أولًا: المنهج التدريجي في قضايا أخرى
Article Summary
فالإسلام لم يأت أبدًّا بثورة مدمرة فوضوية تقلب كل شيء رأسًا على عقب دفعة واحدة، بل جاء بإصلاح تدريجي محكم حكيم. وهذا المنهج الحكيم ظهر واضحًا في قضايا أخرى كثيرة:
الخمر لم تُحرم دفعة واحدة، بل تدريجيًا عبر أربع مراحل زمنية متتالية: أولاً الإشارة إلى وجود إثم فيها مع المنافع، ثم منع الصلاة حال السكر، ثم التحريم النهائي القاطع. والربا لم يُحرم في مكة، بل في المدينة تدريجيًا عندما أصبح المجتمع مهيأً اقتصاديًا واجتماعيًا لتطبيق بدائل اقتصادية عادلة.
ثانيًا: مثال طبي معاصر
ولنفهم حكمة هذا المنهج بمثال طبي معاصر واضح: لو أن طبيبًا وجد مريضًا مدمنًا على عشرة أنواع مختلفة من المخدرات الخطيرة والمدمرة، فهل الحكمة الطبية تقتضي أن يمنعه من جميع هذه المخدرات دفعة واحدة في يوم واحد؟ أم أن الحكمة والعلم يقتضيان تقليلها تدريجيًا بطريقة محسوبة لتجنب أعراض الانسحاب القاتلة التي قد تؤدي إلى موت المريض؟
إن أي طبيب عاقل سيختار الطريقة التدريجية، لأن المنع المفاجئ الكامل قد يؤدي إلى موت المريض أو إلحاق أضرار جسيمة به، بينما التدرج الحكيم المدروس يؤدي في النهاية إلى شفائه الكامل. والطبيب الذي يختار المنهج التدريجي لا يُتهم بأنه "يؤيد المخدرات" أو "يشجع على الإدمان"، بل يُمدح على حكمته وعلمه.
ثالثًا: تطبيق هذا المنهج على الرق
كذلك الأمر تمامًا مع الإصلاح الاجتماعي: الإلغاء المفاجئ المباشر لنظام معقّد ومتجذّر كالرق - الذي كان يعتمد عليه الاقتصاد والمجتمع بأكمله - كان سيؤدي حتمًا إلى كوارث اجتماعية واقتصادية هائلة مدمرة، وإلى فوضى عارمة قد تدمر المجتمع بأكمله.
تخيّل لو أن الإسلام حرّم الرق تحريمًا قاطعًا من اليوم الأول: ماذا سيحدث لملايين العبيد الذين لا يملكون مهارات أو أموال أو مأوى؟ وماذا سيحدث للاقتصاد الذي يعتمد عليهم؟ وماذا سيحدث لأسرى الحروب؟ هل سيُقتلون جميعًا؟ أم سيُتركون ليعودوا لحرب المسلمين مرة أخرى؟
إن الحكمة الإلهية اقتضت المنهج التدريجي الذي يحقق الهدف النهائي (القضاء على الرق) بأقل الأضرار وأفضل النتائج.
الخطأ الرابع: التجاهل التام للبدائل المتاحة في ذلك العصر
والخطأ الرابع هو التجاهل التام للبدائل العملية المتاحة في التعامل مع أسرى الحروب في ذلك العصر التاريخي، والمقارنة غير المنصفة بين خيارات العصر الحديث وخيارات القرن السابع الميلادي.
أولاً: البدائل المتاحة لأسرى الحروب
في ذلك العصر، عندما تضع الحرب أوزارها ويُأسر المحاربون الأعداء، كان أمام المنتصرين خيارات محدودة:
- القتل الجماعي: وهو ما كانت تفعله معظم الجيوش المنتصرة
- السجن المؤبد: في ظروف قاسية جدًا وبتكلفة باهظة
- الإطلاق المجاني: مما يعني عودتهم للحرب مرة أخرى
- الفداء: إذا كان لديهم من يدفع الفدية
- الاسترقاق: مع إمكانية الحصول على الحرية لاحقًا
أي هذه الخيارات أرحم وأكثر إنسانية؟ إن أي عاقل منصف سيدرك أن الاسترقاق مع ضمان الحقوق وإمكانية العتق كان أرحم الخيارات المتاحة في ذلك الوقت.