العقل قادر على إدراك الوجود، عاجز عن إدراك الكنه
Article Summary
مع أن للعقل قدرات عجيبة تفوق الحواس، فإنه مع ذلك قاصر ومحدود في جوانب كثيرة. ومثال الطارق الذي ذكرناه يوضح هذا القصور بجلاء:
عندما تسمع طرقًا على الباب، فإن عقلك يستنتج بيقين تام أن هناك طارقًا وراء الباب، لكنه يعجز تمامًا عن معرفة تفاصيل كثيرة جدًّا عن هذا الطارق، مثل:
- من هو الطارق؟ رجل أم امرأة؟ طفل أم كبير؟
- كم عمره بالضبط؟ وما شكله وطوله ووزنه؟
- لماذا جاء؟ وماذا يريد منك؟
- متى سيذهب؟ وإلى أين سيتوجه بعد ذلك؟
- ما حالته النفسية؟ مسرور أم حزين؟ قلق أم مطمئن؟
- ماذا يحمل معه؟ وما الذي في جيوبه؟
- ما تفكيره فيك؟ وما رأيه في بيتك؟
إن هذا المثال البسيط جداً يكشف حقيقة مهمة غاية في الأهمية:
العقل يستطيع أن يدرك وجود أشياء كثيرة بيقين تام، لكنه يعجز عن معرفة تفاصيل هذه الأشياء أو حقيقتها الكاملة كما هي في الواقع.
فإذا كان هذا هو حال العقل مع مثال بسيط كالطارق على الباب، فكيف يكون حاله مع أمور أعظم وأعقد بكثير، كحقيقة الله تعالى وصفاته، أو تفاصيل الجنة والنار، أو أسرار الخلق والكون؟
التسليم مبدأ عقلي في الحياة اليومية
إن التسليم ليس أمرًا غريبًا أو شاذًا أو مخالفًا للعقل والمنطق، بل هو ممارسة يومية عادية طبيعية يقوم بها كل إنسان عاقل في حياته، دون أن يشعر بأي تناقض أو حرج. وأمثلة ذلك من واقع الناس كثيرة جداً، منها:
عندما تذهب إلى الطبيب لأنك تشعر بألم أو مرض، فإنك تسلم له في أشياء كثيرة جدًّا لا تفهمها ولا تعرف تفاصيلها:
- تأخذ الدواء الذي يصفه لك دون أن تعرف تركيبته الكيميائية المعقدة، أو تقرأ الأبحاث العلمية المتخصصة حوله
- تقبل تشخيصه لحالتك رغم أنك لا تفهم نتائج الفحوصات الطبية المعقدة
- بل ربما توافق على إجراء عملية جراحية دقيقة وتسلمه جسدك وأنت في غيبوبة تامة، فقط لمجرد أنك تعلم أنه يحمل شهادة الطب ولديه خبرة في مجاله
وقس على هذا المثال أمثلة كثيرة لا يحصى عددها من حياتنا اليومية:
- تسليمك للطيار في قيادة الطائرة دون أن تفهم علوم الطيران
- تسليمك للمهندس في تصميم البيت دون أن تدرس الهندسة
- تسليمك للمعلم في شرح الدرس دون أن تتقن المادة مسبقًا
- تسليمك للقاضي في الحكم دون أن تكون خبيراً في القانون