقعنا اليوم مختلف تمامًا عما كان، فملايين النساء في العالم يعملن ويخرجن يوميًا للكسب كالرجال تمامًا، أفلا يستحققن بعدلٍ التخفيف من الحجاب الثقيل؟
والجواب الشرعي الواضح من عدة وجوه مهمة:
أولًا: هناك فرق كبير ثابت علميًا بين الرجل والمرأة في درجة التأثر بالإثارة البصرية الجنسية. فالرجل - كما بيّنا بالتفصيل - تستثيره المناظر الجنسية البصرية أكثر بكثير من المرأة، وهذا ثابت علميًا بالدراسات الكثيرة ومشاهد واقعيًا بالتجربة اليومية. فالحجاب يحمي بحكمة من هذه الإثارة الجنسية التي تؤذي الطرفين معًا: الرجل الناظر والمرأة المنظورة.
ثانيًا: المفاتن الجسدية البارزة الواضحة هي في الغالب الأعم عند النساء لا الرجال. فالمرأة بطبيعتها الفطرية وتكوينها البيولوجي تملك من مواطن الجمال الظاهر والإثارة الجنسية الواضحة ما يفوق الرجل بكثير. والشريعة الحكيمة تأمر بستر مواطن الفتنة البارزة والإثارة الواضحة، لا مجرد الستر المطلق لذاته بلا حكمة.
ثالثًا: معظم النساء العاملات اليوم في المجتمعات الإسلامية لا يعملن اضطرارًا حقيقيًا واقعًا، بل اختيارًا حرًا منهن لتحسين مستوى المعيشة. فالمرأة المتزوجة يمكنها بسهولة أن تطالب زوجها بالنفقة الكاملة الشاملة على كل احتياجاتها، والشرع الإسلامي يُلزمه قطعًا بذلك. والبنت غير المتزوجة لها حق النفقة الواجبة على أبيها أو أخيها عند عدم الأب.
فإن اختارت المرأة العمل الخارجي مع وجود من ينفق عليها نفقة كافية، فهذا اختيارها الشخصي الحرّ، ولا يُسقط عنها أبدًا التكليف الشرعي الثابت بالحجاب.
وقد تقول قائلة معترضة: نعم، وليي ينفق عليّ النفقة الواجبة كاملة حقًا، فمسكني لائق مريح، وملبسي مناسب كافٍ، ويوفر لي ما أشتهيه من المأكل الطيب والمشرب الحلال. ولكني أريد مبلغًا أكبر يوفر لي حياة أفضل وأرفه وأكثر رفاهية.
والجواب الواضح: إذن، هدف العمل الحقيقي عندك هو تحقيق مزيد من الرفاهية الزائدة والرغد الإضافي، وهذا اختيار حرّ شخصي لا يترتب على عدمه مفسدة حقيقية لا في الدين ولا في الدنيا. فلا يصح منطقًا أن يُسقط هذا الاختيار التكليف الشرعي الثابت.
النفقة حق واجب لا منّة ولا تفضل
وليُعلم علمًا يقينيًا أن نفقة الرجل المالية على المرأة واجب شرعي ثابت كالزكاة تمامًا، بل أوجب وألزم. فكما أن الغني لا يمنّ أبدًا على الفقير بالزكاة المفروضة لأنها حق ثابت فرضه الله تعالى للفقير على الغني، والله وحده هو المالك الحقيقي للمال كله، وهو الرزاق الكريم، كذلك تمامًا الرجل لا يمنّ على المرأة بالنفقة الواجبة لأنها حقها الثابت الواجب عليه شرعًا.
بل إن الرجل المنفق يُؤجر أجرًا عظيمًا على هذه النفقة الواجبة، ويُثاب عليها ثوابًا كبيرًا، ويُحاسب حسابًا عسيرًا إن قصّر فيها أو منع منها.
والنصوص الشرعية الواضحة في الحث الشديد على النفقة على النساء كثيرة جدًا، منها قوله ﷺ: « كفى بالمَرْءِ إثمًا أن يحبسَ عمنْ يَمْلك قُوتَهُ» [صحيح مسلم: 996]. وقوله ﷺ: «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك» [صحيح مسلم: 995].
فالرجل المؤمن الذي يخاف الله حق الخوف لن يتوانى أبدًا في النفقة الكاملة الوافية على من تحت ولايته من النساء، لأنه يعلم يقينًا أن هذا الإنفاق من أعظم القربات إلى الله تعالى، ومن أوجب الواجبات المفروضة عليه.