التناقض الفج: إنكار وجود الله يستلزم إنكار وجود الشر
Article Summary
ومن أعجب التناقضات في هذه الشبهة أن صاحبها ينفي وجود الله بحجة وجود الشر، مع أن هذا النفي لو التزمه حقًّا لاستلزم نفي الشر ذاته! وهذا تناقض فج لا يخفى على ذي عقل.
إذ إن ما يسميه صاحب الشبهة "شرًّا" من كوارث طبيعية وأمراض وموت وغيرها، هو في التصور الإلحادي مجرد مخرجات طبيعية لقوانين الكون الصماء التي لا تقصد الإنسان ولا ترعى وجوده، وبالتالي لا تعبأ بآلامه أو مشاعره. فكل ما يحصل في الكون بهذا التصور جار على وفق طبيعة الكون نفسه، وقوانين الكون تجري على الكوارث والأمراض كما تجري على حركة الرياح وجريان الأنهار، فلا معنى لوصف شيء منها بأنه "شر" حقيقي.
وأما ما يُسمى شرورًا بشرية كالجريمة والظلم والاعتداء، فهذه أيضًا لا يمكن وصفها بأنها "شر" حقيقي في ظل التصور الإلحادي، وذلك لأسباب ثلاثة واضحة:
أولها: أن مآل الناس جميعًا في هذا التصور هو العدم المحض، فلا معنى حينئذ لأن يُفضل الصالح على الطالح، أو المحسن على المسيء، ما دام أن المآل واحد والنهاية واحدة. فالذي يُقتل ظلمًا والذي يموت على فراشه، والذي يعيش في رغد والذي يعيش في شقاء، كلهم سيؤولون إلى التراب، فأي فرق بينهم في النهاية؟
وثانيها: أن مصلحة القوي تبيح له في هذا التصور سحق الضعفاء إذا أمن العاقبة، فلا موجب عقلي يلزمه بكبح جماحه أو التضحية بمصالحه الذاتية من أجل من لا قيمة حقيقية لوجودهم أصلًا في منظومة كونية عمياء لا تعرف الهدف ولا الغاية.
وثالثها: أن التصور الإلحادي لا يعترف بوجود معيار أخلاقي أعلى من الإنسان، بل الإنسان نفسه هو الحكم في تحديد الخير والشر. وإذا اختلف الناس في تعريف "الشر" و"الخير"، فليس هناك مرجع أعلى يُرجع إليه للفصل بينهم، فتكون حينئذ الأخلاق كالأذواق، لا يحق لأحد أن ينكر رأياً فيها كما لا يحق لأحد أن ينكر على الآخر لونه المفضل أو طعامه المحبب.
وهكذا يتبين أن من أنكر الله تعالى فقد أنكر المرجع الأخلاقي الأعلى الذي يمكن في ضوئه تعريف الخير والشر، ثم عاد يحتج بوجود الشر الذي لا يمكن تعريفه أصلاً من دون هذا المرجع. إنه يحتج بمفهوم لا معنى له في منظومته الفكرية، ويقوض حجته بيده وهو لا يدري.
التصور الإسلامي لمسألة الشر
الإسلام لا يكتفي بنقض هذه الشبهة الواهية، بل يقدم تصورًا شاملًا ومحكمًا لمعنى الشر ومكانته في هذا الكون، تصوراً يجلي الحكمة الإلهية في مجريات الأحداث، ويهدي العقل والقلب سواء السبيل.
الشرور التي تقع بفعل الإنسان
أما الشرور التي تقع بفعل الإنسان كالجريمة والظلم والاعتداء، فالإسلام يقرر أنها ثمرة مباشرة لاختيار الإنسان، الذي وهبه الله إياه وابتلاه به. قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
فالإنسان في التصور الإسلامي ليس آلة مسيرة أو روبوتًا مبرمجًا، بل مخلوق مكلف عاقل مختار، يتحمل مسؤولية أفعاله الكاملة، ويُحاسب على اختياراته، وتُقام عليه الحجة ببيان الحق وإرسال الرسل وإنزال الكتب. ومن رحمة الله تعالى وحكمته أن شرع الشرائع وأنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط والعدل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
فالشر الذي يصدر من الإنسان ليس دليلاً على عدم وجود الله أو قلة رحمته، بل هو دليل على عدل الله وحكمته في منح الإنسان الاختيار، وابتلائه بهذه المسؤولية. ولولا وجودها لما كان للثواب والعقاب معنى، ولما كان للتكليف فائدة، ولما تميز المحسن من المسيء.
الشرور الخارجة عن إرادة الإنسان
وأما الشرور الخارجة عن فعل الإنسان وإرادته، كالمرض والموت والزلازل والكوارث الطبيعية، فإن الإسلام يضعها ضمن دائرة الحكمة الإلهية التي لا يحيط بها عقل محدود، لكنها تتجلى في آثارها وثمارها العظيمة:
فهي أولاً ابتلاء واختبار، يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجازع. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]. فالابتلاء يكشف معادن الناس ويظهر حقائقهم، ويرفع درجات الصابرين المؤمنين.
وهي ثانياً تذكرة وموعظة، يوقظ الله بها الغافلين ويذكر بها المعرضين، لأن الإنسان بطبعه ينسى ربه في الرخاء ويتذكره في الشدة. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقال: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢].
وقد تكون ثالثاً عقوبة عادلة على الظلم والطغيان والفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥]. وقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
وهي رابعاً تطهير ورفعة، فالمصائب تكفر السيئات وترفع الدرجات للمؤمنين الصابرين. قال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». [البخاري: 5462، ومسلم: 2573].
وهي خامسًا محدودة مؤقتة، مقصورة على هذه الحياة الفانية القصيرة، أما في الآخرة فللمؤمنين الصابرين وعد الله الصادق: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧].
وبهذا المنهج الرباني الحكيم، يتحول الشر إلى باب من أبواب الخير، والمصيبة إلى طريق للتزكية والرفعة، والبلاء إلى سبب للنجاة والفوز. قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].