الإعجاز الأول: الإعجاز البياني واللغوي
Article Summary
إن أول وجوه الإعجاز القرآني وأوضحها هو الإعجاز البياني واللغوي، الذي أعجز العرب في عقر دارهم وفي أوج قوتهم اللغوية والبيانية.
فالعرب وقت نزول القرآن كانوا في ذروة قوتهم اللغوية والبيانية، كانت اللغة فخرهم الأعظم وميدان تنافسهم الأول. علّقوا القصائد المتميزة على الكعبة تقديراً لبلاغتها، وكان الشاعر يرفع قبيلته أو يضعها بقصيدة واحدة، وأسواقهم الأدبية كعكاظ كانت محافل للمباراة اللغوية والتفاخر البياني.
هؤلاء القوم الذين يميزون بين البليغ والأبلغ، والفصيح والأفصح، عجزوا عجزًا تامًا أمام القرآن الكريم، والعجز تجلى في مستويين واضحين:
المستوى الأول: عجزوا عن الإتيان بمثله رغم التحدي الصريح المتكرر. وقد كان الأسهل عليهم - وهم أرباب الفصاحة - أن يأتوا بسورة واحدة تضاهيه بدلًا من خوض حروب مدمرة استمرت عشرين سنة. لكنهم لم يفعلوا، لأنهم أدركوا استحالة ذلك. حتى الوليد بن المغيرة - ألد أعدائه - لما سمع القرآن قال: "والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة".
المستوى الثاني: عجزوا عن إيجاد خطأ لغوي واحد فيه. وهؤلاء القوم كانوا يتصيدون الأخطاء في قصيدة واحدة ليسقطوا شاعرها. فلو وجدوا في القرآن - وهو آلاف الآيات - خطأً واحدًا في النحو أو الصرف أو الاستعمال اللغوي، لطاروا به وأشاعوه. لكن لم يحدث! بل على العكس، صار القرآن هو المرجع الأعلى في اللغة العربية.
والأعجب من ذلك أن هذا النص الذي نزل مفرّقًا على ثلاث وعشرين سنة، في ظروف مختلفة ومواقف متنوعة، من رجل أمي لم يُعرف بقول الشعر أو الخطابة، جاء في قمة البلاغة والإحكام اللغوي، دون خطأ واحد - وهذا لا يمكن أن يكون بشرياً.
الإعجاز الثاني: الإعجاز التشريعي
ومن أوجه الإعجاز القرآني العظيمة الإعجاز في التشريع، حيث يتميز التشريع الإسلامي بخصائص فريدة يصعب تفسيرها بالعبقرية البشرية وحدها، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار زمان ومكان وظروف من جاء به.
فمن خصائص هذا التشريع المعجز: الثبات في الأصول والمرونة في الفروع، فالمبادئ الأساسية في الشريعة ثابتة لا تتغير، لكن آليات تطبيقها تتسع للمستجدات. فمثلًا: حفظ المال مبدأ ثابت، لكنه يستوعب المعاملات المصرفية الحديثة والتجارة الإلكترونية والعملات الرقمية - أشياء لم تكن في الحسبان قبل أربعة عشر قرنًا.
ومن خصائصه أيضًا: معالجة التشريع للطبيعة البشرية بحكمة بالغة، كما في التدرج في تحريم الخمر، الذي راعى واقع مجتمع اعتاد على الخمر قرونًا، فلم يصدمه بالمنع المفاجئ الذي قد يؤدّي للرفض أو التمرد، بل هيّأ النفوس تدريجيًا لقبول الحكم النهائي.
ومنها: التوازن الدقيق في الحقوق والواجبات، كما في نظام الميراث الذي يحقق العدل الحقيقي لا المساواة الشكلية، واستيعاب الاستثناءات دون إخلال بالقاعدة، والواقعية في التشريع التي تراعي ظروف المجتمعات وقدراتها.
فالسؤال المحوري: كيف توصل رجل في القرن السابع، في بيئة صحراوية محدودة، إلى منظومة تشريعية بهذا العمق والشمول والتوازن؟ منظومة تعالج قضايا لم تكن مطروحة في عصره، وتضع حلولًا لمشكلات ستظهر بعد قرون؟ الإجابة المنطقية: هذا يتجاوز القدرات البشرية المحدودة بزمانها ومكانها، ويشير إلى مصدر أعلى يحيط بكل زمان ومكان.