العبقرية والإيمان: رد علمي على شبهة تعذيب العباقرة رغم خدمته
Article Summary
أما بعد، فإن من الأسئلة التي تتردد في أوساط بعض المثقفين والدارسين: "كيف يعذّب الله تعالى العباقرة والعلماء والمخترعين الذين قدموا للبشرية خدمات جليلة؟ أليس من الظلم أن يُعذَّب من اخترع الدواء الذي أنقذ الملايين، أو من اكتشف القوانين العلمية التي نفعت البشرية؟ كيف يكون مصير هؤلاء النافعين للناس هو النار، بينما قد ينجو جاهل لم يقدم للبشرية شيئًا؟". وهذا سؤال يستحق إجابة علمية واضحة، تكشف عن حقيقة العدل الإلهي والحكمة البالغة في معايير الجزاء.
لكن هذا السؤال وإن بدا في ظاهره منطقيًا ومقنعًا، فإنه يقوم على مفاهيم مضطربة ومعايير خاطئة، تحتاج إلى تصحيح وتوضيح. فالنظرة السطحية التي تقيس العدالة الإلهية بالمنافع المادية المؤقتة تتجاهل الحقائق الكبرى والمعايير الأساسية التي بُنيت عليها هذه الحياة.
الخطأ الأول: الخلط بين معايير التفاضل الدنيوي والأخروي
إن أول ما نلاحظه على هذه الشبهة أنها تقوم على مغالطة منطقية تُسمى "الخلط بين المعايير"، حيث يحاول صاحب الشبهة تطبيق معايير التقييم الدنيوي على الحساب الأخروي، وهذا خطأ يشبه من يحاول قياس الوزن بالمتر أو قياس الحرارة بالكيلوغرام.
فالمعايير الدنيوية تقوم على النفع المادي المباشر والخدمات العملية، أما المعايير الأخروية فتقوم على الحقيقة الكبرى التي خُلق من أجلها الإنسان: معرفة الخالق وعبادته. ومن العبث أن نخلط بين هذين المستويين المختلفين تمامًا.
ولنضرب مثلًا يوضّح هذا الخطأ: لو أن شركة كبرى وظَّفت محاسبًا، مهمته الأساسية إدارة الشؤون المالية. لكن هذا المحاسب أنكر وجود مجلس الإدارة الذي وظَّفه، أو رفض الاعتراف بسلطة رئيس الشركة، أو ادعى أنه شريك في ملكية الشركة وليس مجرد موظف. في المقابل، كان يساعد زملاءه وينفع الموظفين الآخرين في مهامهم الشخصية.
فهل يُعقل أن يُبقى في منصبه لمجرد أنه ينفع زملاءه؟ كلا، بل سيُفصل فورًا، لأنه أنكر الحقيقة الأساسية التي يقوم عليها عمله، وهي أنه موظف تابع لمن وظَّفه. فخدماته الجانبية لزملائه لا تُبرر له إنكار السلطة الأساسية التي وظفته.
كذلك الأمر مع الإنسان في هذه الحياة: فهو "موظف" من قِبل الخالق العظيم، وُضع في هذه الحياة لمهمة أساسية محددة هي معرفة ربه وعبادته. فإذا أنكر وجود من وظَّفه، أو رفض الاعتراف بحقه عليه، فإن خدماته للمخلوقين الآخرين لا تُبرر له هذا الإنكار الأساسي.
الخطأ الثاني: مغالطة التعميم الخاطئ في فهم العدالة
ومن الأخطاء المنطقية الواضحة في هذه الشبهة أنها تقوم على "مغالطة التعميم الخاطئ"، حيث تأخذ مفهومًا محدودًا للعدالة من السياق الدنيوي وتعممه على الحساب الإلهي الشامل.
فصاحب الشبهة يفترض أن العدالة تقتضي مكافأة كل من قدم نفعًا ماديًا للبشر، بغض النظر عن موقفه من الحقيقة الكبرى. وهذا تصور قاصر للعدالة، يتجاهل أن العدالة الحقيقية تقتضي إعطاء كل ذي حق حقه بحسب طبيعة ذلك الحق ومكانته.
ولنوضّح هذا بمثال من واقعنا: لو أن طبيبًا ماهرًا يعالج المرضى ويشفيهم، لكنه في نفس الوقت يسرق من خزينة المستشفى، أفيُعفى عن جريمة السرقة لأنه ينفع المرضى؟ ولو أن مهندسًا بارعًا يبني الجسور والمباني، لكنه يخون وطنه ويتجسس لصالح الأعداء، أفيُترك بلا عقاب لأنه يخدم العمران؟
كلا، بل يُحاسب على جريمته مهما كانت خدماته الأخرى. لأن العدالة تقتضي محاسبة كل إنسان على كل أعماله، لا انتقاء بعضها وتجاهل البعض الآخر. فالطبيب يُكافأ على طبه ويُعاقب على سرقته، والمهندس يُقدر على بنائه ويُحاسب على خيانته.
فإذا كان هذا في العلاقات بين المخلوقين، فكيف بالعلاقة مع الخالق؟ إن حق الله على عبده أعظم من كل حق، وجريمة الكفر به أكبر من كل جريمة. فكيف يُعفى العبقري من هذا الحق الأعظم لمجرد أنه قدم خدمات للمخلوقين؟
الخطأ الثالث: إهمال قانون الأولويات في الحقوق والواجبات
والخطأ الثالث في هذه الشبهة هو إهمال قانون أساسي في العقل والمنطق، وهو "ترتيب الأولويات حسب الأهمية والأصالة". فليست كل الحقوق متساوية، وليست كل الواجبات في نفس المرتبة.
فحق الوالد على ولده أعظم من حقّ الجار، وحق الوطن على المواطن أكبر من حق الزميل، وحق المُنعِم أولى من حق المستفيد. وهذا ما يقره العقل ويطبقه الناس في حياتهم دون جدال.
فإذا كان هذا مُسلَّمًا به بين المخلوقين، فما بالك بحق الخالق على المخلوق؟ إن الله تعالى هو الذي أوجد العبقري من العدم، ووهبه العقل الذي يفكر به، والدماغ الذي يُبدع به، والحواس التي يدرك بها، والصحة التي يعمل بها، والعمر الذي يستفيد منه. فأي حق أعظم من حق هذا المُنعِم على من أنعم عليه؟
إن العبقري الذي ينكر وجود الله أو يكفر به، إنما ينكر أصل النعم كلها، ويجحد المصدر الأساسي لكل ما يملك. فكيف يُقدم حق المخلوقين على حق الخالق؟ وكيف تُعتبر خدمة الفروع أهم من الاعتراف بالأصل؟
المعيار الأول: حقيقة الغاية من الخلق لا تُلغيها المنافع الجانبية
إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لغاية عظمى واضحة، بيّنها في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. فالعبادة هي الغاية الأساسية، وما سواها من الأعمال والإنجازات فهي وسائل وثواب جانبي.
والعبادة في حقيقتها إقرار بالحقيقة الكبرى: أن الله هو الخالق الرازق المدبر، وأن العبد فقير محتاج إليه في كل نَفَس من أنفاسه. ومن هذا الإقرار ينبثق الخضوع له وطلب مرضاته والانقياد لأوامره.
فمن أقر بهذه الحقيقة وعاش وفق مقتضياتها، فقد حقق الغاية من وجوده، ومن أنكرها أو تكبر عنها فقد أخطأ الهدف الأسمى، مهما كانت إنجازاته في المجالات الأخرى.
ولنفهم هذا بوضوح أكبر: إن الطالب الذي يدخل الجامعة لدراسة الطب، مهمته الأساسية هي دراسة المواد الطبية والنجاح فيها. فلو أنه أهمل دراسة الطب تمامًا، وانشغل بأنشطة جانبية مفيدة كتنظيم الرحلات الترفيهية وإقامة المهرجانات الثقافية، فإنه سيرسب في الطب ولن يحصل على الشهادة، مهما كانت خدماته الجانبية مفيدة للطلاب الآخرين.
لماذا؟ لأنه أهمل المهمة الأساسية التي جاء من أجلها، وانشغل بأمور ثانوية وإن كانت نافعة. فالنفع الجانبي لا يُغني عن تحقيق الهدف الأساسي.
المعيار الثاني: العقل والعلم حجة على صاحبهما لا عذر له
إن من أعظم المفارقات في تاريخ البشرية أن ينظر العبقري إلى عبقريته فلا يرى فيها برهانًا على وجود من وهبها له. فهل يستطيع أذكى العقول البشرية أن يخلق للبعوضة عقلًا؟ وهل يقدر أعظم العلماء أن يضيف إلى جسمه عضوًا واحدًا من الأعضاء؟
إن العبقرية نفسها تصرخ بأنها مخلوقة موهوبة. انظر إلى دماغ الإنسان، هذه المعجزة التي يحملها العبقري بين كتفيه: مائة مليار خلية عصبية، كل خلية تتصل بآلاف الخلايا الأخرى في شبكة تفوق في تعقيدها كل ما صنعه البشر مجتمعين. هذا الدماغ الذي يستطيع أن يتأمل في ذاته، أن يفكر في تفكيره، أن يُدرك إدراكه، هو من أعظم الأدلة على عظمة الخالق.
فالعالِم الذي يكتشف معادلة رياضية تصف حركة الكواكب، أو قانونًا فيزيائيًا يحكم سلوك الذرات، إنما يكتشف لغة كُتب بها الكون. ومن العجب أن يقرأ اللغة وينكر وجود من كتبها! أن يُعجب بالقصيدة ويجحد الشاعر! أن يُبهر بالنظام ويُنكر المنظِّم!
وهنا يكمن الإعجاز الحقيقي: أن الكون مكتوب بلغة رياضية يستطيع العقل البشري فهمها. لماذا؟ لماذا تتطابق قوانين الفكر مع قوانين الوجود؟ لماذا يستطيع عقل صغير محدود أن يفهم كونًا لا محدودًا؟ الجواب واحد: لأن الذي خلق العقل هو الذي خلق الكون، فجعل بينهما تناسبًا وتناغمًا.
إن الذكاء الحقيقي هو أن يستخدم الإنسان عقله ليصل إلى الحقيقة الكبرى، والعبقرية الحقيقية هي أن يرى في كل اكتشاف علمي آية على عظمة الخالق. أما من يستخدم نعمة العقل لينكر المُنعِم، فقد خان الأمانة وكفر النعمة، واستحق أن يُحرم من بركتها في الدارين.
المعيار الثالث: العدل الإلهي لا يُبخس أحدًا حقه
والحق أن الله تعالى أعدل العادلين، لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يُغمط حقّ ذي حقّ. وهؤلاء العباقرة الذين خدموا البشرية لم يُحرموا من جزاء عملهم، بل نالوا أجرهم كاملاً غير منقوص - في الدار التي عملوا من أجلها.
انظر إلى حياة هؤلاء العباقرة تجدهم قد حصدوا ثمار عبقريتهم في الدنيا: نالوا الشهرة حتى طبقت أسماؤهم الآفاق، وحازوا الجوائز والأوسمة من كل مكان، وتمتعوا بالثروة والرفاهية، وعاشوا في قصور العلم والمعرفة محاطين بالتقدير والإجلال. بل إن أسماءهم خُلِّدت بعد موتهم، فسُميت القوانين بأسمائهم، والنظريات بألقابهم، والجامعات والمعاهد بأعلامهم.
فأين الظلم إذن؟ لقد أعطاهم الله أجر الدنيا في الدنيا، كاملاً موفورًا. قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]. فالله لا يُبخس أحدًا حقه، بل يُعطي كل عامل أجر ما عمل له.
لكن العدل الحقيقي أعمق من ذلك. إن العدل يقتضي أن يُعطى كل إنسان ما اختار لنفسه. فمن اختار الدنيا وعمل لها أُعطيها، ومن اختار الآخرة وعمل لها أُعطيها. والعبقري الذي كرّس حياته للعلم المادي وأعرض عن معرفة خالقه، قد اختار بإرادته الحرة أن يكون أجره في الدنيا فقط. فكيف يطلب أجر الآخرة وهو لم يؤمن بها ولم يعمل لها؟
بل إن العدل الإلهي يتجلى في أمر آخر أدق: وهو أن الله تعالى يُحاسب كل إنسان بحسب ما أُعطي. فمن أُعطي عقلاً راجحًا وذكاءً متوقدًا كانت الحجة عليه أبلغ، والمسؤولية أعظم. قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فمع الخير الكثير تأتي المسؤولية الكبيرة.