· · 8 min read · الردود على الشبهات (٢٠٢٦)

النبوة والمآرب الدنيوية - رد علمي على شبهة "هل كان النبي طال

Article Summary

أما بعد، فإن من الشبهات التي يثيرها بعض المشككين في محاولاتهم للطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم شبهة تقول: "محمد لم يكن نبيًا حقيقيًا، بل رجلًا ذكيًا طموحًا استغل ادعاء النبوة لتحقيق مآرب دنيوية من السلطة والثروة والجاه والنساء".

وهذه الشبهة وإن بدت في ظاهرها تحليلًا نفسيًا لدوافع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تقوم في حقيقتها على أخطاء منهجية جسيمة في فهم طبيعة النبوة والزهد، وعلى تجاهل صارخ للحقائق التاريخية الثابتة عن حياة النبي وسيرته. ولعل من المناسب أن نقف مع هذه الشبهة وقفة علمية شاملة، نكشف فيها عن الأخطاء المنهجية والحقائق الدامغة.

الأخطاء المنهجية في الشبهة

الخطأ الأول: التصور الخاطئ للنبوة والزهد

إنّ أوّل خطأ منهجي يقع فيه أصحاب هذه الشبهة هو انطلاقهم من مفهوم محرّف للنبوة والزهد، حيث يفترضون تعارضًا وهميًا بين النبوة وامتلاك القوة الدنيوية أو المكانة الاجتماعية.

فهم يتصوّرون أن النبي الصادق يجب أن يعيش في كوخ منعزل، فقيرًا معدمًا، بعيدًا عن أي مقاليد القوة أو التأثير في المجتمع. وهذا تصور خاطئ لا يتفق مع ما جاءت به الرسالات السماوية.

فالإسلام لا يدعو للرهبانية أو الانعزال عن الحياة، بل يحث على طلب القوة المادية لنصرة الحق كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]. ويأمر بالسعي في الأرض والتفوق الحضاري مع السمو الأخلاقي: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77].

بل إن التاريخ يشهد بأمثلة كثيرة من الأنبياء الذين جمعوا بين النبوة والقوة الدنيوية: فداود وسليمان عليهما السلام كانا نبيين ملكين، يملكان من القوة والثروة ما لم يملكه أحد في زمانهما. ويوسف عليه السلام كان نبيًا وعزيز مصر. وموسى عليه السلام كان نبيًا وقائدًا سياسيًا وعسكريًا لبني إسرائيل.

فإذا لم يكن ثمة تعارض بين النبوة وتحقيق العلو المادي والاجتماعي، فلا يكون في ما حققه النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المكانة أي دليل على انتفاء نبوته.

الخطأ الثاني: التناقض المنطقي في لوازم الشبهة

والخطأ المنهجي الثاني الخطير هو أن هذه الشبهة تنطوي على تناقض منطقي يكشف عن خلل في أساسها الفكري.

فأصحاب الشبهة يفترضون أن النبي الصادق يجب أن يتجنب كل ما يمنحه قوة أو نفوذًا في المجتمع، وأن عليه البقاء في حالة من الضعف المستمر ليثبت إخلاصه وصدق دعواه. لكن هذا الافتراض يحمل في طياته لازمًا خطيرًا لم يتنبه إليه أصحاب الشبهة.

فلو سلّمنا جدلًا بصحة هذا المنطق، وطبقناه على الواقع التاريخي، لوجدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه أن يمتنع عن بناء أي قوة سياسية أو عسكرية أو اقتصادية. كان عليه أن يبقى مستضعفًا في مكة، يرفض الهجرة التي ستمنحه موطئ قدم، ويرفض تكوين جيش يحمي الدعوة، ويرفض إقامة نظام سياسي ينظم شؤون المجتمع المسلم.

والنتيجة الحتمية لهذا المسار كانت ستكون استئصال المسلمين على يد قريش وحلفائها، وموت الدعوة في مهدها قبل أن تؤتي ثمارها.

إن هذا المنطق يضع الحق تحت رحمة الباطل، ويجعل أهل الإيمان فريسة سهلة لأهل الطغيان. فكيف يمكن لدين يحمل منهجاً إصلاحيًا شاملًا أن ينتشر ويطبق تعاليمه إذا كان قادته ممنوعين من امتلاك أي وسيلة لحماية أتباعهم أو تطبيق مبادئهم؟

والعجيب أن أصحاب هذه الشبهة يقعون في فخ منطقي من صنع أيديهم. فهم إن رأوا النبي ضعيفًا مستضعفًا قالوا: "لو كان نبيًّا حقًّا لنصره الله ومكّن له". وإن رأوه قويًا منتصرًا قالوا: "إنما يطلب الدنيا والسلطان". فأي طريق يسلكه النبي سيكون في نظرهم دليلًا ضده، وهذا يكشف أن موقفهم ليس نابعًا من معايير موضوعية، بل من موقف مسبق يبحث عن أي مبرر للرفض.

الخطأ الثالث: تجاهل الحقائق التاريخية الثابتة

والخطأ المنهجي الثالث في هذه الشبهة هو التجاهل التام للحقائق التاريخية الثابتة عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العملية، والاكتفاء بافتراضات نظرية لا تستند إلى أي دليل واقعي.

فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم حقًّا طالب دنيا كما يزعمون، لظهرت عليه علامات ذلك واضحة جلية، خاصة عندما تمكّن وصار له الأمر في المدينة ثم في الجزيرة العربية. فالتاريخ يعلّمنا أن طلاب الدنيا يكشفون عن وجههم الحقيقي عند التمكين، فيعيشون في القصور، ويتنعمون بالثروات، ويحيطون أنفسهم بمظاهر الأبهة والعظمة.

لكن الحقائق التاريخية الثابتة تشهد بعكس ذلك تماماً، كما سنبين بالتفصيل في الفقرات القادمة.

تفنيد المطامع الدنيوية المزعومة

وبعد بيان الأخطاء المنهجية في أصل الشبهة، ننتقل الآن إلى فحص كل مطمع من المطامع الدنيوية التي يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى إليها، وسنرى كيف أن الوقائع التاريخية الثابتة تدحض هذه المزاعم واحداً تلو الآخر.

أولًا: نفي شبهة طلب الملك والسلطان

لو كان محمد صلى الله عليه وسلم طالب ملك حقاً، لظهرت عليه علامات ذلك واضحة عندما تمكّن وصار له الأمر في المدينة ثم في جزيرة العرب.

لكن ماذا نجد؟ نجد أنه عاش في حجرات من طين وجريد النخل، ينام على حصير من خوص حتى أثّر في جنبه الشريف. ولما بكى عمر رضي الله عنه من ذلك وذكر له ما عليه ملوك الفرس والروم من النعيم، قال له: "ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

كانت تمر الأيام والشهور ولا يوقد في بيته نار لطعام، إنما هو التمر والماء. وإذا جاءه المال وزّعه من يومه، حتى إنه صلى الله عليه وسلم ما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة، ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير اقترضها لأهله.

كان يخصف نعله بيده، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويقول: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد". إذا مشى مع أصحابه لم يتقدمهم، وإذا دخل مجلساً جلس حيث ينتهي به المجلس. حتى إن الغريب ليدخل فلا يميزه من بين أصحابه فيسأل: أيكم محمد؟

فهل نجد في التاريخ كله طالب ملك عاش هكذا؟ وهل يُعقل أن يقضي الإنسان حياته كلها يمثل دور الزاهد ليخدع الناس، ثم يموت وهو على نفس الحال؟

ثانياً: نفي شبهة طلب الخلود والذكر

لو كان محمد صلى الله عليه وسلم يسعى لخلود الذكر في الناس، فقد كان بين يديه أعظم وسيلة لتحقيق ذلك: القرآن الكريم. هذا الكتاب الذي أجمع العرب - أساطين البلاغة والفصاحة - على أنه فاق كل ما عرفوه من بيان.

فإذا كانت قصيدة واحدة من معلقات العرب تكفي لتخليد ذكر صاحبها، فكيف بمن جاء بكتاب يفوق كل شعرهم ونثرهم؟ لو كان طالب ذكر وخلود، لكان يكفيه أن ينسب إليه هذا الكتاب ليضمن خلودًا لا نظير له في تاريخ البشرية.

لكن ماذا فعل محمد صلى الله عليه وسلم؟ نسب الكتاب كله لله تعالى، ونفى عن نفسه أي فضل في تأليفه أو صياغته. بل كان يشدد على أنه مجرد مبلّغ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].

والأعجب من ذلك أن اسمه لم يرد في القرآن إلا خمس مرات فقط، بينما ورد اسم موسى 136 مرة، وعيسى 25 مرة، ومريم 34 مرة. لو كان يريد الخلود عبر هذا الكتاب، أما كان الأولى أن يملأه باسمه ونسبه وذكر مآثره؟

ثم إن نسبة القرآن إلى الله تعالى لم تكن طريقًا سهلًا للخلود كما قد يُتوهم، بل كانت أثقل المسؤوليات وأخطرها. فمن يدّعي أن هذا الكلام وحي من الله، يضع نفسه أمام امتحان لا يرحم: إما أن يكون صادقاً فيما يدّعي، أو يُفتضح أمره ويصبح أضحوكة التاريخ.

فها هو مسيلمة الكذاب، ادّعى النبوة وحاول أن يأتي بقرآن من عنده، فما كانت النتيجة؟ صار اسمه مقرونًا بالكذب إلى يوم القيامة. وكذلك الأسود العنسي وسجاح وغيرهم، صاروا عبرة ومثلًا للافتضاح والخزي الأبدي.

ثالثًا: نفي شبهة طلب المال والثروة

هذه الشبهة من أعجب الشبهات وأسهلها دحضًا، إذ يكفي النظر في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة آل بيته من بعده لتنهار من أساسها.

فلو كان الرجل يسعى للثراء، فقد كانت الفرص أمامه كثيرة ومتنوعة، لكنه أعرض عنها جميعًا واختار حياة الزهد والكفاف. صار له الأمر في المدينة، ثم فُتحت له خيبر بخيراتها وأموالها، ثم جاءته الجزية من نجران، وأموال البحرين، وغنائم حنين التي قال عنها أنس: "ما رأينا مثلها قط".

ومع ذلك، كيف كان يعيش؟ كانت تمر الشهور ولا يوقد في بيته نار، يعيش على التمر والماء. مات ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا من شعير اقترضها طعامًا لأهله.

وأما المال الذي يأتيه، فكان يوزعه من يومه. جاءه مرة تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، فقام يقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها. وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.

وأما آل بيته وعائلته، فلو كان يريد لهم الثراء لما فعل ما فعل. أوّلًا، حرّم عليهم الصدقة تحريمًا أبديًا فقال: "إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد". ثم لما مات لم يورثهم شيئًا، بل قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة".

فأي مشروع مالي هذا الذي يحرم صاحبه وأهله من المال في حياته، ويحرمهم من الميراث بعد مماته، ويحرمهم من الصدقات إلى يوم القيامة؟

رابعًا: نفي شبهة طلب النساء والشهوة

من أغرب ما يُثار حول النبي صلى الله عليه وسلم اتهامه بأنه كان مدفوعًا بشهوة النساء، وهذه شبهة تنهار عند أول فحص منصف لحقائق سيرته.

فلو كان الرجل شهوانيًا كما يزعمون، لظهرت عليه علامات ذلك من شبابه. لكن ما نجده يناقض هذا تمامًا. عاش صلى الله عليه وسلم شبابه في مجتمع جاهلي لا يحرّم الزنا، بل يفخر بالمغامرات النسائية، ومع ذلك لم تُعرف عنه أي علاقة محرمة قط.

ثم تزوج في الخامسة والعشرين من خديجة التي تكبره بخمسة عشر عامًا، وكانت ثيبًا تزوّجت مرتين قبله، وبقي معها وحدها خمسًا وعشرين سنة - أجمل سنوات العمر وأقواها - لم يتزوج عليها حتى توفيت. أي شهواني يفعل هذا؟

ثم لما تزوج بعدها، انظر إلى نوعية زوجاته: سودة بنت زمعة امرأة مسنة، تزوجها رحمة بها بعد وفاة زوجها. حفصة بنت عمر أرملة ترملت في سن مبكرة. أم سلمة أرملة أبي سلمة وأم أيتام. زينب بنت خزيمة أرملة عُرفت بأم المساكين.

معظمهن أرامل أو مسنات أو من ظروف خاصة تحتاج رعاية. لو كان يبحث عن الجمال والمتعة، أما كان الأولى أن يتزوج الأبكار الشابات الجميلات وهن يُعرضن عليه؟

والأعجب من هذا كله ما حدث في السنة التاسعة من الهجرة، عندما خيّر الله نبيه أن يُخيّر نساءه بين البقاء معه على حياة الشدة والزهد، أو أن يسرّحهن ليبحثن عن حياة أرغد. فاخترن جميعاً البقاء معه رغم شظف العيش وقلة ذات اليد.

تسع نساء يخترن البقاء مع رجل واحد على الفقر والحرمان! والنساء أعرف الناس بحقيقة أزواجهن، فلو كان دجالًا أو طالب دنيا لعرفن ذلك وانفضضن عنه عندما أُتيحت لهن الفرصة.