· · 12 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

دلائل الإيمان بين الرؤية والبرهان: رد علمي على شبهة "لماذا ل

Article Summary

أما بعد، فإن من الأسئلة التي تتردد على ألسنة بعض الناس في زماننا هذا: "لو كان الله موجودًا حقًّا، وأراد منا الإيمان به، لأظهر نفسه لنا فنراه كما نرى الشمس والقمر". وهذا سؤال يستحقّ منا وقفة هادئة ومتأنية، لا لنقصي صاحبه أو نتهمه، بل لنكشف له عن الحقيقة بالحكمة والموعظة الحسنة، ولنبين له أن هذا الاعتراض وإن بدا منطقيًا له في ظاهره، فإنه يقوم على أسس مضطربة لا تصمد أمام النظر العقلي الدقيق.

أول الخطأ: حصر الوجود في المرئي

إن أول ما نلاحظه على هذا الاعتراض أنه يقوم على أساس خاطئ، وهو أن الوجود محصور فيما تدركه أعيننا. والعجيب أن من يقول هذا القول يناقض نفسه في كل لحظة من لحظات حياته، بل في كل علم من العلوم التي يدرسها أو يستفيد منها.

فهو يؤمن بوجود الجاذبية ولم يرها قط، وإنما رأى آثارها في الأجسام الساقطة والأجرام المتحركة. ولو طبق منطقه نفسه على الجاذبية لقال: "أنا لا أرى قوة تسحب الأشياء نحو الأرض، إذن لا توجد جاذبية، وما نراه من سقوط الأشياء مجرد وهم أو مصادفة". لكنه لا يقول ذلك، لأن آثار الجاذبية واضحة أمامه، والعقل يدله على وجود مؤثر وراء هذه الآثار.

وهو يؤمن بوجود الكهرباء ولم يبصرها بعينه، وإنما شاهد آثارها في الضوء والحرارة والحركة. بل إنه يثق في الكهرباء ثقة مطلقة، فيضغط على المفتاح ليضيء المصباح، ويشغل الجهاز ليعمل، ولا يتردد في ذلك لأنه لم ير الكهرباء بعينه. وهو يؤمن بوجود عقله ولم يلمسه بيده ولم يره بعينه، وإنما أدرك وجوده من خلال أفعاله وآثاره في التفكير والإدراك والتذكر.

بل إن الذرة التي هي أصل تكوين المادة كلها لم يرها أحد من الناس بعينه المجردة، ولا حتى بالمجاهر المتوفرة اليوم، وإنما اهتدى العلماء إليها من خلال آثارها وتفاعلاتها ونتائج تصادمها. وعلى هذا العلم الذي لم يقم على الرؤية المباشرة بُني صرح الكيمياء الحديثة بكل فروعها وتطبيقاتها، ومن خلاله صُنعت الأدوية والمواد التي نستعملها في حياتنا اليومية.

والأمثلة في هذا لا تحصى، فالموجات الصوتية والراديوية والمغناطيسية كلها غير مرئية، ومع ذلك نؤمن بوجودها ونبني عليها تقنياتنا وأجهزتنا. والخلايا الحية التي تكون أجسامنا لم تُكتشف إلا في القرون المتأخرة، فهل كان من عاش قبل اختراع المجهر محقًّا لو أنكر وجودها بحجة أنه لم يرها؟ بالطبع لا، بل كنا سنحكم عليه بقصور النظر وضعف الاستدلال.

كل هذا يدل على أن العقل السليم لا يشترط الرؤية المباشرة للإقرار بوجود الأشياء، بل يكفيه أن يرى آثارها الدالة عليها دلالة واضحة لا تقبل الشك. وهنا تأتي قاعدة عقلية مهمة قررها العلماء والفلاسفة على مر التاريخ: عدم رؤية الشيء لا يعني عدم وجوده، فقد يكون السبب في عدم الرؤية هو قصور في أدوات الإدراك أو طبيعة الشيء نفسه، لا نقص في الوجود.

الخطأ الثاني: اضطراب منطق الاشتراط

ولو سلمنا جدلًا بهذا الاشتراط، وقلنا: لو أظهر الله نفسه لنا، فإن أسئلة مهمة تطرح نفسها: كيف نميّز بين الخالق والمخلوق؟ وما هو المعيار الذي سنستخدمه للتأكد من أن ما نراه هو الخالق الحق وليس مخلوقاً عظيماً من مخلوقاته؟

إن أبصارنا محدودة القدرة، مخلوقة مقيدة، لا تطيق أن ترى من العظمة إلا قدرًا معينًا تنتهي إليه ولا تتجاوزه. فنحن نعجز عن التحديق في الشمس بأعيننا المجردة أكثر من ثوان معدودة، مع أن الشمس ليست إلا نجمًا متوسط الحجم في مجرتنا، وفي الكون نجوم أكبر منها بمئات وآلاف المرات. فكيف لو كانت أعظم من ذلك بكثير؟

بل إن الضوء الذي ينبعث من الانفجارات النووية قد يصيب العين بالعمى المؤقت أو الدائم، مع أن هذه الانفجارات لا تساوي شيئًا يُذكر من حجم الأرض التي نعيش عليها، فما بالك بما هو أعظم من ذلك بأضعاف مضاعفة؟

فإذا كان العقل يدلنا على أن عظمة الله فوق كلّ عظمة، وأبصارنا المحدودة لا تحتمل إلا قدرًا محدودًا من العظمة، فكيف يمكننا أن نتيقن أن ما نراه هو الخالق وليس مخلوقًا عظيمًا من مخلوقاته؟ ألم يخبرنا النبي ﷺ عن عظمة بعض المخلوقات فقال: «أُذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، أن ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام»؟ فتأمل هذه العظمة المذهلة لمخلوق واحد من مخلوقات الله، حتى تدرك أن رؤية العظمة وحدها لا تكفي للجزم بأنها عظمة الخالق.

إن هذا الاشتراط لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا، ولا يغني عن الحاجة إلى الدليل العقلي الذي يدل على وجود خالق عظيم لا حدود لقدرته، بل قد يوقعنا في لبس أكبر وحيرة أعظم.

شاهد من التاريخ: قصة تتكرر

وليس هذا الطلب جديدًا على تاريخ البشرية، فقد سمعناه من قبل، لكن في سياق يكشف لنا عن حقيقة الدافع وراءه في كثير من الأحيان. يحكي لنا القرآن الكريم أن فرعون حين جاءه موسى عليه السلام بالآيات البينات والمعجزات الواضحات، وأقام عليه الحجة بالقول والفعل، وأراه من الآيات ما يكفي للإيمان والتصديق، لم يكن رده إلا أن قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [القصص: 38].

فانظر كيف ختم فرعون طلبه بقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وهذا يدل على أنه لم يطلب الرؤية بحثًا عن الحق أو رغبة صادقة في الهداية، بل طلبها تعاليًا وسخرية ومكابرة، ليثبت لنفسه ولقومه أن دعوة موسى باطلة. لقد لبس ثوب طالب البرهان وهو في الحقيقة يستكبر عن أوضح البراهين ويفر من مقتضياتها.

والعجيب أن فرعون كان أمامه من الآيات والبراهين ما يكفي ألف عاقل للإيمان: العصا التي تتحول إلى ثعبان، واليد التي تخرج بيضاء من غير سوء، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وفلق البحر، وغير ذلك من الآيات العظيمة. لكنه مع كل ذلك أصر على العناد والاستكبار، وادعى أنه يحتاج إلى رؤية الله مباشرة ليؤمن.

وهكذا نجد أن كثيرًا ممن يطرحون هذا السؤال اليوم لا يطرحونه بحثًا صادقًا عن الحقيقة، بل فرارًا من التكليف الذي يترتب على الإيمان بوجود الله. فهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الإيمان بالله يعني الالتزام بأوامره ونواهيه، والخضوع لشريعته، وتغيير نمط الحياة ليوافق ما يرضيه سبحانه. فيبحثون عن أي عذر أو ذريعة تبرر لهم إعراضهم عن هذا الالتزام، ظاهرها طلب الدليل، وباطنها الهروب من التكليف.

الحكمة الإلهية في كون الله غيبًا

إن الله تعالى لم يجعل نفسه غيبًا عن أبصارنا عبثًا أو مصادفة، بل لحكمة بالغة تتناسب مع طبيعة الإنسان والغاية من خلقه. فالمطلوب من الإنسان ليس مجرد الإقرار بوجود الله إقرارًا شكليًا أو قسريًا، بل الإيمان به عن حب ورغبة واختيار. فمن آمن بوجود الله وأنه رب حكيم رحيم يدبر شؤون الكون بعدله ورحمته، فإنه يأتمر بأوامره ويجتنب نواهيه عن حب وانقياد. ومن كره الإيمان بوجود الله وتمنى أن يكون حرًا طليقًا لا رقيب عليه ولا حسيب، فإنه وإن أقر به لسانه خوفًا أو إكراهًا، فلن يطيعه قلبه ولن يخضع له في الباطن.

ولو أظهر الله نفسه للناس جميعًا إظهارًا لا يدع مجالًا للشك أو الإنكار، لأقروا به جميعًا إقرارًا قسريًا، حتى من يكره في قرارة نفسه أن يكون له إله يحاسبه على أعماله ويقيده بأوامره ونواهيه. وهذا الإقرار القسري ليس هو المطلوب، بل المطلوب هو الإيمان الاختياري الذي ينبع من محبة الإنسان لوجود خالق حكيم رحيم يدبر شؤون الكون بعدله وحكمته، ومن رغبته الصادقة في طاعته والتقرب إليه.

إن الله تعالى يريد من عباده أن يحبوه مع طاعتهم إياه. فمن أحب الإيمان بوجود الله ورغب في رحمته، فتح الله أمامه من الأدلة والبراهين ما يشفي صدره ويطمئن قلبه. ومن كره الإيمان بوجود الله وأعرض عنه، ترك الله له من الشبهات والذرائع ما يكشف عما في قلبه من إعراض وكراهية.

لهذا اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الله غائبًا عن الأبصار، والإيمان به حاضرًا في الفطر والعقول، بحيث يجد طالب الحق الصادق من الأدلة ما يشفي غليله ويروي عطشه، ويجد المعرض عن الحق من الذرائع والأعذار ما يكشف عما في قلبه من كراهية للالتزام والخضوع.

العقل فوق الحواس

إن من أعظم ما كرّم الله به الإنسان وميّزه به عن سائر المخلوقات هو العقل، وهو الأداة التي بها يعرف الحقائق ويميّز بين الحق والباطل، ويهتدي إلى الغيب من خلال الشاهد، وإلى ما لا يُرى من خلال ما يُرى. والعقل ليس مجرد تابع للحواس أو مكمل لها، بل هو أرفع منها مكانة وأقدر على إدراك الحقائق التي تعجز الحواس عن الوصول إليها.

فالحواس تدرك في الغالب الأشياء المادية المحدودة القريبة منها في المكان والزمان، أما العقل فإنه يدرك المعاني والحقائق المجردة، ويصل إلى قوانين عامة من أمثلة خاصة، ويستنتج وجود أشياء لم يرها من آثارها التي يراها. والذي يشترط رؤية الله بالعين ليؤمن به، إنما يعطل عقله عن أعظم وظائفه وأنبلها، وهي الاستدلال والتفكر والوصول إلى الحقائق الغيبية.

تخيل معي رجلًا جالسًا في بيته ليلًا والأبواب مغلقة، وفجأة سمع طرقًا واضحًا على الباب، فقال: "لن أفتح الباب ولن أصدق أن أحدًا يطرقه حتى أرى الطارق بعيني، فأنا لا أؤمن بوجود أحد وراء الباب ما لم أره رؤية مباشرة". أليس هذا الرجل معطلًا لعقله؟ أليس الأولى به أن يستدل بالطرق الذي يسمعه على وجود طارق وراء الباب؟ أليس من السفه أن يتجاهل الدليل الواضح بحجة أنه لا يرى مصدره؟

ولو قال له أحد: "ولكن هناك احتمالًا أن يكون الطرق صادرًا عن شيء آخر غير إنسان، كسقوط شيء أو حركة الريح"، لأجابه: "إن الطرق منتظم ومتكرر وله إيقاع يدل على قصد وإرادة، وهذا لا يصدر إلا عن فاعل عاقل". فهو هنا يستعمل عقله في تحليل الصوت الذي يسمعه ليستنتج منه طبيعة مصدره.

كذلك الأمر مع الله تعالى، فآثار قدرته وحكمته تملأ الكون من حولنا، وهي أوضح من طرق الطارق على الباب، والعقل السليم يهتدي إليه من خلال هذه الآثار، دون حاجة إلى رؤية مباشرة.

الطريق الواضح إلى المعرفة

إن الله تعالى لم يترك الناس في حيرة من أمرهم أو ظلمة من جهلهم، بل جعل لهم من الآيات والدلائل ما يكفي كل باحث صادق عن الحقيقة، وما يشفي صدر كل طالب منصف للهداية. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53].

فالآيات في الآفاق تشمل نظام الكون المبهر الذي يسير بدقة متناهية لا تختل أبدًا، والقوانين الثابتة التي تحكم حركة الأجرام والكواكب، والتوازن المعجز بين جميع عناصر الوجود من أصغر ذرة إلى أعظم مجرة. فالأرض تدور حول نفسها وحول الشمس بانتظام مذهل منذ زمن طويل للغاية، والشمس تشرق وتغرب في مواعيدها المحددة، والفصول تتعاقب بنظام ثابت، والليل والنهار يتبادلان بحكمة بالغة.

والآيات في الأنفس تشمل تعقيد الخلية الواحدة التي تحتوي على معلومات أكثر من أكبر مكتبة في العالم، وإعجاز الدماغ البشري الذي يحتوي على مئة مليار خلية عصبية مترابطة بشكل معقد يفوق أعقد الحاسوبات، وتناسق أجهزة الجسم في عمل واحد متكامل بحيث يضخ القلب الدم، وتتنفس الرئتان، وتهضم المعدة الطعام، وتفكر الأدمغة، كل ذلك في تناغم عجيب بلا إرادة منا أو شعور.

هذه الآيات أوضح من الشمس في رابعة النهار لمن كان له بصر وبصيرة، وأخفى من الليل المظلم لمن أعرض وتولى. وما ذاك إلا لأن الأمر ليس في قوة البصر أو حدة النظر، بل في صدق الطلب ونقاء القصد. فمن أحب من قلبه أن يعلم الحقيقة وراء هذا الكون، واتبع فطرته بأن هذا الكون المخلوق لا بدّ له من خالق وجد الأدلة في كل مكان ينظر إليه، في السماء وفي الأرض، في نفسه وفي الآفاق. ومن كره ذلك وتمنى أن يكون الكون بلا إله ولا رقيب، أعرض عن أوضح البراهين وأجلى الأدلة، حتى لو رأى الآيات البينات أمام عينيه مثل فرعون وملئه.

خاتمة: دعوة للتفكر والمراجعة

وفي الختام، ندعو كل من يطرح هذا السؤال إلى أن يراجع نفسه بصدق وينظر في أعماق قلبه بصراحة، وأن يسأل نفسه هذه الأسئلة المهمة: هل أنا أطلب الرؤية بحثًا صادقًا عن الحقيقة، أم فرارًا من تبعاتها؟ وهل أنا مستعد فعلاً لأن أؤمن وأطيع لو ثبت لي وجود الله، أم أنني أبحث عن أي عذر يبرر لي إعراضي؟

وليسأل نفسه أيضًا: إذا كنت لا أنكر وجود الجاذبية وأنا لا أراها، ولا أنكر وجود الكهرباء وأنا لا أشاهدها، ولا أنكر وجود عقلي وأنا لا ألمسه، ولا أنكر وجود الذرات والموجات والقوانين الفيزيائية وأنا لا أبصرها، بل أبني عليها حياتي كلها وأثق فيها ثقة مطلقة، فلماذا أنكر وجود خالق قد ملأت آثار صنعته وحكمته وقدرته كل شيء من حولي؟

إن العاقل هو الذي يتبع الدليل أينما قاده، ولا يعطّل عقله عن وظيفته الأساسية في التفكر والاستدلال. والحقيقة واضحة وضوح الشمس لمن أراد أن يراها، والطريق إليها مفتوح ومعبّد لمن أراد أن يسلكه بصدق وإنصاف. فالله تعالى لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعًا إلى الحقّ المبين، وأن يفتح على قلوبنا وعقولنا من أنوار المعرفة ما يزيدنا به إيمانًا ويقينًا، وأن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العلم التجريبي والإيمان: تكامل لا تضاد - رد علمي على شبهتي "العلم التجريبي يُغني عن الإيمان بالله" و"الله أعظم من أن يهتم بالإنسان"

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

أما بعد، فإن من الشبهات التي تثار في عصرنا الحديث، عصر الاكتشافات العلمية والتقدم التقني، شبهتين متقابلتين في الظاهر لكنهما تلتقيان في الهدف. تقول الأولى: "العلم التجريبي الآن يفسّر كل الظواهر الطبيعية بأسبابها المادية، فلا حاجة لفرضية الإله". وتقول الثانية: "الله أعظم من أن يهتم بأفعال الإنسان الضئيل في هذا الكون الشاسع".

وهاتان الشبهتان وإن بدتا متناقضتين، فإنهما تسعيان إلى هدف واحد: التخلص من التكليف الإلهي والهروب من المسؤولية. الأولى تنفي وجود المكلِّف، والثانية تنفي عناية المكلِّف. وكلاهما تقوم على أخطاء منطقية وعلمية واضحة، نحتاج إلى كشفها وبيان الحق فيها.

الشبهة الأولى: "العلم التجريبي يُغني عن الإيمان بالإله"

يقول أصحاب هذه الشبهة: "العلم الحديث يفسر جميع الظواهر الطبيعية بأسبابها المادية الواضحة. المطر ينزل بسبب تبخر المياه وتكاثف البخار، والمرض يحدث بالفيروسات والبكتيريا، والزلازل تحدث بحركة الصفائح التكتونية، والوراثة تتم عبر الجينات والحمض النووي. إذن لا حاجة للقول بأن الله هو الذي ينزل المطر أو يرسل المرض أو يحرك الأرض، فالعلم التجريبي كفيل بتفسير كل شيء دون الحاجة للإيمان بالإله".

وهذه الشبهة في ظاهرها قد تبدو منطقية لقاصر النظر، خاصة لمن ينظر إلى التقدم العلمي المذهل الذي حققه الإنسان في فهم قوانين الطبيعة وآليات عملها. لكن عند التأمل نجد أنها تقوم على أخطاء استدلالية خطيرة تجعلها تنهار أمام النظر العقلي السليم.

الخطأ الأول: خلط مستويات التفسير

إن أخطر ما في هذه الشبهة أنها تخلط بين مستويات مختلفة من التفسير، وتظن أن الإجابة على سؤال واحد تُغني عن الإجابة على الأسئلة الأخرى. وهذه المستويات هي:

مستوى "الكيف": كيف تحدث الظاهرة؟ ما هي الآلية التي تعمل بها؟ مستوى "من أين": من أين جاءت هذه الآلية؟ من وضع هذا القانون؟ مستوى "الغاية": لماذا حدثت هذه الظاهرة؟ ما الحكمة منها؟

فمثلاً، عندما نسأل: "كيف يعمل المصباح؟" فالجواب: "بالكهرباء التي تمر في أسلاك معينة فتسخن الفتيلة فتضيء". هذا يجيب على سؤال الكيفية. لكن عندما نسأل: "من صنع هذا النظام الكهربائي؟" فالجواب: "المهندس". وعندما نسأل: "لماذا صنعه؟" فالجواب: "ليضيء الناس فيروا ما حولهم". وعندما نسأل: "لماذا أراد المهندس أن يساعد الناس؟" فقد تكون الإجابة: "للكسب المادي، أو للنفع الإنساني، أو لتخليد الذكر".

كذلك الأمر مع الظواهر الطبيعية، فقولنا إن المطر ينزل بتبخر الماء وتكاثف البخار يجيب على سؤال "كيف؟"، لكنه لا يجيب على أسئلة: من وضع قانون التبخر؟ من صمم دورة المياه بهذه الدقة؟ من ضبط درجات الحرارة والضغط بالشكل المناسب؟ لماذا وُجدت هذه الآلية أصلًا؟

الخطأ الثاني: مغالطة الخيار الخاطئ

تقوم هذه الشبهة على مغالطة منطقية تُسمى "مغالطة الخيار الخاطئ"، حيث تضع أمامنا خيارين لا ثالث لهما: "إما العلوم التجريبية وإما الإيمان بالله". وهذا تضييق باطل، لأن العلوم التجريبية والإيمان بالله يجيبان على أسئلة مختلفة ولا يتعارضان:

العلوم التجريبية تجيب على أسئلة: كيف؟ متى؟ أين؟ بأي آلية؟ الإيمان يجيب على أسئلة: مَن الخالق؟ لماذا خلق الخلق؟ ما الحكمة؟ ما المعنى؟

فالعالم الذي يكتشف قانون الجاذبية يجيب على سؤال "كيف تسقط الأشياء؟"، والمؤمن الذي يقول "الله خلق الجاذبية" يجيب على سؤال "من وضع هذا القانون؟". ولا تعارض بين الجوابين، بل هما متكاملان.

الخطأ الثالث: الخلط بين السبب والمسبِّب

إن أصحاب هذه الشبهة يقعون في خطأ خطير، وهو ظنهم أن اكتشاف السبب المباشر يُلغي المسبِّب الأول. وهذا كمن عرف كيف تعمل ماكينة السيارة فادعى أنه لا حاجة إلى صانع للسيارة!

فالمطر فعلًا ينزل بسبب التبخر والتكاثف، هذا صحيح. لكن من خلق قانون التبخر؟ من صمم هذه الدورة المائية المعجزة؟ من ضبط درجات الحرارة والضغط الجوي بحيث تعمل هذه الآلية بانتظام مذهل منذ مليارات السنين؟

والمرض فعلًا يحدث بالفيروسات والبكتيريا، لكن من خلق هذه الكائنات الدقيقة؟ من وضع القوانين التي تحكم تفاعلها مع الجسم البشري؟ من صمم جهاز المناعة المعقد الذي يحارب هذه الفيروسات؟

إن اكتشاف الآلية لا يُلغي وجود من وضع الآلية، بل يزيد من إعجابنا بحكمة الواضع وقدرته.