لا تعارض في الإسلام بين العلم التجريبي والإيمان
Article Summary
إن من أعظم ما يميز الرؤية الإسلامية للكون أنها لا ترى أي تعارض بين الإيمان بالله تعالى وبين دراسة الأسباب الطبيعية واكتشافها. فالقرآن الكريم والسنة النبوية لا يدعوان المؤمن إلى إنكار القوانين الطبيعية أو تجاهل الأسباب المادية، بل على العكس تمامًا، يؤكدان أن هذه الأسباب والقوانين هي من صنع الله وتدبيره.
هذا المنهج الإسلامي الحكيم يحل الإشكال الوهمي الذي تطرحه الشبهة، إذ لا يوجد في الأساس تناقض بين العلم التجريبي والإيمان في المنظور الإسلامي. فعندما يكتشف العالم قانونًا طبيعيًا أو يفهم آلية كونية، فإن هذا في نظر المؤمن لا يُلغي دور الله بل يؤكد عظمته وحكمته في خلق هذا النظام المحكم.
الإسلام يدعو إلى البحث العلمي
بل إن الإسلام يدعو صراحة إلى التأمل في الكون والبحث في أسراره، ويعتبر ذلك عبادة من أجل العبادات وطريقًا مشروعًا لمعرفة الله تعالى. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١].
ويقول أيضًا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. ويقول: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١].
هذه الآيات الكريمة تجعل دراسة الكون والتفكر في قوانينه وظواهره مطلبًا إيمانيًا أصيلًا، وليس مجرد نشاط دنيوي. لذلك نجد أن كثيرًا من العلماء المسلمين عبر التاريخ كانوا في المقدمة في مختلف المجالات العلمية، لأن إيمانهم لم يكن عائقًا أمام البحث العلمي بل كان أقوى دافع له.
موقف العالم المؤمن
هذا الفهم الصحيح يجعل موقف العالم المؤمن موقفًا منطقيًا متسقًا خاليًا من التناقض. فهو يدرس الأسباب ويؤمن بمسبب الأسباب، ويكتشف القوانين ويؤمن بواضع القوانين، ويفهم الآليات ويؤمن بصانع الآليات، دون أن يرى في ذلك أي تعارض أو اضطراب.
بل إن كل اكتشاف علمي جديد يزيد المؤمن إيمانًا وتسبيحًا لربّه جلا وعلا، لأن هذ الاكتشاف العلمي يكشف له جانبًا جديدًا من عظمة الخالق وحكمته. فكلما ازداد علمه بدقة النظام الكوني وتعقيده وإتقانه، ازداد يقينه بأن وراء هذا النظام خالقاً حكيمًا عليمًا قديرًا.
الشبهة الثانية: "الله أعظم من أن يهتم بالإنسان"
يقول أصحاب هذه الشبهة: "كيف يمكن لله العظيم، الذي خلق الكون الشاسع بمجراته وكواكبه التي لا تُحصى، أن يهتم ويعبأ بأقوال وأفعال الإنسان الضئيل على هذا الكوكب الصغير؟ أليس من المنطقي أن يكون الله أكبر من أن يشغله ما يقوله أو يفعله البشر في حياتهم اليومية البسيطة؟ فما قيمة كلمات وتصرفات الإنسان أمام عظمة الخالق التي لا حد لها؟"
وهذه الشبهة تبدو في ظاهرها تعظيمًا لله تعالى، لكنها في حقيقتها تقوم على فهم خاطئ لمعنى العظمة الإلهية، وتؤدي إلى نتائج تتناقض مع العدل والحكمة.
الخطأ الأول: الانطلاق من دعوى غير مبرهنة
تقوم هذه الشبهة على افتراض أساسي غير مبرهن، وهو أن قيمة الأشياء تُقاس بحجمها المادي فقط. فتقول: بما أن الإنسان صغير الحجم بالنسبة للكون، إذن هو غير مهم، وأقواله وأفعاله غير مهمة.
وهذا خطأ كبير لسببين واضحين:
أولًا: لا دليل على هذا الربط بين الحجم والقيمة. من قال إن الصغير غير مهم؟ هذا مجرد افتراض بلا برهان، بل الواقع يدل على عكسه.
ثانيًا: الواقع المشاهد يخالف هذا الافتراض تمامًا. فالألماسة الصغيرة أغلى من الصخرة الكبيرة، والفكرة العبقرية قد تأتي من طفل صغير فتغير مجرى التاريخ، والفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة قد يؤثر على حياة الملايين. إذن فقيمة الأشياء ليست في أحجامها المادية، بل في خصائص أخرى كالنفع والضرر والحكمة والمعنى.
الخطأ الثاني: التركيز على صفة العظمة وتجاهل باقي الصفات
تقع هذه الشبهة في خطأ منهجي آخر، وهو حصر الكمال الإلهي في صفة العظمة فقط، وتجاهل باقي صفات الكمال المطلق التي يتصف بها الله تعالى.
فالله سبحانه ليس عظيمًا فقط، بل له صفات كمال أخرى كثيرة، منها: العدل المطلق، والحكمة التامة، والرحمة الواسعة، والعلم المحيط، والقدرة الشاملة. وهذه الصفات تقتضي أمورًا مختلفة عما يتوهمه صاحب الشبهة.
فالعدل الإلهي يقتضي معاقبة الظالم ومكافأة المحسن، والحكمة تقتضي عدم ترك الأمور بلا نظام أو حساب، والرحمة تقتضي هداية الخلق وإرشادهم إلى الخير. فكيف يمكن أن تتحقق هذه الصفات إذا كان الله لا يعبأ بأفعال عباده؟
الخطأ الثالث: جعل ترك المحاسبة كمالًا
هذه الشبهة تؤدي إلى أمر عجيب، وهو أن الصحيح في تصور أصحابها أن يترك الخالق الأخيار والأشرار يتصارعون في هذه الحياة، ثم يكونوا جميعاً سواسية في النهاية! وهذا باطل من وجوه عديدة:
أولًا: إنه قلب للحقائق، إذ جعل عقاب الله للظالمين نقصًا، بينما النقص باتفاق العقلاء هو في ترك الظالم دون عقاب والمحسن دون جزاء.
ثانيًا: من سينتصر للمظلومين إذا كان الله لن يحاسب المعتدين؟ من سيجازي المحسنين إذا لم يكن هناك حساب؟ إن هذا يعني إقرار الظلم وتكريس الفساد.
ثالثًا: إن أصحاب هذه الشبهة أنفسهم إذا رأوا البلاء والشر واقعًا على من يحبون صرخوا قائلين: "أين العدالة؟ أين الله؟"، أما إذا تعلق الأمر بأقوالهم هم وأفعالهم فإنهم يرفعون هذه الشبهة في وجه من ينذرهم! وهذا تناقض فاضح ينم عن أن مثار هذه الشبهة هو الهوى والرغبة في التملص من التكليف، لا البحث الجاد عن الحقيقة.
حقيقة التكليف والحكمة منه
التملص من المسؤولية
إن هذه الشبهة تكشف عن تناقض عجيب في منطق أصحابها، وهو أنهم في الحقيقة لا يريدون أي تكليف من الله، ويبحثون عن أي مبرر للهروب من المسؤولية:
فهم يستصغرون أن يكلف الله الإنسان بأعمال تناسب حجمه وقدراته كالصلاة والصيام والصدق والعدل والإحسان، ويقولون: "كيف يشغل الله العظيم نفسه بهذه الأمور الصغيرة؟"
ولكن لو كلف الله الإنسان بأن يصنع كوكبًا، أو يحرك الشمس من مكانها، أو يخلق نجمًا من العدم، لقالوا: "هذا تكليف بما لا يُطاق، والله عادل لا يكلف نفساً إلا وسعها!"
فهم إذن في حيرة مفتعلة:
- إن كان التكليف بالمقدور عليه، استصغروه واستحقروه.
- وإن كان التكليف بالمستحيل، استنكروه ورفضوه.
وهذا يدل على أن الإشكال ليس في طبيعة التكليف أو نوعه، بل في نفوسهم التي تريد أن تتملص من أي تكليف أصلاً، فتبحث عن أي مبرر أو ذريعة للفرار من المسؤولية والالتزام.
الحكمة في التكليف المناسب
والحقيقة أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكلف كل مخلوق بما يناسب طبيعته وقدراته، وهذا عين العدل والحكمة:
فالملائكة كُلفوا بما يناسب طبيعتهم الملائكية من تسبيح وتقديس وتنفيذ أوامر الله. والإنسان كُلف بما يناسب طبيعته البشرية من عبادة وعمل صالح وعمارة للأرض بالخير. والحيوان سُخر لخدمة الإنسان بما يناسب طبيعته الحيوانية.
فلكل مخلوق دور يناسبه، وتكليف يناسب قدراته، وهذا هو النظام الحكيم الذي وضعه الخالق العليم.
العظمة الحقة تقتضي الإحاطة الكاملة
معنى العظمة الإلهية الحقة
إن العظمة الإلهية الحقة لا تعني الغفلة عن التفاصيل أو عدم الاكتراث بأعمال العباد، بل على العكس تمامًا، تعني الإحاطة الكاملة بكل شيء، والعلم بكل تفصيل، والقدرة على متابعة كل أمر مهما صغر أو كبر.
فالملك العظيم في الدنيا هو الذي يدير مملكته بإتقان، ويعرف أحوال رعيته، ويعدل بينهم، ويحاسب المقصر ويكافئ المحسن. أما الملك الذي يهمل شؤون مملكته ولا يبالي بأحوال رعيته، فهذا ملك ناقص عاجز.
فكيف بملك الملوك سبحانه؟ إن عظمته الحقة تقتضي إحاطته بكل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
العدل والحكمة يقتضيان المحاسبة
إن عدل الله وحكمته يقتضيان ألا يترك أعمال العباد دون حساب أو جزاء، فيستوي المحسن والمسيء، والظالم والمظلوم، والصادق والكاذب. إن هذا ينافي العدل المطلق الذي هو من صفات الكمال الإلهي.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
هذه الآيات تؤكد أن من العدل الإلهي عدم تسوية المحسن بالمسيء، والمؤمن بالكافر، والطائع بالعاصي. وهذا يقتضي حتماً المحاسبة والجزاء.
خاتمة: التسليم للحكمة الإلهية
وبعد هذا التحليل يتبين لنا أن هاتين الشبهتين، رغم اختلافهما الظاهري، تنطلقان من مغالطات متعددة وتهدفان إلى غاية واحدة وهي التملص من التكليف الإلهي.
الشبهة الأولى تحاول إنكار وجود المكلِّف أصلًا، بدعوى أن العلم أغنى عن الله، وهذا خطأ منطقي واضح يقوم على خلط مستويات التفسير المختلفة.
والشبهة الثانية تحاول إنكار اهتمام المكلِّف بالمكلَّفين، بدعوى أن عظمة الله تمنع من اهتمامه بأفعال البشر، وهذا فهم خاطئ لمعنى العظمة الإلهية الحقة.
والحقيقة أن الموقف الصحيح هو التسليم لحكمة الله تعالى، والإيمان بأن كل ما خلقه وشرعه إنما هو لحكمة بالغة قد ندرك بعضها وقد يخفى علينا بعضها الآخر. وأن عظمة الله الحقة تقتضي إحاطته بكل شيء، ومراقبته لكل عمل، ومحاسبته لكل نفس بما كسبت، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يفوته شيء في الأرض ولا في السماء.
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىٰ وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠].
نسأل الله تعالى أن يهدينا لفهم دينه الصحيح، وأن يجعلنا من المؤمنين الذين يسلمون لحكمته ويثقون في عدله، وأن يوفقنا للعمل بما يرضيه في القول والعمل.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحكمة الإلهية ومشكلة الشر: رد علمي على شبهة "لو كان الله رحيمًا لما وُجد الشر في العالم"
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فإن من الأسئلة التي تشغل بال بعض الناس، خاصة عند المصائب والأزمات: "لو كان الله موجودًا حقًّا، وكان رحيمًا كامل القدرة، فلماذا يوجد الشر في العالم؟ ولماذا يصيب الأبرياء من الآلام والمصائب ما يصيبهم؟". وهذا سؤال يخطر على بال بعض الناس حين يرى الظلم والمعاناة من حوله، لكن الخطأ يكمن في استخدام هذا السؤال المشروع كدليل على نفي وجود الله تعالى، أو الطعن في كمال صفاته.
إن هذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها منطقية ومقنعة، فإنها تقوم على أخطاء منهجية ومنطقية كبيرة، تجعلها تتهاوى أمام النظر العقلي الدقيق والتأمل الصادق. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة هادئة ومنصفة، نكشف فيها عن مواطن الخلل، ونبين الحكمة الإلهية البالغة في تدبير هذا الكون.
الخطأ الأول: مغالطة التناقض الزائف
إن أول ما نلاحظه على هذه الشبهة أنها تقوم على خطأ منطقي يُسمى في علم المنطق "مغالطة التناقض الزائف"، حيث يفترض صاحب الشبهة أن أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إما إله كامل بلا شر في العالم، أو شر في العالم بلا إله. وهذا تضييق باطل للخيارات، لأن العقل السليم يقبل تمامًا وجود إله كامل حكيم رحيم، ومع ذلك يخلق عالمًا فيه ابتلاءات ومحن، وذلك لحكم عليا قد ندرك بعضها وقد يخفى علينا بعضها الآخر.
فالطبيب الماهر قد يقطع عضوًا من المريض أو يشقّ جسده بالمشرط، وهذا في ظاهره إيذاء وإيلام، لكن الطبيب يفعل ذلك رحمة بالمريض وحرصًا على شفائه. فهل يقول عاقل أن هذا الطبيب ليس رحيمًا لأنه أوجع المريض؟ أم أن العقل يدرك أن الرحمة الحقيقية قد تستلزم أحياناً ما يبدو في ظاهره قسوة؟
وكذلك الوالد الحكيم قد يمنع ولده من بعض ما يشتهيه، أو يؤدبه إذا أخطأ، وهذا قد يؤلم الطفل في اللحظة الراهنة، لكن الوالد العاقل يعلم أن هذا المنع أو التأديب هو عين الرحمة والحكمة في التربية. فهل نقول أن هذا الوالد ليس رحيمًا بولده؟
الخطأ الثاني: المصادرة على المطلوب
ومن الأخطاء المنطقية الأساسية في هذه الشبهة أنها تصادر على المطلوب، أي تفترض صحة ما تريد إثباته ثم تبني عليه النتيجة. فهي تفترض ابتداءً أن وجود الشر يناقض وجود إله رحيم حكيم، ثم تستنتج من هذا الافتراض غير المبرهن أن الله لا وجود له. وهذا عين المصادرة على المطلوب، لأنها تبني نتيجتها على افتراض لم تثبته، وهو أن وجود الشر في العالم لا يمكن أن يكون له وجه حكيم في تدبير الله تعالى.
والصحيح أن نقول: إن وجود الشر في العالم يحتاج إلى تفسير وفهم لحكمته، لا أن نجعله دليلًا على نفي وجود الخالق الحكيم. فالعقل السليم يحتاج إلى فهم الحكمة من الابتلاء، لا أن ينكر وجود الذي ابتلاه جل وعلا.
الخطأ الثالث: النتيجة غير اللازمة
ومن عجائب هذه الشبهة أنها حتى لو سُلم بها جدلًا، فإنها لا تفضي منطقيًا إلى نفي وجود الله تعالى، بل غاية ما يمكن أن تدعيه هو التشكيك في بعض صفاته كالرحمة أو الحكمة. وهذا وحده كافٍ لإسقاط الشبهة من أساسها، لأن من يشكك في مهارة الطبيب لا يُعد منكراً لكونه طبيبًا، ومن لا يفهم تصرف المهندس لا يحق له أن ينكر كونه مهندسًا.
فكيف يصحّ أن ننكر وجود الله تعالى لمجرد أننا لم نفهم الحكمة من بعض تقديراته؟ إن هذا لمن أعجب المنطق وأغربه، فكأننا نقول: لما لم أفهم تصرف الطبيب، فلا يوجد طبيب أصلًا! ولما لم أدرك حكمة المهندس، فلا يوجد مهندس أساسًا!
لا تهدر المعلوم من أجل المجهول
إن من أساسيات العقل السليم أن نبني على ما نعلم، ولا نهدم اليقين من أجل ما نجهل. فلو رأيت طبيبًا يشق جسد المريض وتنزف الدماء، فهل يحق لك أن تنكر طبه ورحمته لمجرد أنك لا تفهم ما يفعل؟ ولو تعطلت قطعة في سيارتك ولم تعرف وظيفتها، فهل يحق لك أن تنكر أن لها وظيفة أو أن تخرجها من السيارة؟
فلماذا إذن حين نرى شرًا لم نفهم حكمته، ننكر وجود الله أو حكمته؟ بل كيف نحاكم خالق عقولنا بعقولنا التي هو أعلم بحدودها وقدراتها منا؟
إن الإيمان بالله تعالى ليس مبنيًا على فهم حكمة واحدة أو موقف واحد، بل على دلائل كثيرة متنوعة: في أنفسنا وفي الآفاق، في إعجاز خلقنا وبديع صنع الكون من حولنا، في صدق الوحي والرسالة، في شهادة الفطرة والعقل. أفكل هذا يُترك ويُهدم فقط لأننا لم نفهم لماذا وقع هذا المرض، أو تألم ذاك الطفل؟
إننا نعيش بهذا المنطق السليم في حياتنا اليومية: نسلم لخبراء الطب والهندسة والعلوم المختلفة، ونحن لا نحيط بتفاصيل أعمالهم أو ندرك حكمة كل تصرفاتهم. فلم نسلم للخلق فيما يفعلون في تخصصاتهم التي نجهلها، ونرفض التسليم للخالق الذي هو أعظم منهم وأكمل وأحكم؟
لقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة النفسية، حيث وصف صنفاً من الناس يعبدون الله على حرف، أي على تردد وليس على يقين راسخ، فإن أصابهم خير اطمأنوا واستقروا، وإن أصابتهم فتنة أو بلاء انقلبوا على وجوههم وتركوا الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
فتأمل كيف وصف الله تعالى هذا الموقف بأنه خسران مبين، لأن صاحبه لم يكسب شيئًا من موقفه هذا: فلا إنكاره لوجود الله أبطل دلائل وجوده وكماله، ولا رفع الشرور من هذا العالم، بل على العكس زاد من شرور العالم كما سنبين بعد قليل.