· · 2 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

العلوم الحديثة والإلحاد: تفكيك شامل لأكبر خدعة فكرية في العص

Article Summary

أما بعد، فإن من أخطر الشبهات التي تُروَّج في عصرنا، والتي أضلّت كثيرًا من الشباب المثقف: "إذا كانت العلوم الحديثة تدل حقًا على وجود الخالق كما يزعم المؤمنون، فلماذا نجد أن معظم العلماء البارزين في الفيزياء والأحياء والكيمياء ملحدون؟ لماذا كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد بُعدًا عن الإيمان؟ لماذا الجامعات العريقة مثل هارفارد وأكسفورد وكامبريدج أصبحت معاقل للإلحاد؟ أليس في هذا دليل قاطع على أن العلوم الحديثة الحقيقية تهدم أسس الإيمان؟ وكيف تفسرون أن الدول الأكثر تقدمًا علميًا مثل السويد والدنمارك واليابان هي الأقل تدينًا، بينما الدول الأكثر تخلفًا هي الأكثر تدينًا؟ أليست هذه معادلة واضحة: كلما زاد العلم الحديث قل الدين، وكلما قل العلم زاد الدين؟".

وهذه أسئلة تستحق إجابات علمية شاملة، تكشف الحقائق، وتفضح المغالطات، وتُعري الأجندات الفكرية التي تقف وراء هذه الدعاوى.

لكن هذه الأسئلة - وإن بدت في ظاهرها مدعومة بملاحظات واقعية - فإنها في حقيقتها تقوم على بنيان هش من المغالطات المنطقية المركبة، والقراءات التاريخية المبتورة، والتعميمات الجائرة، والخلط المتعمد بين المفاهيم. فالنظرة السطحية التي تربط بين التقدم العلمي والإلحاد، وتجعل من إلحاد بعض العلماء دليلًا على تناقض العلم الطبيعي مع الإيمان، تتجاهل حقائق تاريخية ثابتة كالجبال، وتغفل عن عوامل نفسية واجتماعية وسياسية معقدة، وتسقط في فخاخ منطقية لا يقع فيها طالب مبتدئ في علم المنطق.

الخطأ الأول: مغالطة سلطة الأغلبية المزعومة وخداع الإحصائيات

إن أول ما يجب كشفه في هذه الشبهة هو الخدعة الإحصائية الكبرى التي تقوم عليها. فصاحب الشبهة يتحدث عن "معظم العلماء" وكأنه أجرى إحصاءً دقيقًا شاملًا لكل علماء العالم، والحقيقة أن هذه دعوى عارية عن الدليل، بل الإحصائيات في ذلك متضاربة، ومتفاوتة إلى حد كبير.

وهذا مقال نشرته جامعة ريس الأمريكية الشهيرة عن إحصائية أجرتها عن هذا الأمر بعنوان: " أول مسح عالمي حول الدين والعلم: لا، ليس كل العلماء ملحدين"، ثم كتبوا فيه:

" هل كل العلماء ملحدون؟ هل يعتقدون أن الدين والعلم يمكن أن يتعايشا؟ تمت معالجة هذه الأسئلة وغيرها في أول مسح عالمي حول نظرة العلماء للدين، والذي صدر اليوم عن باحثين في جامعة رايس....

تتحدى نتائج الدراسة الافتراضات الراسخة حول العلاقة بين العلم التجريبي والإيمان. فبينما يُفترض عادةً أن معظم العلماء ملحدون، تُظهر وجهة النظر العالمية الناتجة عن الدراسة أن هذا ليس هو الحال على الإطلاق.

قالت الباحثة إكلوند: "أكثر من نصف العلماء في الهند وإيطاليا وتايوان وتركيا يعتبرون أنفسهم متدينين". وأضافت: "من المثير للدهشة أن عدد "الملحدين المقتنعين" في عموم سكان هونغ كونغ، على سبيل المثال (55%)، يبلغ حوالي ضعف عددهم في المجتمع العلمي في هذه المنطقة (26%)"...

عندما سئلت إكلوند عن مصطلحات الصراع بين الدين والعلم التجريبي، أشارت إلى أن أقلية فقط من العلماء في كل سياق إقليمي يعتقدون أن العلم التجريبي والدين في حالة صراع".

مغالطة الاستدلال بالسلطة

وحتى لو سلّمنا جدلاً أن أغلبية العلماء ملحدون - وهو غير صحيح - فهل هذا دليل على صحة الإلحاد؟ هذه مغالطة منطقية فاضحة تُسمى "الاستدلال بالسلطة" (Argumentum ad Verecundiam).

ولنوضح بمثال تاريخي قاطع: في القرن السادس عشر، كان 99% من العلماء يؤمنون أن الأرض مركز الكون. فهل كان هذا دليلاً على صحة هذا الاعتقاد؟ وفي القرن التاسع عشر، كان معظم العلماء يؤمنون بوجود "الأثير" الذي تسبح فيه الأجرام السماوية. فهل كان إجماعهم دليلاً على وجود الأثير؟

إن تاريخ العلم مليء بالأخطاء التي آمن بها معظم العلماء ثم ثبت بطلانها. فكيف نجعل من آراء العلماء في قضايا خارج تخصصهم التجريبي - مثل وجود الخالق - حجة قاطعة؟

الخطأ الثاني: تجاهل جذور الصراع التاريخي

والخطأ الثاني - وهو من أخبث الأخطاء - هو تجاهل السياق التاريخي الدموي الذي نشأ فيه الإلحاد العلمي في الغرب، والتعامل معه وكأنه نتيجة طبيعية للتقدم العلمي.