حاجتنا إلى العلماء: رد علمي على شبهة الاستغناء عن علماء الدي
Article Summary
أما بعد، فإن من الأسئلة التي تُطرح في العصر الحديث: "لماذا نحتاج إلى علماء بيننا وبين الله؟ لماذا لا يستطيع كل إنسان أن يفهم دينه بنفسه ويعبد ربه كما يريد؟ أليس وجود طبقة من علماء الدين يتحكمون في فهم النصوص نوعًا من الكهنوت المرفوض؟ إن الله قريب يجيب دعوة الداعي، فلماذا نحتاج إلى من يفسر لنا كلامه ويعلمنا كيف نعبده؟". وهذا سؤال يستحق إجابة علمية واضحة، تكشف عن حقيقة دور العلماء في الإسلام والفرق بينه وبين الكهنوت المرفوض.
لكن هذا السؤال وإن بدا في ظاهره منطقيًا ومقبولًا، فإنه يقوم على خلط خطير بين مفاهيم مختلفة، ومغالطات منطقية واضحة تحتاج إلى توضيح وتصحيح. فالنظرة السطحية التي تساوي بين التعليم والوساطة، وبين الإرشاد والتحكم، تؤدي إلى فهم مضطرب لطبيعة العلم الشرعي ودور العلماء في المجتمع المسلم.
الخطأ الأول: الخلط بين الوساطة الكهنوتية والتعليم العلمي
إن أول ما نلاحظه على هذه الشبهة أنها تقوم على خلط كبير بين مفهومين مختلفين تمامًا: "الوساطة الكهنوتية" و"التعليم العلمي". فصاحب الشبهة يتعامل مع علماء الدين وكأنهم وسطاء كهنوتيون، والحقيقة أنهم معلمون ومرشدون.
ففي بعض الأديان المحرفة، رجال الدين يحتكرون العلاقة مع الإله: يدّعون أنهم الوسطاء الوحيدون بين الناس وربهم، ويزعمون أنهم يملكون سلطة الغفران والحرمان، ويبيعون صكوك الغفران، ويمنعون العامة من قراءة الكتب المقدسة.
أما في الإسلام، فالأمر مختلف تمامًا. العلماء ليسوا وسطاء بين العبد وربه بالمعنى الكهنوتي أبدًا. فالمسلم لا يحتاج إلى عالِم ليدعو الله أو يستغفره أو يتوب إليه. الدعاء مباشر، والتوبة مباشرة، والعبادة لا تحتاج إلى واسطة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ولنوضّح هذا الفرق بمثال واضح: العالِم في الإسلام كالطبيب تمامًا. الطبيب يشخص المرض ويصف العلاج، لكن المريض هو من يتناول الدواء. والطبيب لا يدّعي أنه يشفي، بل يدّعي أنه يعرف الأسباب المؤدية للشفاء. كذلك العالِم: يشرح الطريق إلى الله ويبيّن أحكام الشريعة، لكن المؤمن هو من يسير في الطريق ويطبق الأحكام.
فأين الوساطة في هذا؟ وأين الكهنوت؟ إن العالِم لا يملك غفران الذنوب ولا قبول التوبة، ولا يستطيع أن يُدخل أحدًا الجنة أو النار، وليس له سلطة روحية، بل علمية فقط. دوره التعليم والبيان، لا الوساطة والشفاعة.
الخطأ الثاني: مغالطة رفض التخصص العلمي
والخطأ الثاني في هذه الشبهة هو رفض مبدأ التخصص العلمي، وهذا يناقض السنن الكونية والعقل السليم والواقع المعاش.
فالتخصص سنة كونية ثابتة في جميع مجالات الحياة. لا أحد يقول: "لماذا أحتاج إلى طبيب؟ جسدي أنا وأعرفه بنفسي!" أو "لماذا أحتاج إلى مهندس؟ يمكنني بناء بيتي بنفسي!" أو "لماذا أحتاج إلى محامٍ؟ يمكنني الدفاع عن نفسي!" أو "لماذا أحتاج إلى معلم؟ يمكنني تعليم نفسي!"
فإذا كانت أمور الدنيا - مع محدوديتها - تحتاج إلى متخصصين، فكيف بالأمور المتعلقة بالله الذي ليس كمثله شيء؟ كيف بالعلوم المتعلقة بالكتاب الذي أُنزل بلغة معينة في زمن معين لقوم معينين، ثم انتشر في العالم؟ كيف بالسنة النبوية التي تحتوي على آلاف الأحاديث، منها الصحيح والضعيف والموضوع؟
ولنطرح أسئلة عملية: هل الناس كلهم يحفظون القرآن والسنة؟ وهل كل من حفظهما عارف بمعانيهما كما عرفها أهل اللغة العربية؟ وهل هو عالم بأسباب النزول وسياقات الأحاديث؟ وهل يستطيع التمييز بين الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد؟
إن الجواب البديهي هو: لا. وهذا يؤكد أن الدين - وإن كان يحتاجه الجميع - فإن العلم بتفاصيله وأحكامه لا يتقنه كل أحد، وهنا تظهر ضرورة التخصص.
الخطأ الثالث: إهمال تعقيدات فهم النصوص الشرعية
والخطأ الثالث هو إهمال حقيقة أن النصوص الشرعية - رغم وضوحها في الأصول الكبرى - تحتوي على وتفاصيل تحتاج إلى علم متخصص لفهمها.
فالقرآن الكريم - مع كونه كتاب هداية للجميع - يحتوي على آيات محكمات وأخرى متشابهات، وعلى عام وخاص، ومطلق ومقيد، وناسخ ومنسوخ. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].
فلماذا ذكر الله "الراسخون في العلم" إذا كان كل إنسان يستطيع فهم كل شيء بنفسه؟ إن هذا دليل قاطع على أن هناك مستويات مختلفة في الفهم، وأن بعض المسائل تحتاج إلى رسوخ في العلم.
ولنأخذ مثالاً عمليًا: كيف يفهم الإنسان العادي - الذي لا يعرف العربية أو يعرف منها القليل - قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]؟ دون معرفة معنى "قوّامون" في اللغة العربية، ودون معرفة السياق، ودون فهم المعنى الشامل للآية، قد يسيء فهمها تمامًا.
المعيار الأول: العلماء معلمون وليسوا وسطاء
إن الفرق بين العالِم في الإسلام والكاهن في الأديان المحرفة فرق جوهري أساسي:
الكاهن في بعض الأديان المحرفة: يدّعي الوساطة بين الناس والإله، ويزعم أنه يملك حق الغفران، ويحتكر تفسير النصوص، ويمنع العامة من قراءة الكتب المقدسة، ويبيع صكوك الغفران، ويدّعي السلطة الروحية المقدسة.
العالِم في الإسلام: يُعلّم الناس دينهم، ويشرح لهم النصوص، ويبين لهم الأحكام، ويرشدهم إلى الطريق الصحيح، لكنه لا يدّعي الوساطة ولا يملك الغفران ولا يحتكر التفسير. بل على العكس، يُشجع الناس على التعلم والقراءة والسؤال.
والأنبياء أنفسهم كانوا معلمين لأقوامهم، يبينون لهم أحكام الله ويعلمونهم كيف يعبدونه. فإذا كان الناس احتاجوا إلى الأنبياء - وهم معصومون - فكيف لا يحتاجون إلى العلماء من بعدهم؟
قال النبي ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» [أبو داود: ٣٦٤١].
فالعلماء يقومون بدور الأنبياء في التعليم والبيان، لا في الوساطة والشفاعة.
المعيار الثاني: التخصص ضرورة عقلية وشرعية
إن التخصص في العلوم الشرعية ليس ترفًا أو تعقيدًا، بل ضرورة عقلية وشرعية تقتضيها طبيعة العلم نفسه.
الضرورة العقلية: العقل السليم يقرر أن لكل علم أهله، ولكل فن رجاله. والعلوم الشرعية علوم متعددة تتطلب:
- إتقان اللغة العربية وعلومها (نحو، صرف، بلاغة، أدب)
- معرفة علوم القرآن (التفسير، أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ)
- إتقان علوم الحديث (الرواية، الدراية، الجرح والتعديل)
- فهم أصول الفقه وقواعده ومقاصد الشريعة
- الإلمام بالسيرة النبوية
فكيف يستطيع الإنسان العادي أن يتقن كل هذا دون دراسة متخصصة؟
الضرورة الشرعية: الشرع نفسه أقر مبدأ التخصص وضرورة الرجوع إلى أهل العلم. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. فلو كان كل إنسان يستطيع أن يفهم كل شيء بنفسه، لما أمر الله بسؤال أهل الذكر.
المعيار الثالث: النصوص تحتاج إلى علم لفهمها الصحيح
إن النصوص الشرعية - رغم وضوحها في الخطوط العريضة - تحتوي على تفاصيل ودقائق تحتاج إلى علم متخصص لفهمها:
في القرآن الكريم: يوجد المحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. ويوجد ما نزل في مكة وما نزل في المدينة، وما نزل في الحرب وما نزل في السلم. كل هذا يؤثر على الفهم والتطبيق.
في السنة النبوية: يوجد الصحيح والحسن والضعيف والموضوع. ويوجد العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ. وتمييز ذلك يحتاج إلى علم الحديث ومعرفة الرواة والأسانيد.
في الفقه والأحكام: تتداخل النصوص وتتكامل، وقد يكون الحكم مستنبطًا من عدة نصوص مجتمعة، أو من قياس، أو من مقاصد عامة. وهذا يتطلب فهمًا عميقًا لأصول الفقه.
المعيار الرابع: الحاجة العملية اليومية للعلماء
في الحياة اليومية، يواجه المسلم مسائل كثيرة تحتاج إلى معرفة شرعية متخصصة:
في المعاملات المالية: البنوك الإسلامية، التأمين، البورصة، العملات الرقمية، التجارة الإلكترونية. كيف يحكم الإنسان العادي على هذه المسائل دون الرجوع إلى متخصص؟
في النوازل الطبية: أطفال الأنابيب، زراعة الأعضاء، الهندسة الوراثية، الإجهاض، القتل الرحيم. هذه مسائل معقدة تحتاج إلى فهم طبي وشرعي معًا.
في قضايا الأسرة: أحكام الطلاق المعقدة، مسائل الميراث المتداخلة، قضايا النفقة والحضانة. كل هذا يحتاج إلى معرفة دقيقة بالأحكام الشرعية.
في العبادات: أحكام الصلاة في السفر والمرض، أحكام الزكاة في الاستثمارات الحديثة، أحكام الصيام للمرضى. حتى العبادات فيها تفاصيل تحتاج إلى علم.