الحق والشبهات: رد علمي على شبهة وجود التساؤلات حول الإسلام
Article Summary
أما بعد، فإن من الأسئلة التي تطرح في المحافل الفكرية والحوارات الجدلية: "إذا كان الإسلام هو الدين الحق من عند الله، فلماذا توجد حوله كل هذه الشبهات؟ لماذا لا يكون واضحًا جليًا لا يحتمل التأويل ولا يقبل الاعتراض؟ أليس وجود الشبهات دليلًا على أنه ليس من عند الله؟ فالحق المطلق ينبغي أن يكون ساطعًا كالشمس لا تحوم حوله الشكوك ولا تعتريه الشبهات". وهذا سؤال يستحق إجابة علمية دقيقة، تكشف عن حقيقة طبيعة الحق والشبهات في هذا الوجود.
لكن هذا السؤال وإن بدا في ظاهره منطقيًا ومقبولًا، فإنه يقوم على فهم مضطرب لطبيعة النفس البشرية وحقيقة الشبهات، وعلى تصورات خاطئة لمعنى الوضوح والحق. فالنظرة السطحية التي تجعل من وجود الشبهات دليلًا على ضعف الحق تتجاهل حقائق أساسية في طبيعة الإنسان والكون، وتسقط في مغالطات منطقية واضحة تحتاج إلى كشف وتوضيح.
الخطأ الأول: مغالطة السبب والنتيجة في فهم طبيعة الشبهات
إن أول ما نلاحظه على هذه الشبهة أنها تقوم على مغالطة منطقية تُسمى "قلب السبب والنتيجة"، حيث تفترض أن الشبهات هي سبب الضلال، والحقيقة أن الشبهات في كثير من الأحيان هي نتيجة للضلال وليست سببه.
فالافتراض الخاطئ الذي تنطلق منه هذه الشبهة هو أن الناس متى ما عرفوا الحق اتبعوه، وأنهم إذا خالفوه اعترفوا صراحة بمخالفتهم له. والواقع يشهد بخلاف ذلك تمامًا، فكم من إنسان يعرف الحق معرفة يقينية ثم يُعرض عنه لهوى في نفسه أو مصلحة دنيوية، لكنه لا يعترف بهذا الإعراض حتى لنفسه، بل يبحث عن مبررات يُقنع بها ضميره ويُبرر بها موقفه أمام الناس.
قال تعالى في وصف هؤلاء: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]. فهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها الحق، لكنهم يجحدون بها ظاهريًا، ثم يحتاجون إلى مبررات لهذا الجحود.
ولنضرب مثلاً واضحًا من واقع الحياة: المدخن الذي يعلم علم اليقين أن التدخين يضر بصحته ويهدد حياته، لكنه مدمن عليه لا يستطيع تركه. هل يعترف أمام الناس بأنه يدخن رغم معرفته بضرره لمجرد الإدمان والضعف؟ كلا، بل يبحث عن "شبهات" يبرر بها استمراره: "هناك مدخنون عاشوا حتى التسعين"، "الهواء الملوث أضر من السجائر"، "الضغوط النفسية أخطر من التدخين"، وهكذا.
فهذه "الشبهات" لم تكن سبب إقباله على التدخين، بل هي نتيجة لحاجته النفسية لتبرير ما يفعله. ولو أُجيب عن كل هذه الشبهات لاخترع أخرى، لأن المشكلة ليست في الشبهات، بل في الإدمان الذي يحتاج إلى تبرير مستمر.
كذلك الأمر مع كثير من الشبهات المثارة حول الإسلام، فهي في حقيقتها محاولة لتبرير الإعراض عن الحق، وستار يختبئ خلفه من يريد الهروب من التكاليف الدينية دون أن يعترف بذلك صراحة. فالمنحرف عن الحق يُثير الشبهات لا لأنه يبحث عن الحقيقة، بل ليُظهر للناس - ولنفسه أحيانًا - أن له حججًا فيما ذهب إليه.
الخطأ الثاني: خرافة الوضوح القهري وتجاهل حقيقة الاختبار
والخطأ الثاني في هذه الشبهة هو الافتراض الخاطئ أن الحق ينبغي أن يكون قهريًا كالشمس، لا يملك أحد إنكاره أو الجدال فيه. وهذا فهم سطحي لطبيعة الحكمة الإلهية في خلق الإنسان واختباره.
إن الله تعالى لو شاء لجعل الإيمان قهريًا، كما جعل الجاذبية قهرية لا يملك أحد إنكارها. لكن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون الإيمان اختيارًا حرًا، لتتحقق العبودية الحقيقية المبنية على المحبة والرغبة، لا على الإكراه والاضطرار.
ولنفهم هذا بمثال واضح: الشمس نفسها - التي يضربها المعترضون مثلاً للوضوح القهري - لا يحبها كل الناس رغم إقرارهم بوجودها. فهناك من يحب شروقها ونورها ودفئها، وهناك من يلعنها كل صباح ويتمنى لو لم تشرق. فالإقرار بالوجود شيء، ومحبة هذا الوجود شيء آخر مختلف تمامًا.
لو جعل الله الإسلام قهريًا كالشمس، لأقر به الجميع ظاهريًا، لكن قلوبهم ستبقى منقسمة: فريق يُقر به ويحبه ويأنس به، وفريق يُقر به مُكرهًا ويكرهه في قلبه. وكيف يُميَّز حينئذ بين الفريقين؟ كيف يُعرف المؤمن الصادق الذي يحب دينه من المنافق الذي يُظهر التدين وقلبه يتمنى زوال هذا الدين؟
إن وجود مساحة للشك والاختبار هو من كمال الحكمة الإلهية، لأنه يُميز بين من يحب الحق ويسعى إليه، وبين من يكرهه ويفر منه. فالذي يصل إلى الحق عبر البحث والتفكير والتدبر، أقوى إيمانًا وأرسخ يقينًا من الذي يُجبر على الإقرار به إجبارًا.
الخطأ الثالث: مغالطة التعميم من الجزء إلى الكل
والخطأ الثالث في هذه الشبهة هو أنها تأخذ وجود بعض الشبهات حول بعض التفاصيل، وتعممها على الدين كله، وهذه مغالطة منطقية تُسمى "التعميم من الجزء إلى الكل".
فالحقيقة أن الإسلام واضح جلي في أصوله الكبرى التي هي مناط النجاة والهلاك: التوحيد واضح لا لبس فيه، والرسالة بيّنة لا غموض فيها، والبعث والجزاء ظاهران لا خفاء فيهما. هذه الأصول العظيمة محكمة واضحة، لا تحتمل الجدال الجدي من أي عاقل منصف.
أما بعض التفاصيل والفروع فقد يقع فيها بعض الاشتباه لحِكَم عظيمة، منها اختبار الراسخين في العلم، وإظهار فضل العلماء، وبيان حاجة الناس بعضهم إلى بعض. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
فالمحكم الواضح هو الأصل والأساس، والمتشابه يُرد إليه ولا يُبنى عليه. ومن طلب الحق بصدق وجده في المحكمات، ومن طلب الفتنة والتشكيك تعلق بالمتشابهات.
الخطأ الرابع: تجاهل سُنة الابتلاء في كل الحقائق
والخطأ الرابع هو تجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الشبهات والاعتراضات ليست خاصة بالإسلام، بل هي سُنة كونية تعرض لكل حقيقة، حتى الحقائق العلمية المادية الثابتة.
فنظرية الجاذبية - التي هي من أوضح الحقائق الفيزيائية - لها منكرون ومشككون. وكروية الأرض - التي صُورت من الفضاء ورآها الملايين - ما زال لها منكرون يدّعون أنها مسطحة. وحتى في الرياضيات - وهي أدق العلوم - هناك جدالات حول بعض النظريات والبراهين.
فإذا كانت الحقائق المادية الملموسة لم تسلم من الجدل والاعتراض، فكيف نتوقع أن تسلم الحقائق الدينية الغيبية من كل شبهة واعتراض؟ إن هذا التوقع غير منطقي ولا واقعي.
بل إن وجود الشبهات حول أي حقيقة قد يكون دليلًا على أهميتها وتأثيرها، فالحقائق التافهة التي لا تؤثر في حياة الناس لا يتعب أحد نفسه في الاعتراض عليها أو التشكيك فيها. أما الحقائق الكبرى التي تغير مجرى الحياة فهي التي تثير الجدل والنقاش.
المعيار الأول: الشبهات غربال يميز الصادق من المدعي
إن الله تعالى في حكمته البالغة جعل الشبهات بمثابة الغربال الذي يميز الجوهر من الزَبَد، والصادق في طلب الحق من المدعي. فهناك صنف من الناس يسمع الشبهة فتزيده بحثًا عن الحق وتعمقًا في الدين، فيبحث ويسأل ويقرأ حتى يجد الجواب، فيخرج من هذه التجربة أقوى إيمانًا وأرسخ يقينًا.
وهناك صنف آخر يتّخذ الشبهة ذريعة للهروب من التكاليف والانفلات من القيود الدينية، فيتشبث بها ولو كان جوابها أوضح من شمس النهار، ويرفض سماع أي توضيح أو تفسير، لأنه في الحقيقة لا يريد الجواب، بل يريد العذر.
ولنضرب مثلًا توضيحيًا: لو أن طالبًا في الجامعة واجه صعوبة في فهم مسألة رياضية معقدة، فهناك نوعان من ردود الفعل المحتملة:
النوع الأول: يذهب إلى الأستاذ ويسأله، ويراجع الكتب، ويتناقش مع زملائه، ويبذل جهدًا حقيقيًا في الفهم حتى يصل إلى الحل، فيزداد علمًا وثقة بنفسه.
النوع الثاني: يتخذ من صعوبة هذه المسألة ذريعة لترك الدراسة كلها، ويقول: "إذا كانت الرياضيات صحيحة، فلماذا توجد مسائل صعبة؟ لماذا لا تكون كلها واضحة بسيطة؟ وجود المسائل المعقدة دليل على أن الرياضيات ليست علمًا دقيقًا".
أي النوعين أصدق في طلب العلم؟ وأيهما يستحق النجاح؟ إن العاقل يدرك أن الأول هو الطالب الجاد الصادق، والثاني مجرد كسول يبحث عن عذر للتهرب من الجهد المطلوب.
كذلك الأمر مع الشبهات الدينية: فهي تكشف عن حقيقة القلوب ونياتها. من كان صادقًا في طلب الحق وجد الأجوبة، ومن كان يبحث عن عذر للإعراض تشبث بالشبهات ولو أُجيب عنها ألف مرة.
المعيار الثاني: قوة الحق تظهر في صموده أمام الشبهات
إن من أعظم الأدلة على قوة الإسلام وصلابته أنه صمد أمام جميع الشبهات والاعتراضات عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان. ما من شبهة أُثيرت ضده إلا وكان لها جواب شافٍ، وما من اعتراض طُرح إلا وقوبل بالرد المقنع.
والعجيب أن كثيرًا من الشبهات المثارة اليوم حول الإسلام قديمة جدًّا، أثارها أعداء الإسلام منذ القرون الأولى، وقد أجاب عنها العلماء إجابات مفصلة وافية في كتبهم ومؤلفاتهم. لكن المشكلة ليست في عدم وجود الأجوبة، بل في عدم البحث الصادق عنها.
فكم من مُثير للشبهات لم يكلف نفسه عناء قراءة صفحة واحدة في كتب التفسير أو الفقه أو العقيدة! وكم من متشكك يردد شبهات عمرها ألف عام وقد أُجيب عنها في مئات الكتب والرسائل!
ولنقارن هذا بالنظريات العلمية الحديثة: فنظرية النسبية لأينشتاين مثلًا، رغم قوتها وثباتها، ما زالت تواجه اعتراضات وتساؤلات من بعض العلماء. وقوانين نيوتن، رغم دقتها في مجالها، احتاجت إلى تعديل وتطوير مع اكتشافات جديدة. فهل نقول إن وجود هذه الاعتراضات والتطويرات دليل على بطلان هذه النظريات؟ بالطبع لا.
بل على العكس، قدرة هذه النظريات على الإجابة عن الاعتراضات، وتفسير الظواهر الجديدة، هو دليل على قوتها وصلابتها. كذلك الأمر مع الإسلام: قدرته على الإجابة عن كل شبهة، وصموده أمام كل اعتراض عبر القرون، هو أعظم دليل على أنه الحق من عند الله.
المعيار الثالث: التمييز بين الباحث عن الحق والباحث عن الشبهات
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين صنفين من الناس في تعاملهم مع الشبهات:
الصنف الأول: الباحث الصادق عن الحق، الذي إذا عرضت له شبهة تعامل معها بمنهجية علمية سليمة: يبحث عن جوابها بإخلاص، ويسأل أهل العلم والاختصاص، ويقرأ في المصادر الموثوقة، ويقارن بين الأدلة بعدالة وإنصاف. فإذا وجد الجواب المقنع اطمأن قلبه وازداد إيمانه، وإذا لم يجد الجواب فورًا صبر واستمر في البحث، ولم يتخذ من عدم وجدان الجواب في اللحظة الراهنة ذريعة لرفض الحق كله.
الصنف الثاني: الباحث عن الشبهات، الذي يتصيد الإشكالات والتساؤلات، ويتجاهل الأجوبة الواضحة، ويُعرض عن المحكمات الظاهرة ويتمسك بالمتشابهات الغامضة. هذا لا يريد الوصول إلى الحق بل يريد تبرير موقفه المسبق، فهو يبحث عن أي شيء يتعلق به ليبرر إعراضه عن الالتزام الديني.
ولنضرب مثلًا يوضح هذا الفرق: لو أن شخصًا يريد شراء سيارة، وعرض عليه بائع سيارة ممتازة بسعر معقول، لكن وجد فيها عيبًا صغيرًا في المكيف. فإن كان صادقًا في رغبته في الشراء سأل: "هل يمكن إصلاح هذا العيب؟ وكم يكلف الإصلاح؟"، فإذا كان الإصلاح ممكنًا ومعقولاً أتم الصفقة.
أما إن كان غير راغب في الشراء أصلًا - لأسباب أخرى لا يريد الإفصاح عنها - فسيتعلق بهذا العيب الصغير ويضخمه: "كيف أشتري سيارة فيها عيب؟ هذا دليل على أن السيارة كلها سيئة"، ولو أُصلح له هذا العيب لوجد عيبًا آخر، ولو أُصلحت كل العيوب لاخترع أعذارًا جديدة.
كذلك الأمر مع الشبهات الدينية: من كان صادقًا في طلب الحق قبل الأجوبة الواضحة واطمأن إليها، ومن كان يبحث عن عذر للإعراض رفض كل جواب واخترع شبهات جديدة.
المعيار الرابع: الحكمة الإلهية في درجات الوضوح
إن من كمال الحكمة الإلهية أن جعل الحق في درجة من الوضوح تكفي لهداية الصادقين، مع بقاء مساحة للاختيار والابتلاء. وهذا يحقق عدالة مطلقة في الحساب والجزاء.
فلو كان الحق خفيًا غامضًا لا يستطيع الوصول إليه إلا أفراد قلائل، لكان في ذلك ظلم للكثرة الكاثرة من الناس. ولو كان ظاهرًا قهريًا لا يملك أحد إنكاره، لفقد الإيمان قيمته وأصبح مجرد إقرار اضطراري لا ثواب عليه.
لكن الله تعالى في حكمته جعله في الدرجة المثلى: واضحًا بما يكفي لهداية من يريد الهداية، وفيه مساحة للاختبار تمنع الإكراه القهري. فمن أراد الحق وبحث عنه بصدق وجده، ومن أعرض عنه وتكبر عليه وُجدت له الذرائع والأعذار.
وهذا عين العدل: فلا يدخل الجنة إلا من أحب الحق وسعى إليه، ولا يُعذَّب إلا من كره الحق وفر منه، وليس مجرد من لم يستطع الإقرار به قهرًا. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].