الإعجاز الثالث: الإعجاز في الإخبار عن الغيب
Article Summary
ومن أوجه الإعجاز القرآني الساطعة الإخبار عن الغيوب المتنوعة - ماضية وحاضرة ومستقبلية - بدقة مذهلة، في وقت لم تكن فيه وسائل للتحقق من كثير منها إلا بعد قرون.
فمن الإخبار عن الغيب الماضي: قصة فرعون موسى، حيث وصفه القرآن بـ"فرعون" وليس "ملك مصر" - وهذا دقيق تاريخيًا، فلقب "فرعون" كان يُطلق على حكام مصر في تلك الفترة فقط. بينما عند ذكر حاكم مصر زمن يوسف، استخدم القرآن لفظ "الملك" - وهذا أيضًا دقيق، لأن مصر في عهد يوسف كانت تحت حكم الهكسوس الذين لم يستخدموا لقب فرعون.
ومن الإخبار عن الغيب الحاضر: أسرار المنافقين التي كان القرآن يفضحها، فآيات تنزل تكشف ما يخططون له في السر وما يقولونه في مجالسهم الخاصة، ولم يجرؤ أحد منهم على الإنكار.
ومن الإخبار عن الغيب المستقبلي: النبوءة الشهيرة ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 2-4]. نزلت والفرس منتصرون انتصارًا ساحقًا، والروم في أسوأ حالاتهم، وفعلًا في أقلّ من تسع سنوات انقلبت الموازين تمامًا.
وقوله تعالى عن فرعون: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]، وقد اكتُشفت مومياء فرعون موسى محفوظة بعد آلاف السنين، تماماً كما أخبر القرآن.
هذه الأخبار الغيبية المتنوعة، الدقيقة، المتحققة، لا يمكن أن تصدر عن تخمين أو صدفة، إنها برهان ساطع على الاتصال بمصدر يعلم الغيب المطلق.
الإعجاز الرابع: الإعجاز العلمي
ومن أوجه الإعجاز المذهلة في القرآن الكريم احتواؤه على إشارات لحقائق علمية لم تكن معروفة في القرن السابع، واكتُشفت لاحقاً بالوسائل العلمية الحديثة.
فمن ذلك وصف تطور الجنين في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: 14]. والوصف القرآني يتطابق مع المراحل المعروفة علميًا، بل إن تكون العظام يسبق اكتمال تكون العضلات، وهو ما أكده علم الأجنة الحديث.
ومن ذلك الإشارة إلى توسع الكون في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]، وكلمة "موسعون" اسم فاعل يفيد الاستمرار، وهذا يتوافق مع اكتشاف إدوين هابل عام 1929 أن الكون في حالة توسع مستمر، في وقت كان الاعتقاد السائد أن الكون ثابت.
ومن ذلك وصف الحاجز بين البحرين في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: 19-20]، وهذه الظاهرة موثقة علميًا في مناطق التقاء المياه العذبة بالمالحة وعند التقاء بحرين مختلفين في الملوحة والكثافة.
ومن ذلك الإشارة إلى ظلمات البحر العميق في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ [النور: 40]، والإشارة إلى وجود ظلمات في البحر العميق ووجود أمواج داخلية تحت السطح، وهو ما لم يُكتشف إلا بالأجهزة الحديثة.
ومن ذلك بيان دور الجبال في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15]، والجيولوجيا الحديثة أثبتت أن للجبال دوراً في استقرار القشرة الأرضية، ولها جذور عميقة تساهم في توازن الصفائح التكتونية.
هذه الإشارات العلمية المتعددة والدقيقة، في وقت لم تكن فيه أدوات أو وسائل لاكتشافها، تشهد بأن مصدر القرآن هو العليم الخبير الذي أحاط بكل شيء علمًا.
الإعجاز الخامس: الإعجاز في الحفظ
ومن أعظم أوجه الإعجاز القرآني أنه الكتاب الوحيد في تاريخ البشرية الذي حُفظ كاملًا، حرفًا بحرف، نقطة بنقطة، منذ نزوله قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا حتى اليوم، وهذا الحفظ له أبعاد متعددة تجعله معجزة فريدة.
فمن ذلك الحفظ في الصدور، حيث ملايين المسلمين عبر القرون يحفظون القرآن كاملًا عن ظهر قلب، واليوم في كل بلد مسلم تجد آلافًا من الحفاظ، أطفال في العاشرة يحفظون ستمئة صفحة بالتشكيل والتجويد. قارن هذا بأي كتاب آخر: لا يوجد يهودي واحد يحفظ كتبهم المقدسة كاملة، ولا نصراني واحد يحفظ العهد الجديد كاملًا.
ومن ذلك الحفظ بالتواتر، فالقرآن لم ينتقل عبر نسخة واحدة أو راوٍ واحد، بل بالتواتر الجماعي، آلاف الصحابة حفظوه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، ونقلوه لعشرات الآلاف من التابعين، وهكذا في كل جيل.
ومن ذلك آلية المراجعة المستمرة، ففي كل رمضان يُقرأ القرآن كاملًا في صلاة التراويح في ملايين المساجد، وأي خطأ يصححه المصلون فورًا. وفي صلاة الجماعة، إذا أخطأ الإمام ولو في حرف، يرده المصلون خلفه.
ومن ذلك توحد النص رغم تباعد الأمصار، فالمصحف في إندونيسيا مطابق تمامًا للمصحف في المغرب، رغم آلاف الأميال وأربعة عشر قرنًا من الانفصال. قبل عصر الطباعة والاتصالات، كيف حافظت أمة متفرقة على نص واحد موحد؟
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. هذا وعد قاطع بحفظ القرآن، ولو وُجد تحريف واحد لسقط القرآن كله. لكن ها نحن بعد أربعة عشر قرنًا، والنص كما هو، محفوظ في الصدور والسطور، يتحدى الزمن والأعداء.
الرد على الاعتراضات الأخرى
"لكن هذا الإعجاز ليس واضحًا للجميع"
قد يقول قائل: "لكن هذا الإعجاز المزعوم ليس واضحًا للجميع كوضوح المعجزات الحسية".
والجواب: أن تعدد أوجه الإعجاز القرآني رحمة وليس نقصًا، فالناس متفاوتون في القدرات والاهتمامات والخلفيات. العالم اللغوي يُبهر بالنسق القرآني الفريد، والمتخصص القانوني يندهش من إحكام التشريع، والطبيب يتعجب من دقة الإشارات العلمية، والإنسان البسيط يجد في معانيه ما يلامس قلبه ويمنحه السكينة.
كما أن كون القرآن معجزة دائمة متجددة متعددة الأوجه هو ميزة عظيمة، فكل جيل يستطيع التحقق منها بنفسه، بخلاف المعجزات الآنية التي لا يشهدها إلا جيل واحد.