· · 8 min read · ملف المرأة

الحجاب: حماية حكيمة من التسليع البشع

Article Summary

من أسمى حِكم الحجاب في الإسلام: حماية المرأة الفعلية من أن تصبح سلعة تجارية رخيصة تُعرض وتُستهلك. فالإسلام بحكمته البالغة يحصر التمتع الكامل بجسد المرأة - نظرًا ولمسًا ووصالاً جنسيًا - في من لديه الاستعداد التام الكامل لتحمل المسؤولية الثقيلة، والالتزام الجاد الدائم بالحقوق الشرعية والقانونية والأخلاقية كاملة.

بهذا النظام الحكيم يرفع الإسلام قيمة المرأة رفعًا حقيقيًا عاليًا، ويجعل الوصول الكامل إليها والتمتع بها مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالالتزام الشرعي الجاد الدائم، لا بالرغبة الجنسية العابرة الزائلة.

السلعة المعروضة تفقد قيمتها

المرأة التي تكشف جمالها الجسدي ومفاتنها البدنية للجميع قد تجذب بجمالها أنظار عشرات بل مئات الرجال في كل مكان، وقد يُبدي كثيرون منهم رغبتهم القوية فيها وإعجابهم الشديد بها.

لكن شتان - والفرق عظيم جدًا - بين رغبة صادقة جادة مبنية على قناعة حقيقية راسخة بأن هذه المرأة خير من تكون زوجة صالحة وأمًا مربية وشريكة عمر، وبين رغبة جنسية عابرة سطحية مبنية فقط على إثارة بصرية لحظية زائلة تنتهي وتموت بانتهاء الشهوة الجسدية وذهابها.

والرجل الذي اعتاد النظر الدائم إلى أجساد النساء المتبرجات، والتمتع البصري المستمر بمفاتنهن الجسدية دون التزام شرعي أو مسؤولية قانونية، لن يقف راضيًا عند امرأة واحدة محددة أبدًا.

لماذا يكتفي بواحدة وهناك المئات، بل الآلاف مثلها أو ربما أجمل منها؟ الجمال الجسدي الظاهري موجود متوفر في نساء كثيرات جدًا، والجسد الجميل الذي أثاره وأشعل شهوته اليوم سيمل منه حتمًا غدًا، وسيجد بسهولة غيره أجمل وأكثر إثارة.

وحتى لو تزوج فعلًا امرأة أعجبته بجمالها الجسدي فقط، فإن زواجه هذا مبني على أساس هش ضعيف متزعزع. فهو سيقول في قرارة نفسه بعد أن تذبل شهوته الأولى وتخبو: لماذا أحصر نظري وتفكيري فيها وحدها وهي لم تحصر جمالها وزينتها عليّ؟ إنها أظهرت مفاتنها الجسدية للجميع قبل زواجنا، وبالتالي هي لا تستحق حقًا أن أخلص لها وحدها أو أبقى معها دائمًا. يقول ذلك مبررًا ومسوغًا لنفسه تطلعه الدائم لغيرها وبحثه المستمر عن الأجمل!

هذا المنطق الفاسد - وإن كان معوجًا ظالمًا في حقيقته - إلا أنه نتيجة طبيعية منطقية لإطلاق العنان الكامل للشهوة الجنسية بلا ضوابط. فمن جعل الشهوة الجسدية السطحية محور ارتباطه الوحيد، ولم يضع لها حدودًا واضحة ولا قيودًا شرعية، فلن يقف عند حد معقول أبدًا. سيظل دائمًا يبحث بنهم عن الأجمل، والأحدث، والأكثر إثارة جنسية، في دوامة مدمرة لا تنتهي ولا تتوقف.

الحجاب: رفع حقيقي للقيمة الإنسانية

بالحجاب الشرعي الكامل، ترفض المرأة المؤمنة العاقلة بقوة أن تكون سلعة تجارية رخيصة معروضة في سوق النخاسة البصرية المعاصرة. ترفض بإباء أن تُقيَّم وتُحكم بمقاييس جسدية سطحية فقط، أو تُطلب لمجرد إشباع شهوة جنسية عابرة زائلة.

تقول بحجابها الشرعي بوضوح وقوة: من أرادني حقًا فليرِدني كاملة تامة، بعقلي وروحي وجسدي معًا، وليلتزم بي التزامًا كاملًا شرعيًا وأخلاقيًا، بالمهر الواجب والنفقة الدائمة والرعاية الكاملة والمسؤولية الثقيلة. ذاك الملتزم الجاد فقط هو من يستحق حقًا أن أبرز له جمالي كاملاً وأظهر له مفاتني تامة.

هذا ليس حرمانًا ظالمًا للمرأة من حقها، بل تكريم عظيم حقيقي لها. ليس تضييقًا قاسيًا عليها، بل حماية فعلية حكيمة لها من أن تُستغل بشرًا وتُستهلك كسلعة ثم تُهمل وتُرمى كخرقة بالية.

المرأة المحجبة الواعية تضع نفسها بحكمة في مكانة عالية رفيعة، لا يصل إليها كاملة إلا من يستحقها حقًا، ولا ينالها تامة إلا من يلتزم بها التزامًا كاملًا.

أما التي تبذل جمالها الجسدي ومفاتنها البدنية للجميع بلا تمييز، فإنها - شاءت ذلك أم أبت، أدركت أم لم تدرك - تخفض من قيمتها الحقيقية خفضًا واضحًا. تجعل من نفسها متاعًا مباحًا رخيصًا، ينظر إليه الجميع بشهوة، ويشتهيه الكثيرون بقوة، لكن لا يلتزم بها التزامًا جادًا إلا القليل النادر.

وحتى من يلتزم بها زواجًا، قد لا يدوم التزامه طويلًا، لأنه مبني في أصله على أساس هش ضعيف متزعزع: الإثارة الجسدية السطحية التي تخبو حتمًا مع مرور الزمن والأيام، وسيتذرع بسهولة بتطلعه الدائم لغيرها أنها لا تستحق أن يحصر رغبته الجنسية فيها وحدها ما دام أنها أظهرت شهوة التجمل والتزين لغيره من الرجال قبل زواجهما!

المحجبة: ذات قوة حقيقية وحرية صادقة

المرأة المؤمنة التي تختار الحجاب الشرعي بوعي وإرادة هي امرأة انتصرت على نفسها وهواها قبل أن تنتصر على ضغوط المجتمع القاسية وتيارات الإعلام الجارفة. قهرت بإرادة قوية شهوة التزيّن والظهور بأجمل صورة، تلك الشهوة القوية جدًا التي تدفع المرأة بفطرتها لإبراز جمالها الكامل وتلقّي الإعجاب والمديح من الآخرين.

لكنها بإيمان صادق اختارت طريقًا أسمى وأعلى: طريق العبودية الخالصة لله وحده، لا العبودية الذليلة للنظرات الشهوانية.

الثقة الحقيقية بالجمال

هذه المرأة المحجبة واثقة تمامًا من جمالها الحقيقي ثقة راسخة، لا تحتاج أبدًا إلى نظرات الإعجاب العابرة لتؤكد لها أنها جميلة وجذابة. لا تستجدي بذل المديح من العابرين، ولا تتسوّل الإطراء من الناظرين.

جمالها الحقيقي محفوظ مصون لمن يستحقه بالتزام حقيقي، مصون محمي عمّن لا يقدّره حق قدره. إنها ترفض بقوة وإباء أن تبذل نفسها الكريمة لمن ينظر إليها فقط بعين الشهوة الجنسية العابرة الزائلة، بينما يرفضها عقله وتفكيره كسيدة محترمة لبيته، وأمًا صالحة مربية لأبنائه، ومستحقةً حقيقية لالتزامه الشرعي والقانوني والأخلاقي الكامل، وصاحبةً وفية له أبد الدهر كله.

ترى بوعي تام أنها أكثر قيمة وأرفع شأنًا من أن ترتبط برجل رخيص يرضى بسهولة أن تَعرض زوجته مفاتنها الجسدية لغيره من الرجال؛ ذلك أن من رضي بسهولة أن تُعرض زوجته لغيره، رضي حتمًا للأخريات من النساء أن يعرضن مفاتنهن الجسدية له هو. ومن رضي بهذا وذاك معًا، فهو - في الغالب الأعم - متطلّع نهم لا يشبع أبدًا، باحث دائم لا يقنع بحال.

الحرية الحقيقية والقوة الصادقة

إن المحجّبة الواعية لا تعبأ أبدًا بتقييمات المجتمع المتقلّبة المتغيرة، ولا تخضع لضغوط الإعلام الجارفة الساحقة. إن شاع التبرّج في مجتمعها، وصار الحجاب غريبًا مستهجنًا، فهي الحرّة حقًا وصدقًا، لأنها اختارت بوعي وإرادة ما تراه خيرًا لها رغم كل الضغوط الهائلة والتحديات الكبيرة.

حرّة تمامًا من عبودية النظرات الشهوانية الذليلة، حرّة كاملًا من استجداء الإعجاب المذل والمديح الرخيص، حرّة صادقة من سوق التسليع البشري المعاصر. وهي القوية حقًا بكل معنى الكلمة، لأنها سبحت بقوة عكس التيار الجارف، ووقفت بثبات في وجه الموجة الكاسحة، وثبتت بصلابة حين تزعزع وسقط الكثيرون.

رسالة المحجبة للعالم

المحجّبة الواعية المؤمنة تقول للعالم كله بوضوح وقوة: أنا أكبر بكثير من أن أُختزل كلي في جسد مادي. أعمق بكثير من أن أُقيّم فقط بمظهر خارجي. أغلى وأكرم من أن أُعرض كسلعة تجارية رخيصة.

أنا أمَةُ الله وحده لا شريك له، أطيع أمره بكل رضا، وأرجو رضاه بكل قلبي، ولا أبالي بسخط من سخط علي، ولا بإعجاب من أُعجب بي.

لا أستجدي بذل نظرة الإعجاب العابرة ممن لم يثبت لي واقعًا وعمليًا أني أستحق فعلًا التزاماته الكاملة، ولا أستدر إطراء ومديحًا ممن ثارت فقط شهوته الجنسية العابرة الزائلة.

أنا للرجل النبيل الشريف الذي أعلى قيمتي الحقيقية بالتزامٍ جاد حقيقي دائم، والذي لم يرضَ على نساء المسلمين ما لا يرضاه عليّ أنا من التكشف والسفور والابتذال.

إذ إن من كان كذلك علمت يقينًا بأن اختياره لي اختيار حقيقي صادق، لا يقتصر فقط على جانب الشهوة الجنسية السطحية، على جانب ضعيف لا تزيده الأيام والسنون إلا ذبولًا واضحًا وفتورًا مؤلمًا.

بل اختارني من حيثيات راسخة تزيده الأيام والسنون معها قربًا ومحبة وتعلقًا. إن أخذ مني حاجته الجنسية لم يركلني ويرميني كما يفعل أهل الشهوة الحيوانية مع الدنيئات المبتذلات، وإنما يزداد حبه الحقيقي عمقًا ورسوخًا، ويتوقد قلبه أنسًا حقيقيًا وسعادة دائمة.

ذلك هو شأن الرجل النبيل الشريف الكريم الذي يجذبه الأول والأهم إلى المرأة دينها الصحيح وخلقها الكريم وعفتها الكاملة ونزاهتها الواضحة، ثم يأتي بعد ذلك كله جمالها الجسدي ورونقها الظاهري.

أنا للرجل النبيل الشريف الكريم، لا للرجل الحقير الدنيء الساقط.

هذه هي القوة الحقيقية الصادقة: أن تكون المرأة ما أراد الله تعالى لها أن تكون، لا ما يريد المجتمع الفاسد أو الإعلام المنحرف. أن تختار بوعي وإرادة طريق العفة والطهر والكرامة، في زمن الابتذال الفاضح والعري المخزي والسقوط الأخلاقي. أن تكون الذهب الثمين المصون المحفوظ في عصر الخزف الرخيص المنثور المكسور.

خاتمة: الحقيقة الكاملة عن الحجاب

بعد هذه الرحلة المفصلة في فهم حقيقة الحجاب الشرعي من جذوره وأصوله، نصل بوضوح تام إلى حقيقة كبرى لا مفر من الاعتراف بها والإقرار الصريح لها: الحجاب ليس قطعة قماش ثقيلة تُفرض بالقوة على المرأة المسكينة لقهرها وإذلالها، بل هو اختيار واعٍ حر للمؤمنة الصادقة التي فهمت قيمتها الحقيقية وأدركت كرامتها الكاملة.

رأينا بوضوح تام كيف أن الحجاب الشرعي امتحان حقيقي للعبودية الصادقة لله، يكشف بجلاء من تقدّم أمر الله الحكيم على هواها ورغبتها، ومن تقدّم رغبتها وهواها على أمر ربها وخالقها.

ورأينا بالتفصيل كيف أن فطرة الرجل الجنسية الطبيعية - التي لا ينكرها إلا مكابر جاهل أو مخادع كاذب - تجعل من الحجاب الشرعي ضرورة حقيقية لحماية المرأة الفعلية من أن تُختزل ظلمًا في جسد مادي يُشتهى فقط، بدلاً من أن تُقدّر وتُحترم كإنسان كامل له عقل وروح وكرامة.

وفهمنا بوضوح أن الحجاب الشرعي ليس قيدًا دائمًا ثقيلاً في كل وقت، بل حماية شرعية حكيمة عند الحاجة الحقيقية فقط. وأن المرأة مكفية المؤونة المالية كاملة شرعًا، فحجابها لا يمنعها أبدًا من حياة كريمة مستقرة سعيدة.

وأن الإسلام بهذا النظام الحكيم العادل يحمي المرأة حماية فعلية حقيقية من التسليع البشع والاستغلال الرخيص، ويرفع قيمتها الإنسانية رفعًا حقيقيًا عاليًا، ويحصر الوصول الكامل إليها والتمتع التام بها فيمن يلتزم بها التزامًا جادًا حقيقيًا دائمًا.

والمفارقة العجيبة الصارخة أن الذين يحاربون الحجاب بشراسة باسم "تحرير المرأة" و"حقوق المرأة" هم أنفسهم بالضبط الذين حوّلوها في الحقيقة إلى سلعة تجارية رخيصة تُعرض في كل مكان وتُستهلك بلا رحمة.

يريدونها "حرة" فقط لتكشف جسدها وتعري بدنها لتمتع أبصارهم الشهوانية، "قوية" فقط لتعرض مفاتنها الجسدية لإشباع شهواتهم الحيوانية، "متحررة" فقط من القيود الأخلاقية والضوابط الشرعية التي تحميها فعليًا من الاستغلال البشع والابتذال الرخيص.

أي تحرر زائف هذا الذي يجعل المرأة المسكينة عبدة ذليلة لنظرات الرجال الشهوانية وشهواتهم الحيوانية؟ أي قوة كاذبة هذه التي تجعلها سلعة معروضة رخيصة؟

أما المحجبة الحقة الواعية، فهي الحرة فعلاً وحقًا وصدقًا. حرة تمامًا من عبودية المجتمع الفاسد وضغوطه القاسية، حرة كاملاً من استجداء الإعجاب الرخيص والمديح الذليل، حرة صادقة من سوق النخاسة البشرية العصرية المقيتة.

هي القوية الحقيقية التي تسبح بشجاعة ضد التيار الجارف، والواثقة الصادقة التي لا تحتاج أبدًا إلى تأكيد جمالها بنظرات العابرين الشهوانية، والكريمة العزيزة التي تأبى بإباء أن تبذل نفسها الثمينة لمن لا يستحقها بالتزام جاد حقيقي.

في النهاية الواضحة، الحجاب الشرعي ليس مجرد حكم شرعي جاف يُطاع بلا فهم، بل هو منظومة إلهية متكاملة محكمة تحقق للمرأة كرامتها الحقيقية الكاملة، وللرجل استقراره النفسي والأخلاقي، وللمجتمع كله طهارته وعفافه ونظافته.

من فهم حكمته العظيمة وفلسفته العميقة التزم به عن قناعة راسخة ورضا كامل، ومن جهل حقيقته الواضحة وحِكمه البالغة حاربه بشراسة عن سوء فهم أو عن هوى متبع.

والمؤمنة الصادقة الواعية لا تنتظر أبدًا من المجتمع الفاسد أن يفهم حكمة الحجاب أو يقبله برضا. تلبس حجابها الشرعي وهي موقنة تمامًا أنها على الحق المبين، مطمئنة كاملاً أنها تطيع خالقها الحكيم، فخورة حقًا أنها اختارت بوعي وإرادة الصعب الشريف في زمن السهل المبتذل الرخيص.

تقول بلسان حالها وقالها بكل وضوح وقوة: هذا اختياري الحر، وهذه حريتي الحقيقية، وتلك كرامتي الكاملة. من شاء فليؤمن برضا، ومن شاء فليكفر بسخط. أما أنا فعبدة لله وحده لا شريك له، أطيع أمره بكل رضا، وأرجو رضاه بكل قلبي، ولا أبالي بما سواه من سخط الساخطين أو إعجاب المعجبين.

والله تعالى أعلم بما يصلح عباده، وهو الهادي إلى سواء السبيل.