لماذا نسلم؟ الأسباب العقلية
Article Summary
فلماذا نسلم لهؤلاء الخبراء في مجالاتهم؟ إن الأسباب واضحة وعقلية تمامًا:
أولًا: لأن العقل يدرك ويعترف بأن هناك من هو أعلم منا في مجالات معينة متخصصة.
ثانيًا: لأن العقل يفهم ويقر بأننا لا نستطيع أن نعرف كل شيء في كل المجالات، فالحياة قصيرة والعلوم واسعة.
ثالثًا: لأن التجربة الطويلة أثبتت صدق هؤلاء الخبراء وصحة نصائحهم في الغالب الأعم.
النتيجة المنطقية
إذن، التسليم للأعلم هو موقف عقلاني حكيم يقرره العقل نفسه ولا يعارضه! هذا في تعاملات الناس مع بعضهم البعض، فكيف إذا كان التسليم للخالق العظيم ذي العلم المطلق والحكمة البالغة الذي لا يخطئ ولا يجهل ولا ينسى؟
تحدي للمعارضين
ومن يشجب التسليم مطلقًا ويعتبره مخالفًا للعقل، فعليه أن يختبر بنفسه كل شيء في حياته ليتحقق بنفسه من صحة كل معلومة. أو بعبارة أوضح: عليه أن يتعلم كافة العلوم والتخصصات ليستغني بعلمه عن كل العلماء والخبراء في كل المجالات. وأنى له ذلك، والعمر قصير والعلوم لا تنتهي؟
العقل يقتضي وجود أمور في الوحي لا يدركها
العقل يستطيع معرفة صدق الوحي
إن العقل السليم يستطيع بكل يسر ووضوح أن يعرف صدق نسبة الوحي إلى الخالق سبحانه وتعالى، وذلك لأدلة قوية واضحة، أهمها:
الدليل الأول: مدعي النبوة إما صادق أو كاذب لا ثالث لهما. فإن كان صادقًا، فإن الله الحكيم لن يختار لرسالته إلا أصدق الناس وأكمل الناس خلقًا ليكون قدوة حسنة لغيره. وإن كان كاذبًا، فإن الكذب في دعوى النبوة جريمة عظيمة تتضمن سلسلة طويلة من الكذب المتواصل على الله وعلى الناس، لا يجرؤ عليها إلا من استهان بالكذب واستخف بالعواقب. وسيبقى مصرًّا على كذبه حتى يموت، إذ لا يعرف التاريخ شخصًا ادعى النبوة ثم عاد وكذب نفسه.
الدليل الثاني: الإنسان يستطيع أن يكشف كذب دعاوى أقل من دعوى النبوة بكثير، فمن باب أولى أن يستطيع التمييز بين الصادق والكاذب في أعظم دعوى على الإطلاق.
الدليل الثالث: كمال الخالق تبارك وتعالى الثابت بالفطرة والعقل يوجب أن يميّز بين مدعي النبوة صدقًا ومدعيها كذبًا، خاصة وأن العدل الإلهي يقتضي قيام الحجة على الناس، ولا تقوم الحجة إلا إذا تمكن الناس من معرفة الصادق من الكاذب.
العقل يوجب وجود أمور غيبية في الوحي
وإذا أقر العقل بأن ما أتى به النبي الصادق إنما هو من الله الأعلم الأحكم، فإن العقل نفسه يستوجب ويستلزم أن يكون الوحي الذي جاء به النبي متضمنًا أموراً كثيرة لا يدركها العقل البشري المحدود، وإلا لما كان من الأعلم سبحانه!
فمن المنطقي تمامًا، بل من الضروري، أن يخبر الله تعالى عباده بحقائق عن الغيب والآخرة وتفاصيل الخلق وأسرار الكون وأمور أخرى كثيرة لا يمكن للعقل البشري المحدود أن يصل إليها بمفرده أو يدرك كنهها وتفاصيلها.
برهان عكسي مهم
بل لو كان كل ما في الوحي مدركاً بالكامل للعقل البشري العادي، لكان هذا دليلًا قويًا على أنه ليس من الله، لأن الله أعلم من الإنسان بلا قياس ولا مقارنة. وحينها لوجدنا من الناس من يطرح شبهة حاصلها: "لو كان هذا وحيًا حقًّا من الله، لوجب أن يكون فيه ما لا نستطيع إدراكه؛ وذلك لأن علم الله أوسع من علمنا بما لا يقاس. ولكن بما أن كل ما في هذا الذي يُدعى أنه وحي نستطيع نحن أن ندركه ونفهمه بالكامل، فإن هذا دليل على أن مصدره بشر مثلنا وليس من الله".
النتيجة المنطقية الحتمية
والنتيجة الحتمية لما سبق هي: أن العقل الذي أقر بأن مصدر هذا الوحي هو الأعلم سبحانه، لا يمكن منطقيًا أن يستنكر وجود أمور فيه لا يدركها، بل إنه سيوجب ويستلزم وجودها فيه. ومن هنا فإن تسليم العقل للوحي في الأمور التي لا يدركها ليس إلغاءً للعقل أو تهميشاً له، بل هو أعلى درجات استعمال العقل وأكمل صور الحكمة العقلية.
العقل لا يصلح حاكمًا مطلقًا
اتفاق العقول في البديهيات فقط
إن العقول البشرية متفقة تمامًا في المعارف العقلية الضرورية البديهية، مثل استحالة اجتماع النقيضين في شيء واحد في وقت واحد، وأن الكل أكبر من الجزء، وأن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون موجودًا ومعدومًا في نفس الوقت والمكان. هذه المعارف الأولية البديهية يتفق عليها كل العقلاء في كل زمان ومكان، لأنها واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج لبرهان أو دليل، وهي أساس التفكير المنطقي السليم عند جميع البشر.
اختلاف العقول في غير البديهيات
لكن فيما عدا هذه المعارف الضرورية البديهية، نجد العقول مختلفة ومتفاوتة تفاوتًا كبيرًا جدًّا في أحكامها واستنتاجاتها ونتائجها. فما يراه عقل صحيحًا ومنطقيًا وواضحًا، قد يراه عقل آخر خاطئًا وغير مقبول وغير منطقي. وما تقبله ثقافة معينة كحقيقة عقلية ثابتة، قد ترفضه ثقافة أخرى تمامًا وتعتبره خرافة أو وهمًا.
هذا الاختلاف الكبير يظهر جليًا وبوضوح تام في المسائل الأخلاقية والاجتماعية والفكرية والفلسفية، حيث تتباين آراء أذكى العقول وأعظم الفلاسفة والمفكرين تباينًا شديدًا مذهلًا. فأفلاطون يقول شيئًا، وتلميذه أرسطو يقول شيئاً مختلفًا، وديكارت له رأي ثالث، وكانط له رأي رابع، وهكذا.
السؤال المنطقي المحرج
فإذا كان العقل معيارًا مطلقًا صالحًا للحكم على كل شيء، فكيف نفسّر هذا التضارب الكبير والاختلاف الشديد بين أعظم العقول في التاريخ؟ وإذا كانت العقول تختلف اختلافًا كبيرًا في غير البديهيات، فأي عقل من هذه العقول المختلفة نجعله حكمًا على بقية العقول؟
هل عقل أرسطو أم عقل أفلاطون؟ عقل كانط أم عقل ديكارت؟ عقل نيتشه أم عقل هيجل؟ عقل الأوروبي أم عقل الآسيوي؟ عقل المعاصر أم عقل القديم؟ عقل المسلم أم عقل غير المسلم؟
وبأي مسوغ منطقي أو علمي نختار عقلًا واحدًا معينًا ونجعله معيارًا مطلقًا لصحة أو خطأ العقول الأخرى؟
التحكم الواضح
إن اختيار أي عقل بشري محدود كمعيار مطلق للحكم على غيره هو تحكم واضح لا مبرر له منطقيًا أو علميًا، لأن كل هذه العقول محدودة ومتأثرة ببيئتها وثقافتها وزمانها وظروفها وتجاربها الشخصية.
فإذا كنا لا نجد مسوغًا منطقيًا مقبولًا لتفضيل عقل على عقل في الأمور البشرية العادية، فكيف نجد مسوغًا لجعل أي عقل بشري محدود قاصر حاكمًا مطلقًا على كلام الله تعالى الذي خلق هذا العقل نفسه وأوجده من العدم؟
أليس من العجب والغرابة أن يُحاكم المخلوق خالقه، والطالب أستاذه، والجاهل عالمه، والمحدود اللامحدود؟ إن جعل العقل البشري المحدود حكماً مطلقاً على كلام الله تعالى هو كمن يريد أن يحكم على ضوء الشمس بنور الشمعة، أو يقيس المحيط العظيم بكوب الماء الصغير.
هذا ليس إعمالًا حقيقيًا للعقل، بل هو أكبر إهانة للعقل وأوضح مثال على سوء استعماله وتجاوز حدوده الطبيعية.