· · 6 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

تصحيح الفهم: تعدد الدعاوى لا ينفي وجود الحقيقة

Article Summary

الخطأ الأول: الخلط بين تعدد الدعاوى واستحالة معرفة الحق

إن أوّل ما نحتاج إلى تصحيحه في هذا السؤال هو التصور الخاطئ بأن تعدد الدعاوى يجعل من المستحيل معرفة الحقيقة. وهذا خطأ منطقي واضح، فلو ادعى مائة شخص أنهم اخترعوا الكهرباء، فهل يعني هذا استحالة معرفة المخترع الحقيقي؟ بالطبع لا، فوجود دعاوى كاذبة كثيرة لا ينفي وجود الحقيقة الواحدة، بل يؤكد أهمية البحث عنها بالطرق العلمية السليمة.

والواقع أن كثرة الادعاءات الباطلة حول أمر ما قد تكون دليلًا على أهمية ذلك الأمر وعظم قيمته، مما يجعل الناس يتسابقون لادعاء ملكيته أو اختراعه. فكثرة من يدعي النبوة زورًا لا تنفي وجود الأنبياء الحقيقيين، وكثرة من يدعي الطب بلا علم لا تنفي وجود الأطباء الحقيقيين.

الخطأ الثاني: الخلط بين ادعاء الحق وامتلاكه

يجب أن نفرق بوضوح بين "ادعاء امتلاك الحقيقة" و"امتلاك الحقيقة فعلًا". فمجرد الادعاء لا ينشئ حقيقة، والكذب لا يصبح صدقًا بمجرد الإصرار عليه أو كثرة ترديده. إن الخالق الحقيقي للكون واحد أحد، بغض النظر عن عدد الدعاوى المختلفة أو تنوعها، والمطلوب منا هو فحص الأدلة والبراهين، لا مجرد عدّ الدعاوى ومقارنة أعدادها.

الخطأ الثالث: افتراض تساوي جميع الدعاوى

قد ينطوي هذا السؤال على افتراض ضمني غير واقعي، وهو أن جميع الدعاوى الدينية متساوية في القوة والمصداقية والأدلة. وهذا غير صحيح البتة، فليس كل الأديان تملك أدلة وبراهين متكافئة، وليس كل المدعين يقدمون حججًا بنفس القوة والوضوح. والتعامل مع جميع الدعاوى كأنها متكافئة هو تسطيح مخل للموضوع، وتجاهل للفروق الكبيرة بينها.

إن الباحث الجاد عن الحقيقة لا يكتفي بسؤال "من يدعي ماذا؟"، بل يسأل الأسئلة الحقيقية: "ما هي الأدلة؟ وما مدى قوتها؟ وهل تصمد أمام النقد العلمي؟ وهل تتناسق مع العقل والفطرة؟".

المعيار الأول: الدين الحق لا بد أن يكون من الله

بعد تصحيح هذه المفاهيم، يمكننا أن نضع المعايير العلمية للدين الحق. وأول هذه المعايير وأهمها: أن الدين الحق لا يمكن أن يكون من صنع البشر، بل لا بد أن يكون من عند الله تعالى. وهذا ما يمكن إثباته بأدلة عقلية واضحة.

الحاجة إلى المرجعية المطلقة

إن البشر جميعًا متساوون في إنسانيتهم، مخلوقون من طين واحد، يجري عليهم ما يجري على سائر البشر من ضعف وجهل ونقص وهوى. فبأي حق يدعي أحدهم أن له الحق في أن يُطاع طاعة مطلقة فيما يأمر به وينهى عنه؟

لو قال زيد للناس: "أطيعوني واتبعوا ديني"، وقال عمرو: "بل أطيعوني واتبعوا ديني أنا"، فبأي منطق نرجح أحدهما على الآخر؟ كلاهما بشر محدود المعرفة، معرض للخطأ والنسيان، تحكمه أهواؤه ومصالحه وعواطفه. الطاعة المطلقة والانقياد التام لا يكونان إلا لمن له الحق المطلق، وهو الخالق سبحانه الذي له الخلق والأمر.

قصور المعرفة البشرية الفاضح

إن الإنسان مع كل ما وصل إليه من علوم وتقنيات، لا يزال جاهلًا بالحقيقة الكاملة لنفسه. فهو لا يعلم كيف تعمل خلايا جسمه بدقة، ولا يدري كيف يفكر دماغه، ولا يستطيع أن يتنبأ بمصيره غدًا، ولا يعرف متى يموت أو كيف. فكيف لمن لا يعلم حقيقة نفسه أن يضع منهجًا شاملًا لغيره من البشر؟ وكيف يزعم أن المنهج الذي يضعه في شؤون الحياة مرضي لخالق الجميع؟

إن هذا كمن يدعي أنه يستطيع إصلاح آلة معقدة وهو لا يعرف كيف تعمل، أو كمن يزعم أنه يستطيع قيادة سفينة إلى بر الأمان وهو لا يعرف البحر ولا يحسن السباحة.

تضارب المصالح والأهواء

لو تُرك التشريع والتوجيه للبشر، لشرع كل إنسان ما يوافق هواه ومصلحته الشخصية أو الطبقية. فالقوي يشرع ما يحفظ قوته، والغني يشرع ما يحفظ ثروته، والحاكم يشرع ما يحفظ سلطته، وكل فئة تريد ما يخدم مصالحها حتى لو كان على حساب الآخرين.

أما الله تعالى فهو الغني الحميد، لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، ولا يزيد في ملكه شيء ولا ينقص منه شيء. فتشريعه عدل خالص لمصلحة العباد جميعًا.

برهان الاستحالة العملية

لو كان يكفي أن يقوم أي إنسان بوضع دين ويقول للناس "اتبعوني"، لكان لكل مدع الحق في ذلك، ولأصبح لدينا بعدد البشر من الأديان والمناهج. وهذا يؤدي حتمًا إلى فوضى مطلقة وانعدام أي معيار ثابت للحق والباطل، والخير والشر.

لهذا كله نستنتج نتيجة منطقية حتمية: لا بد أن يكون الدين الحق من عند الله تعالى، وبهذا المعيار وحده يسقط كل دين من إنشاء البشر ووضعهم، ولا يبقى في الساحة إلا الأديان التي تدعي أنها من عند الله حقًا.

المعيار الثاني: حفظ المصدر الديني شرط أساسي

إذا سلّمنا أن الدين الحق لا بد أن يكون من الله تعالى، فإن النتيجة المنطقية الحتمية هي ضرورة حفظ هذا الدين من التحريف والتبديل. وهذا ما تؤكده البراهين العقلية الواضحة.

الحكمة الإلهية تقتضي الحفظ

إن الله تعالى حكيم عليم، وقد أنزل الدين الحق لهداية البشر في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة. فما الحكمة من إنزال الوحي لهذه الغاية العظيمة، ثم تركه للضياع والتحريف على أيدي البشر؟ إن هذا يتناقض تمامًا مع الحكمة الإلهية البالغة.

فالطبيب الحكيم إذا وصف دواءً للمريض، يحرص على أن يصل إليه سليمًا غير مغشوش ولا محرّف، فكيف بالحكيم المطلق سبحانه إذا أنزل دواء النفوس والقلوب؟ إن الله تعالى إذا أراد هداية خلقه - وهو الرحيم بهم - فلا بد أن يحفظ لهم سبيل الهداية من التبديل والتحريف، وإلا ضاعوا وضلوا بسبب تحريف المحرفين.

العدل الإلهي يقتضي حفظ الحجة

إن الله تعالى يقيم الحجة على خلقه بإرسال الرسل وإنزال الكتب، ثم يحاسبهم يوم القيامة على أساس هذه الحجة. لكن إذا حُرفت الكتب وبُدلت الرسالات، فكيف تقوم الحجة العادلة؟ وكيف يُحاسب الناس على اتباع دين قد دخله التحريف والتبديل؟

إن العدل الإلهي المطلق يقتضي أن تبقى الحجة قائمة واضحة نقية إلى يوم الدين، وهذا لا يتحقق إلا بحفظ المصدر الديني من كل تحريف أو تبديل أو زيادة أو نقصان.

نستنتج من هذين البرهانين نتيجة مهمة: أن أي دين لم تُحفظ نصوصه الأصلية، أو دخل عليها التحريف والتبديل، لا يمكن أن يكون هو الدين الحق المنزل من عند الله. فالله العظيم لا يضيع أمانته ولا يترك هدايته للعبث البشري، إذا شاء أن تكون عامة للناس كافة في كل زمان ومكان.

المعيار الثالث: التناسق مع العقل والفطرة

إن الدين الحق لا بد أن تتناسق مضامينه وتعاليمه مع ما يقرره العقل السليم والفطرة النقية في القضايا الجوهرية. فالذي خلق العقل هو الذي أنزل الدين، فلا يمكن أن يتناقضا في الأصول الكبرى.

صفات الكمال المطلق للخالق

إن العقل السليم يحكم حكمًا قاطعًا بأن خالق هذا الكون المتقن البديع لا بد أن يتصف بالكمال المطلق. فمن أبدع هذا النظام الكوني المحكم، وأوجد هذا التوازن المذهل بين عناصر الوجود، لا يُعقل أن يكون ناقصًا أو محتاجًا أو معيبًا.

ونعني بالكمال المطلق: القدرة التي لا حدود لها، والعلم الذي لا يخفى عليه شيء، والحكمة التامة في كل تدبير، والغنى المطلق عن جميع خلقه، والوحدانية الحقيقية التي لا تقبل الشركة أو المضاهاة. فالمستقل في الخلق والتدبير أكمل ممن له شريك أو مساعد فيهما.

وعند فحص تصورات الأديان المختلفة عن الإله، نجد تباينا صارخا مذهلا. فبعضها ينسب إلى الله التعب فيحتاج إلى الراحة، أو الندم فيغير رأيه ويتراجع عن قراره، أو الولد والشريك فيشارك غيره في ألوهيته. وهذه التصورات تتناقض تناقضًا صارخًا مع الكمال المطلق الذي يقرره العقل الصريح.

أما الدين الحق فيقدم تصورًا نقيًا صافيًا: إله واحد أحد، ليس كمثله شيء، منزه عن كل نقص، متصف بكل كمال، لا يعتريه تعب ولا نصب، ولا يندم ولا يتراجع، ولا ولد له ولا والد ولا شريك.

ضرورة يوم الحساب والجزاء

إن العقل المنصف عندما يتأمل أحوال الدنيا، يرى ظالمًا يموت دون أن يُعاقب على ظلمه، ومظلومًا يموت دون أن يُنصف من ظالمه. محسنًا يقضي عمره في الخير والبر ولا يُجزى في الدنيا، ومسيئًا يقضي عمره في الشر والفساد ولا يُعاقب فيها.

فيحكم العقل السليم بأن هذا يتنافى مع العدل الإلهي المطلق، إذ لا يُعقل أن يخلق الله الناس ثم يتركهم دون حساب أو جزاء. فلا بد من يوم تُوفى فيه كل نفس ما كسبت، ولا يُظلم فيه أحد مثقال ذرة، وإلا كان الخلق عبثاً والحياة لعباً، والله سبحانه منزه عن العبث واللعب.

المساواة في الإنسانية والكرامة

والعقل أيضًا يقرر قاعدة واضحة: أن البشر جميعًا متساوون في إنسانيتهم وكرامتهم الأساسية. لا فضل لأحد على أحد بلونه أو عرقه أو نسبه أو جنسه، وإنما التفاضل بينهم يكون بمدى قربهم من الخير والحق والعدل.

والدين الحق يؤكد هذه الحقيقة العقلية ويرسخها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فلا طبقات مقدسة بالوراثة، ولا شعب مختار بالعرق أو النسب، بل الجميع عباد الله، والأقرب إليه من كان أقرب إلى الخير والتقوى.

هذا التوافق والتناسق بين ما يرشد إليه العقل الصريح إجمالًا، وما يقرره الدين الحق في تفصيلاته وأحكامه، علامة فارقة مميزة للدين الصحيح المنزل من عند الله تعالى.