إعجاز القرآن متعدد الوجوه - رد علمي على شبهة "لا نرى أي إعجا
Article Summary
أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في محاولاتهم للطعن في القرآن الكريم ومعجزته الخالدة شبهة تقول: "المسلمون يدّعون أن القرآن معجز، لكننا لا نرى أي إعجاز فيه. هو مجرد كتاب مكتوب بالعربية، فيه قصص وأحكام وأوامر مثل أي كتاب ديني آخر. أين الإعجاز المزعوم؟"
ويضيف أصحاب هذه الشبهة: "لو كان القرآن معجزًا حقًّا، لكان إعجازه واضحًا للجميع كوضوح إحياء الموتى أو شق البحر. لكننا لا نجد فيه إلا كلامًا عاديًا يمكن لأي إنسان أن يكتب مثله أو أفضل منه".
وهذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها مبنية على تقييم موضوعي للقرآن الكريم، فإنها تقوم في حقيقتها على أخطاء منهجية واضحة في فهم طبيعة الإعجاز القرآني وتعدد وجوهه، وعلى تجاهل للحقائق التاريخية والعلمية الثابتة. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة علمية شاملة، نكشف فيها عن الأخطاء المنهجية والحقائق الغائبة.
الأخطاء المنهجية في الشبهة
الخطأ الأول: حصر دلائل النبوة في الإعجاز القرآني وحده
إن أول خطأ منهجي يقع فيه أصحاب هذه الشبهة هو حصر دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في إعجاز القرآن وحده، وتجاهل المنظومة المتكاملة من البراهين والأدلة المتضافرة على صدق نبوته.
فدلائل النبوة المحمدية متنوعة ومتعددة، يعضد بعضها بعضًا في منظومة محكمة من البراهين الساطعة:
فمن دلائل النبوة الأخرى: صدقه وأمانته المشهودة، فقد عُرف بالصادق الأمين أربعين سنة قبل البعثة، ولم يُعرف عنه كذبة واحدة حتى من ألد أعدائه. وأخلاقه العظيمة التي شهد بها حتى أعداؤه قبل الإسلام وبعده. والإخبار بالغيوب المتحققة، كفتح القسطنطينية وانتصار الروم وفتح فارس والعراق. واستجابة الدعاء في مواقف كثيرة مشهودة.
والمعجزات الحسية الثابتة كانشقاق القمر ونبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام وحنين الجذع. والتأييد الإلهي الواضح في نصره مع قلة العدد والعدة على أعظم إمبراطوريتين في عصره. والأثر المذهل لدعوته في تحويل أمة جاهلية متفرقة إلى خير أمة أُخرجت للناس في زمن قياسي.
فمن لم يدرك إعجاز القرآن - لقصور في فهمه أو انحراف في منهجه - فأمامه عشرات الأدلة الأخرى الواضحة على صدق النبوة. والعاقل المنصف ينظر في مجموع الأدلة وتضافرها، لا في دليل واحد معزول عن سياقه.
الخطأ الثاني: الجهل بتعدد وجوه الإعجاز القرآني
والخطأ المنهجي الثاني الخطير هو تجاهل تعدد وجوه الإعجاز القرآني وتنوعها، والنظر إليه بمنظور أحادي ضيق لا يدرك شمول المعجزة وعمقها.
فدعوى عدم إدراك إعجاز القرآن تنم عن قصور واضح في النظر أو تحامل مكشوف في الحكم، لأن إعجاز القرآن متعدد الوجوه ومتنوع المجالات، بما يناسب تنوع الناس في قدراتهم واهتماماتهم وتخصصاتهم.
الخطأ الثالث: مغالطة المطالبة بالإعجاز الواضح للجميع
والخطأ المنهجي الثالث هو المطالبة بأن تكون المعجزة واضحة للجميع وضوحًا حسيًا مباشرًا، كإحياء الموتى أو شق البحر، وهذا القول ينطوي على عدة مغالطات أساسية.
فأولًا: هناك فرق بين طبيعة معجزات الأنبياء السابقين ومعجزة القرآن. فمعجزات موسى وعيسى وصالح عليهم السلام كانت آنية مؤقتة، شاهدها فقط من حضرها في ذلك الزمان والمكان، أما نحن فلم نشهدها وإنما نؤمن بها تصديقاً للنقل التاريخي. في المقابل، القرآن معجزة باقية متجددة، كل جيل يستطيع فحصها واختبارها بنفسه دون الحاجة للاعتماد على روايات الماضي فقط.
وثانيًا: التاريخ يثبت أن وضوح المعجزة الحسية لا يضمن الإيمان. فرعون شاهد تسع معجزات باهرات، ورأى البحر ينشق أمام عينيه، ومع ذلك لم يؤمن حتى أدركه الغرق. وقوم ثمود طلبوا آية محددة فأخرج الله لهم ناقة من الصخر الأصم، فما كان منهم إلا أن عقروها.
وثالثًا: من حكمة الله أن تأتي المعجزة مناسبة لما برع فيه القوم المُرسل إليهم. فالعرب كان فخرهم وميدان تنافسهم في البيان والبلاغة، فجاءتهم معجزة بيانية أعجزتهم في مجال تخصصهم.
أوجه الإعجاز القرآني المتعددة
وبعد أن كشفنا عن الأخطاء المنهجية في هذه الشبهة، ننتقل إلى بيان أوجه الإعجاز القرآني المتعددة، والتي تظهر عظمة هذه المعجزة الخالدة وشمولها.