شاهد من الواقع: كيف نتعامل مع الجرائم العظيمة في قوانيننا
Article Summary
والعجب أن الناس في حياتهم لا يقبلون أدنى صور التسوية الظالمة. فلو أن معلمًا سوَّى بين طالب مجتهد وآخر مهمل فأعطاهما الدرجة نفسها، لثار الناس واتهموه بالظلم الصريح. ولو أن حكومة سوَّت بين موظف أمين وآخر خائن في المكافأة، لعدُّوا ذلك فسادًا وهدمًا للعدالة.
والأعجب أن عقوبة ذلك المعلم الظالم لا تنحصر في اللحظة التي وقع فيها الظلم، بل قد يُفصل من عمله، وتُسحب منه الثقة، ويبقى موصومًا بهذه الجريمة إلى آخر عمره، مع أن ظلمه كان تسوية بين بشرين الفرق بينهما محدود.
فكيف إذن بمن يسوِّي بين الخالق والمخلوق، بين من له الكمال المطلق ومن هو محتاج دائمًا؟ بين من خلق السماوات والأرض وبين من لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟ إن الفرق بينهما لا تحيط به العقول ولا تدركه الأفهام. فإذا كانت التسوية بين مختلفَين في صفات محدودة تستحق عقوبة ممتدة، فكيف لا تستحق التسوية بين الخالق والمخلوق - وهي أظلم الظلم - عقوبة أبدية لا تنقطع؟
خاتمة: الحقيقة الناصعة
وبعد هذا التطواف في جنبات هذه المسألة العظيمة، يتجلى لنا بوضوح تام أن تخليد الكافر في النار ليس ظلمًا ولا جورًا، بل هو عين العدل والحكمة الإلهية. فالنظرة السطحية التي تقيس الأمور بالزمن وحده تتهاوى أمام الحقائق العميقة التي كشفناها.
لقد رأينا أن النية الأبدية تستحق الجزاء الأبدي، وأن الكافر الذي يموت على كفره قد عقد العزم على البقاء على هذا الكفر إلى أبد الآباد. ورأينا أن عِظَم الجُرم لا يُقاس بطول الزمن، وأن الكفر والشرك هما أظلم الظلم وأعظم الجرائم، لأنهما تسوية بين الخالق والمخلوق.
وتبيّن لنا أن الله سبحانه قد أعطى كل الفرص الممكنة للهداية: العقل والفطرة، والآيات الكونية، والرسل والكتب، والعمر المديد، وباب التوبة المفتوح. فمن أعرض بعد كل هذا فقد أقيمت عليه الحجة من كل وجه.
والأعجب من كل هذا أن الله برحمته الواسعة لا يُخلِّد في النار إلا من خلا قلبه تمامًا من كل ذرة من خير، من مات قلبه موتًا كاملاً عن معرفة ربه.
إن هذه الحقائق مجتمعة تضع أمامنا صورة متكاملة لعدل الله المطلق وحكمته البالغة. فالله أعلم بخلقه، وأحكم في قضائه، وأعدل في جزائه. وما علينا إلا أن نسلِّم لحكمته، ونثق بعدله، ونوقن أنه سبحانه ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
والعاقل من يتعظ بهذا كله، فيبادر إلى الإيمان والتوبة قبل فوات الأوان، ويغتنم الفرص المتاحة قبل أن يُغلق الباب. فإن الحياة قصيرة، والموت يأتي بغتة، والفرصة قد لا تتكرر.
نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، وأن يحيينا عليه، وأن يميتنا عليه، وأن يجيرنا من النار وعذابها، إنه سميع مجيب، وهو أرحم الراحمين.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.