تصحيح منهجي أولي: من يحكم على من؟
Article Summary
الخطأ في منهج الاعتراض
قبل أن ندخل في تفاصيل الإجابة على هذه الشبهة، نحتاج إلى تصحيح أساسي مهم يتعلق بمنهج طرح هذا السؤال نفسه. فهذه الشبهة تحتوي على خطأ أساسي يجعلها باطلة من أساسها، وهو أن المعترض يضع نفسه في موضع الحكم على أفعال الخالق العليم الحكيم.
فإذا كان المعترض يؤمن حقًا بأن الله أكمل منه وأحكم وأعلم، فإن اعتراضه على أفعال الله تعالى يعني أنه يحكم على الحكيم المطلق بعقله المحدود وعلمه الناقص. وهذا يشبه موقف المريض الجاهل الذي يعترض على الطبيب الخبير في إجراء عملية جراحية معقدة، أو يشبه الطفل الصغير الذي يحاول تعليم والده المتخصص كيف يدير شؤون عمله.
فالإنسان بعقله المحدود وعلمه الناقص وخبرته القليلة لا يملك الأدوات اللازمة للحكم على الخبراء في مجالاتهم وهم بشر مثله، فكيف يملك الحق في الاعتراض على ذي العلم الشامل والحكمة البالغة والخبرة المطلقة؟
تصحيح التصور عن الإيمان بالله
أما إذا كان المعترض لا يؤمن بكمال الله وحكمته وعلمه، فإن المشكلة حينئذ تصبح أعمق وأكثر جذرية. فهذا يعني أن تصوره في إيمانه بالخالق نفسه خاطئ ومتناقض، ويحتاج أن يعود أولًا فيصحح فهمه للصفات الإلهية، قبل أن يطرح أسئلة تتعلق بأفعاله.
وإذا كان لا يؤمن بوجود الله من الأساس، فإن النقاش معه يجب أن يعود إلى مربع أول أكثر أساسية، وهو أدلة وجود الله التي هي أوضح من كل حقيقة تأتي بعدها. بل إن هذا الذي لا يؤمن بوجود الله لا يمكنه أصلًا - في منظومته الفكرية - أن يثبت خطأ أفعال أي مجرم مهما بلغ شره وإفساده، لأنه لا يملك مرجعًا أخلاقيًا ثابتًا يحكم به على الأفعال.
الخطأ الأساسي: الخلط بين العلم والإجبار
العلم المسبق ليس إجبارًا
تتضمن هذه الشبهة افتراضًا خاطئًا أساسيًا، وهو أن الكافر والعاصي مجبور على أفعاله، وأن علم الله المسبق بما سيختاره الإنسان يعني إجبار هذا الإنسان على اختياراته. وهذا الافتراض يقوم على خلط واضح وخطير بين مفهومين مختلفين تمامًا: مفهوم العلم ومفهوم الإجبار.
العلم المسبق شيء، والإجبار شيء آخر تمامًا. فإن كان الله يعلم أن فلانًا سيختار الكفر والعصيان، فهذا لا يعني أبداً أنه أجبره على هذا الاختيار، بل يعني أن الله - بعلمه المحيط الذي لا يخفى عليه شيء - يعلم ما سيختاره هذا الإنسان بإرادته.
عدالة التكليف الإلهي
الإنسان مزود بأدوات الاختيار الصحيح
إن الله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان في حيرة أو ضلالة، بل زوّده بجميع الأدوات والوسائل التي تمكنه من اتخاذ الاختيار الصحيح. والإنسان يولد مزودًا بالعقل الذي يميز به بين الحق والباطل، والفطرة السليمة التي تدله على الخير وتنفره من الشر، والقدرة على التفكير والتأمل واتخاذ القرارات.
وليس هذا فحسب، بل إن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لتوضيح الطريق الصحيح وإقامة الحجة على الناس. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقال: ﴿لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
فكل إنسان يواجه في حياته خيارات حقيقية واضحة، ويملك القدرة على اتخاذ القرارات. والقرآن الكريم يؤكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].
أبواب التوبة والمغفرة
ولم يعط الله تعالى الإنسان البيان والهداية أدوات الاختيار فقط، بل فتح أمام الإنسان باب التوبة والمغفرة في كل وقت، ووسع أسباب المغفرة والرحمة. فكل معصية سوى الشرك بالله داخلة تحت مشيئة الله بالمغفرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
ومن أسباب المغفرة التي فتحها الله للعباد: التوبة النصوح، والأعمال الصالحة، والدعاء والاستغفار، وعدم المجاهرة بالذنب، والندم على المعصية، وبذل الوسع في ترك الذنوب، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة التي يسرها الله للتائبين.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». [الترمذي: 2499].
المسؤولية الشخصية الكاملة
الإنسان مسؤول عن اختياراته
بعد هذا البيان الواضح لعدالة التكليف الإلهي، يتبيّن أن الإنسان يتحمل المسؤولية الكاملة عن اختياراته، لأنه اتخذها بإرادته بعد أن هيأ الله له جميع الأسباب والوسائل التي تمكنه من الاختيار الصحيح.
فقد وهبه الله العقل السليم ليميز به بين الحق والباطل، وغرس فيه الفطرة السليمة التي تدله على الخير وتحذره من الشر، وأرسل إليه الرسل وأنزل الكتب لتوضيح الطريق المستقيم بأجلى بيان. وبعد هذا التوضيح الشامل والبيان الكامل، ترك له الحرية التامة في الاختيار.
فإذا كان الله قد بيّن للإنسان طريق الحق بأوضح البيان، ثم فتح له طريق التوبة والمغفرة متى أراد الرجوع، ثم وسع له أسباب الرحمة والمغفرة ليطلبها، فمن أعرض عن ذلك كله وأصر على الكفر والمعصية والاستكبار، فهو وحده يستحق اللوم لو عاقبه الله تعالى. لأن الله أعطاه الفرصة تلو الفرصة، وفتح له الأبواب تلو الأبواب، لكنه اختار الإعراض والعناد رغم وضوح الحق ويسر طريق التوبة.
ولتوضيح هذا المعنى بمثال واقعي يقرب الصورة، تأمل نظام التعليم العام في أي دولة متقدمة. فالدولة تنشئ المدارس والجامعات وتوفر المعلمين المؤهلين والمناهج المتطورة والكتب والمكتبات لجميع الطلاب دون تمييز، وتجعل التعليم مجانيًا ومتاحًا للجميع بسهولة ويسر.
وهذه الدولة تعلم من خلال خبرتها الطويلة وإحصائياتها الدقيقة أن بعض الطلاب سيجتهدون وينجحون ويحققون إنجازات عظيمة، وأن آخرين سيهملون ويتكاسلون ويرسبون أو يتسربون من التعليم.
فهل يعيب أحد من العقلاء على هذه الدولة أنها أنشأت نظام التعليم مع علمها المسبق بأن بعض الطلاب سيفشلون؟ وهل يقول إنسان منصف إن الدولة ظالمة لأنها لم تقبل في المدارس إلا الطلاب الذين تعلم مسبقًا أنهم سينجحون؟ بالطبع لا، بل الجميع يدرك أن الدولة قد أدت واجبها بأحسن وجه بتوفير الفرصة العادلة للجميع، وأن الطالب الذي يرسب هو المسؤول عن رسوبه لأنه أهمل وقصر وتكاسل، رغم توفر جميع الوسائل والأدوات التي تمكنه من النجاح والتفوق.
فإذا كان هذا في حق الدولة التي علمها محدود وإمكانياتها محدودة، فما بالك بالخالق العظيم الذي وسعت رحمته كل شيء، ووفر لعباده من أسباب الهداية والمغفرة ما لا يحصى ولا يعد؟
الحكمة من خلق من يعصي
تحقيق العبودية الحقة
إن من الحكم العظيمة وراء خلق الله للناس مختلفين في اختياراتهم، أن تتحقق العبودية الحقة لله تعالى. فالعبودية الحقيقية لا تظهر إلا في موطن الاختيار والابتلاء. فالملائكة معصومون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لكن عبوديتهم من نوع مختلف عن عبودية الإنسان.
أما الإنسان فقد خُلق ليُختبر، وليُمتحن إيمانه وصبره وثباته على الحق في مواجهة الشهوات والشبهات. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١].
إظهار كمال العدل الإلهي
ومن الحكم أيضًا إظهار كمال العدل الإلهي، حيث يُجازى كل إنسان بما اختار واكتسب. فالمؤمن الصالح يُجازى بالجنة بعد أن اختار طريق الإيمان والعمل الصالح بحريته، والكافر العاصي يُجازى بالنار بعد أن اختار طريق الكفر والمعصية بإرادته. وهكذا يظهر العدل الإلهي في أجلى صوره.
قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. وقال: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤١].
إظهار غنى الله المطلق
ومن الحكم كذلك إظهار أن الله غني عن العالمين، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين. فخلق الله للعباد ليس لحاجة منه إليهم، بل لحكمة منه وفضل. قال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا». [صحيح مسلم: 2577].
خاتمة: التسليم للحكمة الإلهية
وبعد هذا البيان والتوضيح، يتضح لنا أن هذه الشبهة قائمة على أسس واهية ومغالطات فكرية واضحة. فهي تنطلق من تناقض أساسي في فهم الصفات الإلهية، وتخلط بين مفهوم العلم الإلهي ومفهوم الإجبار، وتتجاهل حقيقة الاختيار والمسؤولية الشخصية التي أقرها الله وبيّنها في كتابه.
إن الله سبحانه وتعالى قد أقام العدل المطلق والرحمة الواسعة بأن وهب كل إنسان العقل والفطرة السليمة، وأرسل الرسل وأنزل الكتب، وفتح أبواب التوبة والمغفرة على مصراعيها، ووسع أسباب الرحمة للعباد. فمن اختار الهداية بعد هذا البيان الواضح فله الثواب العظيم، ومن اختار الضلال والعناد فعليه العقاب العادل، وكلاهما يُجازى بما اختار بحرية تامة ومسؤولية كاملة.
والواجب على المؤمن أن يُحسن الظن بربه، وأن يثق في حكمته البالغة وعدله المطلق، وأن يعلم أن كل ما يقدره الله وكل ما يفعله إنما هو لحكمة عظيمة قد ندرك بعضها وقد يخفى علينا الكثير منها، لكن يقيننا بكمال الله وحكمته يكفي لتسكين القلب وطمأنينة النفس.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص: ٦٨].
نسأل الله تعالى أن يهدينا لفهم دينه الصحيح، وأن يرزقنا حسن الظن به والثقة في حكمته، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه في القول والعمل.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حكمة الدعاء والاستجابة في الإسلام: رد علمي على شبهة "عدم استجابة الدعاء دليل على عدم وجود الله"
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في وجود الله تعالى قولهم: "إذا كان الله موجودًا ويجيب الدعاء كما تدعي الأديان، فلماذا لا نشاهد استجابة واضحة ومباشرة عندما يتحدى الملحدون أو المشككون الله علنًا؟ ولماذا تبقى الدعوات الجماعية للمسلمين في أوقات الأزمات الكبرى - كالزلازل والمجاعات والحروب - بلا استجابة ملموسة؟"
ويضيف أصحاب هذه الشبهة: "إن غياب الاستجابة المباشرة والواضحة للدعاء، خاصة في المواقف الحرجة وأمام التحديات العلنية، يطرح تساؤلًا حول حقيقة وجود إله يسمع ويستجيب".
وهذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها منطقية، فإنها تقوم على فهم خاطئ لطبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق، وعلى خطأ منهجي في الاستدلال، وعلى جهل بحكمة الدعاء والاستجابة في الشريعة الإسلامية. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة علمية هادئة، نكشف فيها عن مواطن الخلل والصواب.
الخطأ المنهجي الأساسي في الشبهة
قلب القضية رأسًا على عقب
إن أول ما نلاحظه على هذه الشبهة أنها تقع في خطأ منهجي فادح، وهو قلب القضية رأسًا على عقب. فصاحب الشبهة يجعل عدم استجابة الدعاء بالطريقة التي يريدها دليلًا على عدم وجود الله، وهذا كمن يقول: "لأن صاحب المصنع لا يلبي طلبي بزيادة راتبي فورًا، إذن فهو ليس المدير الفعلي للمصنع!"
ولتوضيح هذا الخطأ بمثال أوضح: تخيل شخصًا يعمل في مصنع ضخم لم ير صاحبه قط، ولكنه يرسل إلى عنوانه البريدي رسائل يطلب فيها زيادة راتبه. فلما لم يحصل على الزيادة التي طلبها، قال: "بما أن صاحب المصنع لا يلبي رغبتي بزيادة راتبي، إذن فهو ليس المدير الفعلي لهذا المصنع، بل ربما لا يوجد مدير أصلًا!"
هذا تمامًا ما يفعله صاحب هذه الشبهة. فالدليل على وجود الله تعالى واضح جلي أمامنا في كل مكان: الكون بنظامه المحكم ودقته المذهلة، والخلية الواحدة بتعقيدها الذي يفوق أعقد الآلات التي صنعها الإنسان، والثوابت الكونية بدقتها التي لو انحرفت جزءًا من تريليون جزء لانهار كل شيء في الكون. هذه أدلة قوية قاطعة تدل على وجود خالق حكيم عليم قدير.
منطق مقلوب
لكن صاحب الشبهة يقول: "لأن الله لا يستجيب دعائي كما أريد وفي الوقت الذي أحدده، إذن فهو غير موجود!" وهذا منطق مقلوب عجيب، مثل من يقول: "لأن الطيار لا يغير مسار الطائرة حسب طلبي الشخصي، إذن فهو لا يستطيع التحكم في الطائرة!" أو: "لأن الطبيب لا يعطيني الدواء الذي أريده، إذن فهو ليس طبيبًا حقيقيًا!"
إن العقل السليم يقول شيئًا مختلفًا تمامًا: إذا كان الخالق موجودًا بهذه الأدلة الواضحة القاطعة، فلا بد أن لعدم استجابة الدعاء بالطريقة التي نريدها حكمة عظيمة أو شروطًا وآدابًا لم نفهمها أو لم نلتزم بها. فالواجب هو أن نفهم حكمة عدم الاستجابة في ضوء يقيننا بوجود الله، لا أن نجعل عدم فهمنا لحكمة التأخير سبباً لإنكار وجود الحكيم سبحانه.
فهم العلاقة الحقيقية بين الخالق والمخلوق
إن جوهر هذه الشبهة يكشف عن فهم خاطئ جذري للعلاقة بين الخالق والمخلوق. فصاحب الشبهة يتعامل مع الله تعالى كما لو كان مصباح علاء الدين - تعالى الله علوًا كبيرًا - أو خادمًا مطيعًا ينفذ كل ما يطلبه المخلوق فور طلبه، وبالطريقة التي يريدها تمامًا!
وهذا فهم ساذج مقلوب للألوهية. فالإنسان عندما يدعو ربه، فهو إنما يطلب من الحكيم العليم الخبير، لا من الخادم المطيع الأعمى. والحكيم العليم قد يعطي وقد يمنع، وقد يؤجل وقد يعوض بخير مما طُلب، وقد يصرف الشر عن العبد بدلًا من إعطائه ما طلب. كل ذلك بحكمة بالغة ورحمة واسعة تفوق فهم المخلوق المحدود.
إن مطالبة الله تعالى بأن يستجيب فورًا وبالشكل المحدد تمامًا، وإلا فهو غير موجود، هو نفس منطق الطفل الذي يقول لوالده: "إن لم تعطني الحلوى الآن والألعاب التي أريدها، فأنت لست أبي الحقيقي!"
والفرق الحقيقي أن الوالد البشري قد يخطئ في تقديره لمصلحة ولده، وقد يكون جاهلًا ببعض العواقب، وقد تنقصه الحكمة أحيانًا. أما الله سبحانه وتعالى فهو الحكيم الذي لا يخطئ أبدًا، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، والرحيم الذي لا يظلم مثقال ذرة.
فإذا كان الطفل العاقل يثق في حكمة والده المحدود ويصبر على قراراته حتى لو لم يفهم حكمتها في الحال، فكيف بالمؤمن العاقل مع خالقه الحكيم العليم؟