شاهد من الواقع: كيف نتعامل مع الجرائم العظيمة
Article Summary
ولنأخذ مثالًا واقعيًا يوضح تناقض هذا المنطق: لو أن إنسانًا ارتكب أبشع الجرائم في حق البشر - قتل الأبرياء بالآلاف، وعذّب الأطفال والنساء، ومارس الإبادة الجماعية، وارتكب كل فظاعة يمكن أن يتصورها العقل البشري - ثم قيل إن هذا المجرم سيُعذَّب في النار فترة محدودة ثم يُخرج منها ويُترك، ماذا سيكون رد فعل أصحاب هذه الشبهة؟
لا شك أنهم سيثورون ويعترضون قائلين: "كيف يُخرج من العذاب وقد ارتكب أعظم الجرائم؟ أين العدل؟ أين الإنصاف للضحايا؟ إن جرائمه تستحق العذاب الأبدي!"
فإذا كان هذا موقفهم من الجرائم في حق المخلوقين، فكيف لا يكون موقفهم أشد عندما تكون الجريمة في حق الخالق سبحانه؟ إن هذا التناقض يكشف أن المشكلة ليست في أخلاقية التعذيب الأبدي، بل في عدم استشعار عِظَم الله وعِظَم حقه.
فالناس يستعظمون الجرائم في حق البشر لأنهم يرونها ويلمسون آثارها، لكنهم قد لا يستشعرون عِظَم الجريمة في حق الله لأنها جريمة معنوية تتعلق بالإيمان والاعتقاد. ولو أنهم تأملوا حقًا في معنى أن يُسوَّى رب العالمين بحجر أو شجر أو بشر، لأدركوا أن هذه الجريمة أعظم من كل جريمة.
المعيار الرابع: شمولية العدالة الإلهية ودقتها
إن من كمال العدالة الإلهية أنها لا تتعامل مع الظواهر السطحية، بل تنفذ إلى حقائق الأمور وأعماقها. فالله تعالى لا يحكم على الإنسان بناءً على أفعاله الظاهرة فقط، بل بناءً على حقيقة قلبه ونيته وموقفه الباطني من الحق.
والكافر الذي يموت على كفره قد أثبت - عبر سنوات طويلة من الحياة - أن موقفه من الحق موقف ثابت راسخ لا يتغير. فقد مرت عليه الأيام والليالي، وتوالت عليه النعم والنقم، وتكررت أمامه الآيات والبراهين، وسمع دعوة الحق مرارًا وتكرارًا، ومع كل هذا بقي مصرًا على كفره.
فإذا كانت كل هذه السنين والتجارب لم تغير من موقفه شيئًا، فهذا دليل قاطع على أن نيته في الكفر نية أبدية ثابتة. والعدالة الكاملة تقتضي أن يُجازى على هذه النية الأبدية بجزاء أبدي.
ولنضرب مثلًا يوضّح هذا المعنى: لو أن شخصًا أعلن عداءه لجاره، وظل ثلاثين عامًا يؤذيه ويضايقه رغم كل محاولات الإصلاح والتهدئة، حتى مات على هذا العداء، أفلا يكون هذا دليلًا على أن عداءه كان أصيلًا راسخًا في قلبه؟ وأن موقفه لو امتد إلى ما لا نهاية لبقي على نفس العداء؟
فإذا كان هذا في العداء بين البشر، فكيف بالعداء مع الخالق العظيم؟ إن من أصر على عداوة الله طيلة حياته، رغم كل الفرص والدلائل والنعم، فقد أثبت أن عداءه أبدي بالنية والقصد، فاستحق الجزاء الأبدي عدلاً وحكمة.
خاتمة: فهم صحيح للعدالة والرحمة الإلهية
وبعد هذا البيان الشافي والتحليل المفصل، يتضح لنا بجلاء أن القول بالاكتفاء بحرمان الكافر من الجنة دون تخليده في النار قول ينطوي على سوء فهم عميق لطبيعة الكفر وحقيقة العدل الإلهي.
لقد رأينا أن هذه الشبهة تقوم على أخطاء منطقية أساسية: التقليل من حجم جريمة الكفر، والقياس الناقص في فهم العدالة، وسوء فهم طبيعة المسؤولية الأخلاقية. ورأينا أن الكفر ليس مجرد تقصير أو إهمال، بل هو أعظم الجرائم على الإطلاق، وأظلم الظلم، وموقف عدائي نشط من الحق يستحق العقوبة الكاملة.
ورأينا أن طبيعة الكفر - كونه إنكارًا للحقيقة الأساسية، وموقفًا أبديًا بالنية، وعداوة مستمرة للحق - تقتضي أن يكون جزاؤه أبديًا. وأن العدل الحقيقي يقتضي التناسب بين الجريمة والعقوبة، فأعظم الجرائم تستحق أعظم العقوبات.
ورأينا أن الحكمة الإلهية البالغة اقتضت هذا الحكم العادل، وأن العدالة الإلهية الكاملة تنفذ إلى حقائق الأمور وأعماقها، فتجازي كل إنسان بما يستحق حقاً لا بما يبدو في الظاهر فقط.
إن الله تعالى لم يظلم أحدًا، بل أعطى كل إنسان الفرصة الكاملة للنجاة. أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، وفتح باب التوبة على مصراعيه، ووهب كل إنسان العقل والفطرة والحواس ليتدبر بها آيات الله. فمن اختار الكفر بعد كل هذا البيان، فقد اختار مصيره بإرادته الحرة، وعليه أن يتحمل تبعات اختياره كاملة غير منقوصة.
والعجيب أن أصحاب هذه الشبهة يطالبون بالرحمة للكافر الذي حارب الحق وجحد حق الخالق، ولا يتذكرون عدالة الله للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فاستحقوا الجنة. أفلا يستحق المؤمنون أن يروا عدل الله يُقام، وأن يشهدوا جزاء من ظلمهم وحاربهم واضطهدهم في سبيل إيمانهم؟
إن العدل الإلهي أكمل من أن تحيط به عقولنا، وأعظم من أن نقيسه بموازيننا القاصرة. والله حين حكم بتخليد الكافر في النار، إنما حكم بعلمه المحيط وحكمته البالغة وعدله المطلق. وما علينا إلا أن نُسلِّم ونؤمن، ونحذر من هذا المصير المخيف بالمبادرة إلى الإيمان الصحيح والعمل الصالح.
وليعلم كل مؤمن أن رحمة الله واسعة، لكنها لا تتناقض مع عدله. فهو الرحيم بعباده المؤمنين، العادل في حكمه على الظالمين. ورحمته الحقيقية تتجلى في هدايته للمؤمنين وإنجائهم من العذاب، أما الكافرون فقد اختاروا طريق الشقاء بأنفسهم رغم كل الفرص المتاحة.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، وأن يجنبنا الكفر والطغيان، وأن يجيرنا من النار ويدخلنا الجنة برحمته، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.