الخاتمة: الحقيقة الناصعة في موضوع الغنائم
Article Summary
وهكذا يتبين لنا أن شبهة "وجود الشر" ليست في حقيقتها دليلًا على نفي وجود الله تعالى، بل هي دليل على اضطراب الفهم وسوء استخدام العقل. فالشر لا يُفهم حقيقة إلا إذا قورن بالخير، ولا يُستنكر إلا إذا افترضنا وجود ميزان أخلاقي أعلى للحكم، وهذا الميزان لا يستقيم وجوده إلا بوجود الخالق العليم الحكيم الذي وضعه.
وإذا كان بعض الشرور لم تتضح لنا حكمتها بعد، فإن العقل الرشيد لا يهدم أصل الإيمان لأجل ما لم يحط به علماً. من الحمق أن يكذب الإنسان بالبناء كله لأنه لم يفهم شكل لبنة واحدة، أو يرفض النور لأنه أُعمي لحظة من الزمن.
إن تفسير الإسلام لوجود الشر - سواء ما كان بفعل الإنسان أو ما جرى بغير إرادته - يكشف عن تصور محكم متماسك عادل، مليء بالرحمة والحكمة، لا نظير له في سائر التصورات والفلسفات.
فمن أنكر وجود الله من أجل وجود الشر، فقد جمع بين أمرين متناقضين: أنكر الميزان الذي يُحكم به على الشر، ثم احتج بالشر على نفي من وضع الميزان! وهذا من أعجب التناقض وأغربه.
نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى فهم حكمته البالغة، وأن يرزقنا حسن الظن به والثقة في تدبيره، وأن يجعلنا من الصابرين عند البلاء، الشاكرين عند النعماء، الراضين بقضائه في السراء والضراء.
ولا تكن ممن قال الله تعالى عنهم: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]، بل كن ممن يحسن الظن بربه، ويثق في حكمته، ويوقن أن وراء كل قدر رحمة وحكمة، وإن لم نرها في الحال.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العقل والغيبيات: فهم طبيعي لا تناقض - رد علمي على شبهة "صعوبة العقل في تصور الإيمان بالله والعوالم الغيبية"
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فإن من الأسئلة التي تشغل بال بعض الناس، خاصة في عصر الماديات والمحسوسات: "لماذا يواجه العقل البشري صعوبة في تصور أن هناك إلهًا بهذه الصفات العظيمة؟ ولماذا نجد صعوبة في تخيل عوالم غيبية كالجنة والنار؟ ولماذا تبدو المعجزات كانشقاق القمر وإحياء الموتى وكأنها شيء غير حقيقي أحيانًا؟"
وهذا سؤال يكشف عن تفكير وبحث عن الفهم. والحقيقة أن هذه الصعوبة التي يجدها العقل ليست عيبًا فيه ولا نقصًا في الإيمان، بل هي أمر له أسباب واضحة. ولعل من المناسب أن نقف مع هذا الموضوع وقفة علمية هادئة، نكشف فيها عن طبيعة هذه الظاهرة وحكمتها.
طبيعة عمل العقل البشري
العقل يعمل بالمشاهدة والخبرة
إن فهم طبيعة عمل العقل البشري يكشف لنا سر هذه الصعوبة في تصور الغيبيات. فالعقل البشري له قانون واضح في التعامل مع المعلومات: يأخذ ما شاهده وخبره في الواقع، ثم يكوّن منه الصور والتخيلات والمفاهيم. فإذا لم يشاهد شيئًا مماثلًا من قبل، فإنه يعجز عن تخيل حقيقته الكاملة أو تصور كنهه الحقيقي.
وهذا أمر نلاحظه في حياتنا اليومية بوضوح. فمثلًا، لو حاولت أن تشرح للأعمى منذ الولادة معنى "اللون الأحمر"، فسيعجز تمامًا عن تخيله مهما أبدعت في الوصف؛ لأنه لم يشاهد لونًا قط في حياته. فعقله لا يملك المادة الخام التي يبني منها تصورًا عن الألوان. وهذا لا يعني أن الألوان غير موجودة، بل يعني أن عقله محدود بما خبره وعاشه.
ولنضرب مثالًا آخر أكثر وضوحًا: تخيل أنك تحاول أن تشرح لإنسان يعيش قبل ألفين سنة عن جهاز صغير في حجم كف اليد، يستطيع أن يتصل بأي إنسان في العالم فورًا، ويحتوي على مكتبة تضم ملايين الكتب والمقالات، ويصور الصور المتحركة ويسجل الأصوات بدقة عالية، ويرشدك إلى أي مكان في الأرض بدقة متناهية.
سيعجز عقل ذلك الإنسان تمامًا عن تصور هذا الجهاز الذي نسميه اليوم "الهاتف الذكي"، بل سيعتبره ضربًا من الخيال أو السحر المستحيل؛ لأنه لم يشاهد في عصره شيئًا مماثلًا أو حتى قريبًا منه. وهذا لا يعني أن الهاتف الذكي غير موجود أو مستحيل الوجود، بل يعني أن عقل ذلك الإنسان محدود بما عاشه وخبره في زمانه.
فكذلك عقولنا اليوم أمام عظمة الله تعالى وحقائق الغيب: محدودة بما عاشته وخبرته من هذا العالم المادي المحسوس.
الغيبيات بطبيعتها تختلف عن المألوف
حقيقة الإيمان بالله
إن شعور العقل بالصعوبة في تخيل ذات الله تعالى وصفاته أمر طبيعي تمامًا؛ ذلك أن الله سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. فهو لا يماثل شيئًا مما شاهدناه في عالمنا المادي، ولا يشبه أي مخلوق من مخلوقاته. فكيف لعقل تعوّد على التعامل مع المحدود أن يتصور الكبير العظيم؟ وكيف لعقل لم يشاهد إلا المخلوق أن يتصور حقيقة الخالق؟
ولو كان الله تعالى مثل الأشياء التي نراها ونعرفها، لكان محتاجاً مثلها، وفانيًا مثلها، ومحدودًا مثلها، وهذا يتناقض تمامًا مع كونه إلهًا خالقًا قادرًا على كل شيء. فالخالق لا يمكن أن يكون مثل المخلوق، والأزلي لا يمكن أن يكون مثل الحادث، والكامل لا يمكن أن يكون مثل الناقص.
طبيعة الآخرة
وكذلك الأمر مع الجنة والنار وسائر أمور الآخرة، فهي لا تشبه شيئًا في دنيانا هذه. ولو كانت الآخرة مثل الدنيا تمامًا، فما الفرق بينهما؟ وما الحكمة من انتقال الإنسان إليها؟ إن الآخرة دار الجزاء والخلود والكمال، فلا بد أن تكون أعظم وأكمل وأجمل من دار الابتلاء والفناء والنقص.
قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» [البخاري: 4779، ومسلم: 2824]. وهذا الحديث يؤكد أن نعيم الآخرة يفوق كل ما يمكن للعقل البشري أن يتخيله أو يتصوره.
وهذا الاختلاف عن عالمنا المألوف هو الذي يجعل الآخرة جديرة بأن تكون هدفًا ومقصدًا نسعى إليه، والله مستحق للعبادة والمحبة؛ لأن الإنسان بطبعه يطلب الأعظم والأكمل والأجمل. فالاختلاف عن عالمنا المحدود دليل على العظمة والكمال المطلق.
عجز التصور لا يتعارض مع اليقين
حالة الأنبياء الكرام
إن هذه الصعوبة التي يجدها العقل في تخيل ذات الله تعالى وصفاته، أو كيفية أفعاله، أو طبيعة الأمور الغيبية، لا تتعارض أبدًا مع اليقين التام والإيمان الراسخ. بل هي حالة طبيعية وجدت حتى عند الأنبياء الكرام عليهم السلام، وهم أكمل الناس إيمانًا ويقينًا.
ففي القرآن الكريم نجد إبراهيم عليه السلام - وهو خليل الرحمن وأحد أولي العزم من الرسل - يطلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فيقول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ﴾، فيسأله الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾، فيجيب إبراهيم بكل وضوح: ﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وكذلك موسى عليه السلام - وهو كليم الرحمن الذي كلمه الله تكليمًا - طلب من الله رؤيته، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، فأجابه الله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣].
الفرق بين اليقين والمشاهدة
فكلا النبيين الكريمين كانا مؤمنين يقينًا بالله تعالى وبقدرته المطلقة، ولكنهما أرادا أن يشاهدا ليرتقيا من مرتبة في اليقين إلى مرتبة أعلى وأكمل.
وهذا يكشف لنا حقيقة مهمة جدًّا، وهي أن اليقين ثلاث مراتب كما جاء في القرآن الكريم:
علم اليقين: كما في قول الله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥]. وهو الإيمان بالغيب عن طريق الخبر الصادق، أو الوصول إلى معرفة بعض الحقائق الغيبية عن طريق الاستدلال العقلي.
عين اليقين: كما في قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧]. وهو المشاهدة والرؤية المباشرة للحقيقة.
حق اليقين: كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]. وهو المعايشة المباشرة للحقيقة.
ويضرب العلماء لهذه المراتب مثالاً واضحًا فيقولون: لو سمعت في الأخبار بأن نارًا اندلعت في مكان معين، فإنك ستتيقن وجودها بناءً على خبر الإعلام إن كنت تثق في صدقهم. وكذلك لو رأيت دخانًا كثيفًا يتصاعد في السماء من جهة معينة، فإنك ستتيقن وجود نار مشتعلة مع أنك لم ترها، ولكن عقلك سيستنتج وجودها بناءً على رؤيتك لأثرها الذي هو الدخان.
هذا اليقين الذي تجده في نفسك يُسمى "علم اليقين".
أما لو رأيت هذه النار بعينيك مباشرة، فستنتقل من علم اليقين إلى "عين اليقين".
ولو اقتربت من هذه النار حتى أحسست بحرارتها ولسعتك نيرانها كما يحصل لرجال الإطفاء، فهنا تكون قد انتقلت من عين اليقين إلى "حق اليقين".
فالأنبياء عليهم السلام كانوا في أعلى مراتب علم اليقين، وطلبوا الارتقاء إلى عين اليقين، وهذا لا ينقص من إيمانهم شيئًا، بل يزيده قوة وطمأنينة ووضوحًا.
حكمة ورود الغيبيات في الوحي
ضرورة تفرضها طبيعة الأشياء
إن ورود الغيبيات في الوحي الإلهي أمر تفرضه طبيعة الأشياء نفسها، وله حكمة عظيمة بالغة. أما كونه ضرورة تفرضها طبيعة الأشياء، فإن مجرد الإخبار عن الله تعالى والدار الآخرة يقتضي حتمًا أن يكون في الوحي ما يعجز العقل عن تصوره بالكامل؛ لأن حقيقة الله تعالى والدار الآخرة - كما ذكرنا - تختلف جذريًا عن المخلوقات وعن عالمنا الدنيوي المحسوس.
فالوحي لا بد أن يحتوي على أمور غيبية يصعب على العقل تخيل كنهها وحقيقتها؛ لأنه يخبر عن حقائق موجودة لا مثيل لها في عالمنا المحسوس. ولو كان كل ما في الوحي قابلًا للتصور الكامل والفهم التام، لكان هذا دليلًا على أنه لا يتحدث عن حقائق أعظم من عالمنا المحدود.
الحكمة من ورودها: امتحان الثقة
وأما الحكمة العظيمة من ورود هذه الغيبيات، فهي إظهار المؤمن الصادق الواثق بخبر الله ورسوله ρ، من المتردد الذي لا يؤمن إلا بما تراه عيناه. فالإيمان بالغيب امتحان إلهي عظيم يكشف حقيقة الإنسان وصدق إيمانه: هل هو واثق حقاً بالله ورسوله ثقة تامة، أم أنه لا يؤمن إلا بما تدركه حواسه؟
فمن صدق بالغيب دون أن يراه، فقد أثبت قوة إيمانه العميق وثقته التامة بخبر الله تعالى. ومن لم يصدق إلا بما يرى ويحس، فقد كشف ضعف إيمانه واعتماده على الحواس وحدها في تصديق الأخبار.
أمثلة من الحياة اليومية
ولنا في الحياة اليومية أمثلة كثيرة توضح هذا المعنى. فعندما يتصل بك صديق موثوق ويقول لك: "غيّر طريقك فورًا، هناك حادث خطير في الطريق الذي كنت ستسلكه"، فإنك تغير طريقك فورًا دون أن ترى الحادث أو تتأكد بنفسك من وجوده؛ لأنك تثق في صدق هذا الصديق وأمانته. ولو كنت لا تثق به ثقة تامة، لربما استمررت في طريقك حتى ترى بنفسك، أو اتصلت على المرور لتسأل عن حقيقة الأمر.
وكذلك عندما يخبرك طبيب تثق فيه أن لديك مرضًا خفيًا لا تشعر بأعراضه بعد، فإنك تصدقه وتأخذ العلاج الذي يصفه؛ رغم أنك لا ترى المرض ولا تحس به في جسدك. أما لو كنت لا تثق به ثقة تامة، فلربما ذهبت إلى طبيب آخر تطلب منه فحصك للتأكد.
فكذلك الإيمان بالغيب: من كان واثقًا ثقة تامة بصدق الله تعالى ورسوله ﷺ، صدقهما في كل ما أخبرا به عن الجنة والنار والملائكة وغيرها من الغيبيات؛ لأن ثقته بهما أقوى من حاجته إلى الرؤية والمشاهدة.
ومن لم تكن ثقته قوية راسخة، احتاج إلى رؤية كل شيء بعينه ليصدق، وهذا يكشف ضعف إيمانه وثقته.
ولذلك كانت أول صفة ذكرها الله تعالى للمتقين المفلحين هي الإيمان بالغيب، وذلك في قوله: ﴿الم * ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١-٣].
المعجزات وخرق المألوف
طبيعة المعجزات
وأما بالنسبة للمعجزات كانشقاق القمر وإحياء الموتى وغيرها، فهي بطبيعتها تخرق القوانين الطبيعية التي اعتدنا عليها في حياتنا اليومية. ولهذا يجد العقل صعوبة في تقبلها أو تصورها، لأنها تخالف ما ألفه وتعود عليه.
لكن هذا لا يعني استحالة وقوعها، بل يعني أنها أمور خارقة للعادة، وهذا هو تعريف المعجزة أصلاً: أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على يد رسوله لتأييده وإثبات صدقه.
فالذي خلق القوانين الطبيعية قادر على تعطيلها أو تغييرها متى شاء، والذي وضع النواميس الكونية قادر على خرقها لحكمة يريدها. وليس في ذلك تناقض أو استحالة عقلية، بل هو إظهار لقدرة الخالق المطلقة التي لا تحدها قوانين أو قيود.
الحكمة من المعجزات
والحكمة من المعجزات واضحة: إثبات صدق الرسل وتأييدهم بأدلة قاطعة على أنهم مرسلون من عند الله تعالى. فلو كانت المعجزات أمورًا عادية يستطيع أي إنسان الإتيان بها، لما كانت دليلًا على صدق الرسول. ولكن لما كانت أمورًا خارقة لا يقدر عليها إلا الله وحده، كانت برهاناً قاطعاً على أن هذا الرسول مؤيد من عند الله تعالى.
خاتمة: عظمة تستحق التسليم
وهكذا يتبين لنا أن صعوبة العقل في تصور ذات الله تعالى والغيبيات ليست عيبًا أو نقصًا في العقل أو في الإيمان، بل هي أمر طبيعي تمامًا له أسباب واضحة وحكم بالغة.
فهذه الحقائق الغيبية أعظم وأكبر من عالمنا المحدود، وعقولنا محدودة بما عاشته وخبرته. وقد رأينا كيف أن الأنبياء أنفسهم - مع كمال إيمانهم ويقينهم - طلبوا المشاهدة للانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين، وهذا لا ينقص من إيمانهم شيئًا بل يزيده قوة وجمالًا.
كما تبين لنا أن اختلاف الله تعالى والآخرة عن عالمنا المألوف ضرورة عقلية، فلو كان الإله مثل المخلوق لما كان إلهاً، ولو كانت الآخرة مثل الدنيا لما كانت آخرة.
وتبين لنا أن ورود الغيبيات في الوحي حكمة إلهية عظيمة لتمييز المؤمن الواثق الصادق في ثقته بخبر الله ورسوله، من المتردد الذي لا يصدق إلا بما تراه عيناه.
فلا تحزن أيها المؤمن من عجز عقلك عن تصور عظمة الله تعالى بالكامل، بل اعلم أن هذا دليل على أن إلهك أعظم من كل ما تتخيل، وأن جنته أجمل من كل ما تتصور، وأن قدرته أعظم من كل ما تتوقع.
واجعل ثقتك بخبر الله تعالى ورسوله ﷺ أقوى من حاجتك إلى المشاهدة والتصور الكامل، فهذا هو الإيمان الحقيقي، وهذه هي الثقة الصادقة. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤-٥].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإيمان الراسخ والثقة التامة بخبره وخبر رسوله، وأن يجعلنا من الذين يؤمنون بالغيب ويوقنون بالآخرة.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العقل والتسليم في الإسلام: تكامل لا تناقض - رد علمي على شبهة "الإسلام يدعو للتسليم الأعمى الذي يلغي العقل"
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في الإسلام زعمهم أن الدين يدعو إلى نوع من التسليم الأعمى الذي يلغي دور العقل ويهمشه. ويقولون: "إن الإسلام يطلب من المسلم أن يسلم لله ورسوله تسليمًا مطلقًا دون مناقشة أو تفكير، وأن هذا التسليم يعني القبول الأعمى لكل ما جاء في الدين حتى لو تعارض مع العقل أو بدا غير مفهوم، وهذا تهميش للعقل وحطّ من قدره".
وهذه الشبهة تكشف عن فهم خاطئ جذري لطبيعة العقل ووظيفته، ولطبيعة التسليم ومعناه في الإسلام، وللعلاقة التكاملية بين العقل والوحي. ولعل من المناسب أن نقف مع هذا الموضوع وقفة علمية شاملة، نكشف فيها عن الحقيقة الناصعة في هذه المسألة المهمة.
فهم طبيعة العقل ووسائل المعرفة البشرية
تعريف العقل ووظيفته
العقل هو القوة التي يفكر بها الإنسان ويفهم بها الأشياء من حوله، وهو الذي يميّز به بين الصواب والخطأ، ويحلل به المعلومات، ويتخذ به القرارات الصحيحة. لكن العقل لا يعمل في فراغ أو بمعزل عن الوسائل الأخرى، بل يعتمد على ثلاث وسائل أساسية للحصول على المعرفة والمعلومات التي يحللها ويحكم عليها.
الوسائل الثلاث للإدراك البشري
الوسيلة الأولى: الحواس الخمس
وهي العين والأذن والأنف واللسان واليد، وهي النوافذ الأساسية التي يطل منها الإنسان على العالم الخارجي ويتفاعل معه. فكل ما نعرفه عن الألوان والأصوات والروائح والطعوم والملمس والحرارة والبرودة يأتينا من هذه الحواس الخمس. وبدونها لا يمكن للإنسان أن يتعرف على محيطه أو يتفاعل مع بيئته.
الوسيلة الثانية: العقل
وهو الذي يحلل المعلومات التي تأتيه من الحواس، ويربط بينها ويقارنها، ويستنتج منها النتائج، ويحكم على صحتها أو خطئها. فعندما ترى النار بعينك وتشعر بحرارتها بيدك، فإن عقلك هو الذي يربط بين الاثنين ويستنتج أن النار تحرق، وأن الاقتراب منها مؤذٍ ومؤلم.
الوسيلة الثالثة: الخبر الصادق
وهو المعلومات التي تصل إليك من مصادر موثوقة تثق في صدقها وأمانتها، سواء كانت أشخاصًا تعرف صدقهم، أو كتبًا علمية موثقة، أو تجارب الآخرين المؤكدة. فأنت تعرف أن قارة أستراليا موجودة ليس لأنك رأيتها بعينك أو زرتها بنفسك، بل لأن مصادر كثيرة موثوقة أخبرتك بوجودها، وأنت تثق في صدق هذه المصادر.
هذه الوسائل الثلاث تعمل معًا بتناغم وتكامل لتكوين معرفة الإنسان الشاملة، والعقل هو الذي ينسق بينها ويحكم على صحة المعلومات التي تأتيه منها جميعاً.
الفرق بين إدراك الحواس وإدراك العقل
طبيعة إدراك الحواس
إن الحواس تدرك الأشياء الموجودة فعلًا أمامها بشكل مباشر ومحسوس. فالعين ترى الشجرة الموجودة أمامها، والأذن تسمع الصوت الحاصل فعلًا، واليد تلمس الحجر الحقيقي الموضوع أمامها. إذن الحواس تتعامل مع الموجودات المحسوسة، أي الأشياء التي يمكن رؤيتها أو سماعها أو لمسها أو شمها أو تذوقها بشكل مباشر.
طبيعة إدراك العقل
أما العقل فله قدرة أوسع من الحواس، فهو يدرك وجود أشياء لا تستطيع الحواس إدراكها مباشرة، وذلك من خلال الاستنتاج والتحليل والربط بين الأسباب والنتائج.
فعندما تسمع طرقًا على الباب، فإن حواسك تدرك الصوت فقط، لكن عقلك يدرك وجود طارق خلف الباب رغم أنك لا تراه ولا تلمسه. وعندما ترى آثار أقدام على الرمل، فإن عقلك يدرك أن شخصاً مشى هنا قبل قليل، رغم أنك لم تر هذا الشخص ولم تشاهد عملية المشي.
إذن الفرق بين الحواس والعقل هو:
- الحواس: تدرك الموجودات المحسوسة بشكل مباشر
- العقل: يدرك الموجودات غير المحسوسة من خلال الاستنتاج والتحليل
عندما ترى الدخان يتصاعد من بيت بعيد:
- عينك ترى الدخان المتصاعد (موجود محسوس تدركه الحواس)
- عقلك يدرك وجود النار داخل البيت (موجود غير محسوس بالنسبة لك، لكن العقل يستنتجه)
فالحواس تعطيك الأثر المشاهد، والعقل يستنتج المؤثر غير المشاهد. الحواس محدودة بما تراه وتسمعه في اللحظة الحاضرة، والعقل يتجاوز ذلك ليدرك ما وراء المحسوسات وما كان في الماضي وما سيكون في المستقبل.